الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : وأما الشرط الثاني : وهو أن تكون السخال من نتاج غنمه ، فقد خالف أبو حنيفة ومالك في اعتبار هذا الشرط فقالا : كل ما استفاد من جنس ما ضمه إليه في حوله ، وأخرج زكاته تبعا لماله ، سواء كان من نتاج ماله ، أو ملكه بابتياع أو هبة . وقد ذكر الشافعي هذه المسألة فيما بعد ، لكن تقدم الكلام فيها ؛ لأن هذا الوضع أليق بها ، فأما مخالفنا فاستدل

                                                                                                                                            [ ص: 116 ] برواية ابن الزبير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اعلموا شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم ، فما حدث بعد ذلك فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس السنة " ، فقد بين أن السنة تجمع لزكاة المالين جميعا من الأصل المستفاد ، وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " في خمس شاة ، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرا " ، فاقتضى الظاهر أنها متى بلغت عشرا بفائدة منها أو من غيرها وجب تغيير الفرض بها ، وقال صلى الله عليه وسلم لساعيه " عد عليهم صغيرها وكبيرها " ولم يفرق ، ولأنها زيادة من نفس ماله ، فوجب إذا لم يزل بدله أن يضمه إلى حول ما عنده ، كالنتاج وأرباح التجارات ، ولأن الزكاة تفتقر إلى عدد وأمد ، فالعدد النصاب ، والأمد الحول ، فلما لم يعتبر في المستفاد النصاب لم يعتبر فيه الحول .

                                                                                                                                            والدلالة على أن كل مال مستفاد من غير النتاج يجب استئناف حوله ولا يكون تابعا لحوله قوله صلى الله عليه وسلم " لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول " فكان عاما وروى زيد بن أسلم عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ليس في المال المستفاد زكاة حتى يحول عليه الحول " وهذا نص ، وقد رواه أيضا جابر بن زيد عن ابن عمر ، ورواه أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولأنه أصل في نفسه تجب الزكاة في عينه ، فوجب أن لا يعتبر حوله بغيره . أصله : إذا كانت الفائدة من غير جنس ماله ، ولأنها فائدة غير متولدة مما عنده تجب الزكاة في عينها ، فوجب أن يكون حولها معتبرا بنفسها ، أصله ما وافقنا عليه أبو حنيفة فيمن معه مائتا درهم ، قد أخرج زكاتها ، وأربعون من الغنم من بقي شهر من حولها ، فاشترى بالمائتين إحدى وثمانين شاة .

                                                                                                                                            قال أبو حنيفة : لا يجب أن يزكيها بحول الأربعين ، ويستأنف لها الحول من يوم ملكها ، لأنه قد زكى أصلها وهو المائتان ، ولو لم يزك أصلها ضمها ، وهذا حجة عليه مقنعة ، ولأن في ضم المال المستفاد من غير النتاج ما يؤدي إلى مخالفة أصول الزكوات ، لأنها تجب في الحول مرة ، وذلك يؤدي إلى إيجابها في الحول مرارا .

                                                                                                                                            مثال : فيمن معه خمس من الإبل قد بقي من حولها يوم ، فابتاع خمسا من الإبل فزكاها بعد يوم ثم باعها على رجل معه خمس من الإبل قد بقي من حولها يوم فزكاها الثاني بعد يوم ثم باعها على ثالث حاله كذلك ، ثم على رابع ، وخامس فيؤدى زكاة الخمس في السنة الواحدة مرارا ، وهذا مناف لأصول الزكوات المقدرة على إيجابها في كل حول مرة .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم " اعلموا شهرا تؤدون فيه زكاة أموالكم ، فما حدث بعد ذلك فلا زكاة فيه حتى يجيء رأس السنة " فلا حجة فيه ، لأنه يحتمل رأس السنة [ ص: 117 ] المستفاد فيها ، ويحتمل رأس سنة الأصل ، ومع هذا الاحتمال فحمله على سنة المستفاد أولى ، لقوله صلى الله عليه وسلم لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول " وأما قوله صلى الله عليه وسلم " في خمس من الإبل شاة ، ثم لا شيء في زيادتها حتى تبلغ عشرا " فهذا إنما أراد به بيان المقادير دون ضم المستفاد ، فلم يجز حمله على غير المراد وكذلك قوله لساعيه :عد عليهم صغيرها وكبيرها " أراد به بيان الحكم في الصغار والكبار ، فلم يجز حمله على غيره ، وأما قياسهم على نتاج ماله ، فالمعنى فيه أنها متولدة مما عنده ، وأما قولهم إنه لما لم يعتبر في المستفاد النصاب لم يعتبر فيه الحول ، فينكسر عن اتباع ماشيته بمال قد زكاه ، فلا يجب عندهم أن يضمه إلى حول ماشيته ، ويستأنف حوله من يوم ملكه ، فكان الحول معتبرا وإن لم يكن النصاب معتبرا ، على أن الفرق بين النصاب والحول ، أن النصاب اعتبر ليبلغ المال قدرا يتسع للمواساة ، وهذا حاصل بوجود ما استفاده ، والحول اعتبر ليتكامل فيه نماء المال ، وهذا غير حاصل بوجود ما استفاده حتى يحول حوله .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية