الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( قال ) : وإذا قال : أول امرأة أتزوجها فهي طالق ثلاثا فتزوج امرأتين في عقدة ، ثم واحدة في عقدة لم تطلق واحدة منهن ; لأن الأول اسم لفرد سابق لا يشاركه فيه غيره ، ولم توجد صفة الفردية في الأوليين ; لأن كل واحدة منهما مزاحمة للأخرى في العقد ولم توجد صفة السبق في الثالثة ; لأنه تقدمها امرأتان فلم تثبت صفة الأولية لواحدة منهن ، ولو كان قال مع هذا : وآخر امرأة أتزوجها فهي طالق لم تطلق الثالثة أيضا ; لأن الآخر اسم لفرد متأخر لا يعقبه غيره ، ونحن لا ندري أن الثالثة هل هي آخر أم لا ; لجواز أن يتزوج بعدها غيرها ، فإن مات قبل أن يتزوج أخرى طلقت الثالثة عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى من حين تزوجها حتى لا يلزمها العدة إن لم يدخل بها ، ولا ميراث لها ، وإن كان دخل بها ; فلها عليه مهر ونصف نصف مهر بالطلاق قبل الدخول ، ومهر بالدخول ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى إنما تطلق الثالثة قبيل الموت حتى يكون لها الميراث إذا كان دخل بها ، ولا مهر عليه بالدخول سوى مهر النكاح ، وعليها عدة الوفاة ، والطلاق جميعا عند محمد ، وعند أبي يوسف رحمهما الله تعالى ليس عليها عدة الوفاة وجه قولهما أن [ ص: 131 ] الثالثة إنما استحقت صفة الآخرية حين أشرف على الموت وعجز عن التزوج بغيرها فتطلق في الحال كما لو تزوج امرأة ، ثم قال لها : إن لم أتزوج عليك أخرى فأنت طالق فإنما تطلق قبيل موته بلا فصل ، وهما في المعنى سواء ; لأنها إنما تكون آخرا بشرط أن لا يتزوج بعدها غيرها إلا أن عند محمد لما أخذت الميراث بحكم الفرار لزمها عدة الوفاة مع عدة الطلاق .

وعند أبي يوسف رحمه الله تعالى لا تلزمها عدة الوفاة ، وإن ورثته بالفرار وأبو حنيفة رحمه الله تعالى يقول : لما تزوجها بعد الأوليين فقد اتصفت بصفة الآخرية ، ولكن هذه الصفة بعرض أن تزول عنها بأن يتزوج غيرها فلا يحكم بالطلاق لهذا ، فإذا لم يتزوج غيرها حتى مات تقررت صفة الآخرية فيها من حين تزوجها فتطلق من ذلك الوقت كما لو قال لامرأته : إذا حضت فأنت طالق فرأت الدم لا يحكم بوقوع الطلاق : لجواز أن ينقطع فيما دون الثلاث ، وإن استمر تبين أن الطلاق كان واقعا مع أول قطرة من الدم وهذا بخلاف ما لو قال : إن لم أتزوج عليك ; لأنه جعل عدم التزوج شرطا مفصحا به للطلاق ، ولا يتحقق هذا الشرط إلا عند موته ، وما لم يتحقق الشرط لا ينزل الجزاء ، ويجوز أن يفرق الفصلان ; لاختلاف اللفظ مع التقارب في المعنى كما لو قال لامرأته : إن لم أشأ طلاقك فأنت طالق ، ثم قال : لا أشاء لا تطلق مادام حيا ولو قال : إن أبيت طلاقك فأنت طالق ، ثم قال : قد أبيت طلاقك تطلق ، وهما في المعنى سواء ، ثم اختلف الجواب لاختلاف لفظ الشرط من الوجه الذي قلنا .

التالي السابق


الخدمات العلمية