الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي رضي الله عنه : " ولو غنموا فلم يقسمه الوالي حتى حال الحول ، فقد أساء إن لم يكن له عذر ، ولا زكاة في فضة منها ولا ذهب حتى يستقبل بها حولا بعد القسم : لأنه لا ملك لأحد فيه بعينه ، وأن للإمام أن يمنعهم قسمته إلا أن يمكنه ، ولأن فيها خمسا وإذا عزل سهم النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم منها لما ينوب المسلمين فلا زكاة فيه : لأنه ليس لمالك بعينه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : إذا غزا المسلمون أرض العدو فغنموا أموالهم لم يجز للإمام تأخير قسم مال الغنيمة بينهم ، إلا لعذر من دوام حرب أو رجعة عدو ، قد أخر ابن الحضرمي قسمة غنائمه معذورا لإشكال عليه ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينكر تأخير قسمتها عليه ، وأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمة غنائم هوازن لعذر ، فأما تأخير قسمتها مع ارتفاع الأعذار وزوال الموانع فغير جائز : لما فيه من الأضرار بالغانمين ، وكره أبو حنيفة تعجيل قسمة الغنيمة في أرض الحرب ، وسيأتي الكلام معه في كتاب " السير " إن شاء الله ، ثم الكلام بعد هذا في فصلين :

                                                                                                                                            أحدهما : في كيفية ملك الغنيمة .

                                                                                                                                            والثاني : في زكاة مال الغنيمة .

                                                                                                                                            فأما ملك الغنيمة ، فمتى كانت الحرب قائمة فالغنائم غير مملوكة ، وإن أجازها المسلمون ومن غنم شيئا لم يملكه ولا مالك أن يتملكه : لأن غنيمة العدو من توابع الظفر به وهو مع المعاونة والحرب غير مظفور به ولا مقدور عليه ، فإذا انجلت الحرب وأحيزت الغنائم ، فقد ملك المسلمون أن يتملكوا إلا أنهم في الحال قد ملكوا كالشفيع ملك بالشفعة أن يتملك ، والموصى له بالوصية ملك أن يتملك ، وللزوج ملك بالطلاق قبل الدخول أن يتملك ، وغريم المفلس ملك بفلس المشتري أن يتملك ، وإنما ملكوا أن يتملكوا من غير أن يكونوا قد ملكوا : لأن واحدا منهم لو ترك حقه ، ولم يختر تملكه رجع سهمه على الذين معه كالشفعة وإن لم يكن موقوفا له كالورثة الذين إذا ترك أحدهم حقه لم يرجع على الذي معه ، فكان موقوفا له ، وإذا ثبت أن الغانمين ملكوا بالغنيمة أن يتملكوا فتملكهم يكون بأحد أمرين :

                                                                                                                                            إما باختيار التملك ، وذلك بأن يقولوا قد اخترنا أن نملك فيملكون كما يملك الموصى له لقبوله .

                                                                                                                                            [ ص: 322 ] وإما بأن يقسمها بينهم ، فيأخذ كل واحد سهمه فيعلم أنه قد اختاره وملكه كما يملك أهل السهمان ما قسم عليهم من الزكاة .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية