الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        إذا أشرفت السفينة على الغرق ؛ جاز إلقاء بعض أمتعتها في البحر ، ويجب الإلقاء رجاء نجاة الراكبين إذا خيف الهلاك ، ويجب إلقاء ما لا روح فيه لتخليص ذي الروح ، ولا يجوز إلقاء الدواب إذا أمكن دفع الغرق بغير الحيوان . وإذا مست الحاجة إلى إلقاء الدواب ، ألقيت لإبقاء الآدميين ، والعبيد كالأحرار ، وإذا قصر من عليه الإلقاء حتى غرقت السفينة ؛ فعليه الإثم ولا ضمان كما لو لم يطعم صاحب الطعام المضطر حتى مات ، يعصي ولا يضمنه . ولا يجوز إلقاء المال في البحر من غير خوف ؛ لأنه إضاعة للمال . وإذا ألقى متاع نفسه أو متاع [ ص: 339 ] غيره بإذنه رجاء السلامة ؛ فلا ضمان على أحد ، ولو ألقى متاع غيره بغير إذنه ؛ وجب الضمان . وقيل : إذا ألقى من لا خوف عليه متاع نفسه لإنقاذ غيره ؛ ففي رجوعه عليه وجهان ، كمن أطعم المضطر قهرا . والمذهب الأول .

                                                                                                                                                                        ولو قال لغيره : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه أو على أني ضامن ، أو على أني أضمن قيمته ؛ فألقاه فعلى الملتمس ضمانه .

                                                                                                                                                                        وقال أبو ثور وبعض الأصحاب : لا يجب ضمانه ؛ لأنه ضمان ما لم يجب ؛ والصحيح الأول ، وبه قطع الجمهور ؛ لأنه التماس إتلاف بعوض له فيه غرض صحيح ؛ فصار كقوله : أعتق عبدك على كذا ؛ فأعتق .

                                                                                                                                                                        قال الأصحاب : وليس هذا على حقيقة الضمان وإن سمي ضمانا ؛ ولكنه بذل مال للتخليص عن الهلاك ؛ فهو كما لو قال : أطلق هذا الأسير ولك علي كذا ؛ فأطلقه ، يجب الضمان .

                                                                                                                                                                        وبنى القاضي حسين عليه أنه لو قال لمن له القصاص : اعف ولك كذا ، أو قال لرجل : أطعم هذا الجائع ولك علي كذا فأجاب : يستحق المسمى ؛ أما إذا اقتصر على قوله : ألق متاعك في البحر ، ولم يقل : وعلي ضمانه ، فألقاه ؛ فقيل في وجوب الضمان خلاف ؛ كقوله : أد ديني . وقطع الجمهور بأنه لا ضمان ؛ لأن قضاء الدين ينفعه قطعا وهذا قد لا ينفعه .

                                                                                                                                                                        قال البغوي : وتعتبر قيمة الملقى قبل هيجان الأمواج ؛ فإنه لا قيمة للمال في تلك الحال ؛ فلا تجعل قيمة المال في البحر وهو على خطر الهلاك كقيمة البر .

                                                                                                                                                                        ثم إنما يجب الضمان على الملتمس بشرطين ؛ أحدهما : أن يكون الالتماس عند خوف الغرق ؛ فأما في غير حال الخوف فلا يقتضي الالتماس ضمانا ؛ سواء قال : على أني ضامن ، أو لم يقل ؛ كما لو قال : اهدم دارك ففعل .

                                                                                                                                                                        الشرط الثاني : أن لا تختص فائدة الإلقاء بصاحب المتاع ، واعلم أن فائدة التخليص بإلقاء المتاع تتصور في صور :

                                                                                                                                                                        [ ص: 340 ] إحداها : أن يختص بصاحب المتاع ؛ فإذا كان في السفينة المشرفة راكب ومتاعه ، فقال له رجل من الشط ، أو من زورق بقربها : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه فألقى ؛ لا يجب الضمان ، ولا يحل له أخذ الضمان ؛ لأنه فعل ما هو واجب عليه لغرض نفسه ؛ فلا يستحق عوضا ؛ كما لو قال للمضطر : كل طعامك وأنا ضامنه لك فأكله ، لا شيء على الملتمس .

                                                                                                                                                                        الثانية : أن يختص بالملتمس ، بأن أشرفت سفينة على الغرق وفيها متاع رجل وهو خارج عنها ؛ فقال للخارج : ألق متاعك في البحر وعلي ضمانه فألقى ؛ وجب الضمان كما ذكرنا سواء حصلت السلامة أم لا ؛ حتى لو هلك الملتمس وجب الضمان في تركته .

                                                                                                                                                                        الثالثة : أن يختص بغيرهما ؛ بأن كان الملتمس وصاحب المتاع خارجين عن السفينة وفيها جماعة مشرفون على الغرق ؛ وجب الضمان على الملتمس أيضا ؛ لأنه غرض صحيح .

                                                                                                                                                                        الرابعة : أن تعود المصلحة إلى ملقي المتاع وغيره دون الملتمس ، فوجهان : أصحهما : يجب ضمان جميع المتاع ، والثاني : بقسط الملقى على مالكه وسائر من فيها ، فيسقط قسط المالك ويجب الباقي . فإن كان معه واحد ، وجب نصف الضمان ؛ وإن كان معه تسعة ، وجب تسعة أعشاره .

                                                                                                                                                                        الخامسة : أن يكون في الإلقاء تخليص الملتمس وغيره ؛ بأن التمس بعض ركاب السفينة من بعض ، فيجب الضمان على الملتمس ؛ قال الإمام : ويجيء الوجهان في أنه هل تسقط حصة المالك ؟

                                                                                                                                                                        [ ص: 341 ] فرع

                                                                                                                                                                        إذا قال : ألق متاعك في البحر وأنا وركاب السفينة ضامنون ، كل واحد منا على الكمال ، أو على أني ضامن وكل واحد منهم ضامن ؛ فعليه ضمان الجميع ، ولو قال : أنا وهم ضامنون كل واحد منا بالحصة ؛ لزمه ما يخصه . وكذا لو قال : أنا وهم ضامنون ، واقتصر عليه ، ولو قال : وأنا ضامن وركاب السفينة ، أو على أن أضمنه أنا والركاب ، أو قال : وأنا ضامن وهم ضامنون ، لزمه ضمان الجميع على الأصح .

                                                                                                                                                                        وقيل : على القسط ، ثم قوله : هم ضامنون ، إما للجميع ، وإما للحصة ، إن أراد به الإخبار عن ضمان سبق منهم ، واعترفوا به لزمهم ، وإن أنكروا ؛ فهم المصدقون ، وإن قال : أردت إنشاء الضمان عنهم ؛ فقيل : إن رضوا به ، ثبت المال عليهم ، والصحيح أنه لا يثبت ؛ لأن العقود لا توقف .

                                                                                                                                                                        وإن قال : وأنا وهم ضمناء وضمنت عنهم بإذنهم ؛ طولب هو بالجميع بقوله . وإذا أنكروا الإذن ؛ فهم المصدقون حتى لا يرجع عليهم .

                                                                                                                                                                        ولو قال : أنا وهم ضمناء وأصححه من مالهم ؛ فقد نقل الأئمة لا سيما العراقيون : أنه يطالب بالجميع أيضا . وكذا لو قال : أنا أحصله من مالهم كما لو قال : اخلعها على ألف أصححها لك من مالها ، أو أضمنها لك من مالها ؛ يلزمه الألف .

                                                                                                                                                                        ولو قال : ألق متاعك في البحر على أني وهم ضمناء ؛ فأذن له في الإلقاء فألقاه ؛ فهل تلزمه الحصة أم الجميع ؛ لأنه باشر الإتلاف ؟ وجهان .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : ألق متاعك وعلي نصف الضمان ، وعلى فلان الثلث ، وعلى فلان السدس ؛ لزمه النصف .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال لرجل : ألق متاع زيد وعلي ضمانه إن طالبك ؛ فالضمان على الملقي دون الآمر .

                                                                                                                                                                        [ ص: 342 ] فرع

                                                                                                                                                                        قال الإمام : المتاع الملقى لا يخرج عن ملك مالكه حتى لو لفظه البحر على الساحل ، وظفرنا به ؛ فهو لمالكه ، ويسترد الضامن المبذول . وهل للمالك أن يمسك ما أخذه ، ويرد بدله ؟ فيه خلاف كالخلاف في العين المقرضة إذا كانت باقية ؛ فهل للمقترض إمساكها ورد بدلها ؟

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية