الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر غزو الروم

وفي هذه السنة دخل القاسم بن الرشيد أرض الروم في شعبان ، فأناخ على قرة ، [ ص: 358 ] وحصرها ، ووجه العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث ، فحصر حصن سنان ، حتى جهد أهلها ، فبعث إليه الروم ثلاثمائة وعشرين أسيرا من المسلمين على أن يرحل عنهم ، فأجابهم ورحل عنهم صلحا .

ومات علي بن عيسى في هذه الغزاة بأرض الروم .

وكان يملك الروم حينئذ امرأة اسمها ريني ، فخلعتها الروم وملكت نقفور ، وتزعم الروم أنه من أولاد جفنة بن غسان ، وكان قبل أن يملك يلي ديوان الخراج ، وماتت ريني بعد خمسة أشهر من خلعها .

فلما استوثقت الروم لنقفور كتب إلى الرشيد : من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب ، أما بعد ، فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ ، وأقامت نفسها مقام البيدق ، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أضعافها إليها ، لكن ذلك ضعف النساء وحمقهن ، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد ما حصل لك من أموالها ، وافتد نفسك بما تقع به المصادرة لك ، وإلا فالسيف بيننا وبينك .

[ ص: 359 ] فلما قرأ الرشيد الكتاب استفزه الغضب ، حتى لم يقدر أحد أن ينظر إليه دون أن يخاطبه ، وتفرق جلساؤه ، فدعا بدواة وكتب على ظهر الكتاب : بسم الله الرحمن الرحيم ، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم ، قد قرأت كتابك يابن الكافرة ، والجواب ما تراه دون ما تسمعه ، والسلام .

ثم سار من يومه حتى نزل على هرقلة ففتح وغنم وأحرق وخرب ، فسأله نقفور المصالحة على خراج يحمله كل سنة ، فأجابه إلى ذلك .

فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض نقفور العهد ، وكان البرد شديدا ، فأمن رجعة الرشيد إليه ، فلما جاء الخبر بنقضه ما جسر أحد على إخبار الرشيد ، خوفا على أنفسهم من العود في مثل ذلك البرد ، وإشفاقا من الرشيد ، فاحتيل له بشاعر من أهل جنده ، وهو أبو محمد عبد الله بن يوسف ، وقيل هو الحجاج بن يوسف التميمي ، فقال أبياتا ، منها :

نقض الذي أعطيته نقفور فعليه دائرة البوار تدور     أبشر أمير المؤمنين فإنه
فتح أتاك به الإله كبير     فتح يزيد على الفتوح
يؤمنا بالنصر فيه لواؤك المنصور



في أبيات غيرها .

فلما سمع الرشيد ذلك قال : أوقد فعل ذلك نقفور ؟ وعلم أن الوزراء قد احتالوا له في ذلك ، فرجع إلى بلاد الروم في ( أشد زمان وأعظم كلفة ، حتى بلغ بلادهم ) ، فأقام بها حتى شفى واشتفى وبلغ ما أراد .

[ ص: 360 ] وقيل : كان فعل نقفور وهذه الأبيات سببا لسير الرشيد وفتح هرقلة ، على ما نذكره ، سنة تسعين ومائة ، إن شاء الله - تعالى - .

التالي السابق


الخدمات العلمية