الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 308 ] وشرط حكم الفرع مساواته لحكم الأصل ، كقياس البيع على النكاح في الصحة ; والزنى على الشرب في التحريم ، وإلا لزم تعدد العلة ، وهو خلاف الفرض ، أو اتحادها مع تفاوت المعلول ، وهو محال عقلا ، وخلاف الأصل شرعا ، ولأنه إن كان دون حكم الأصل فالعلة تقتضي كماله ، وإن كان أعلى فاقتصار الشارع على حكم الأصل يقتضي اختصاصه بمزيد فائدة ، أو ثبوت مانع ، وأن يكون شرعيا لا عقليا ، أو أصوليا علميا ، إذ القاطع لا يثبت بالقياس الظني ; وفي اللغوي خلاف سبق .

التالي السابق


قوله : " وشرط حكم الفرع مساواته لحكم الأصل " إلى آخره . هذا ذكر ما يشترط للركن الثاني من أركان القياس ، وهو الفرع ، وذلك شرطان في " المختصر " :

أحدهما : أن يكون حكمه مساويا لحكم الأصل ، " كقياس البيع على النكاح في الصحة ؟ ، كقولنا في بيع الغائب : عقد على غائب ، فصح قياسا على النكاح ، وكقياس " الزنى على الشرب في التحريم " ، وكقياس الصوم على الصلاة في الوجوب .

قوله : " وإلا لزم تعدد العلة ، وهو خلاف الفرض " ، أي : وإن لم يكن حكم الفرع مساويا لحكم الأصل ، لزم أحد أمرين : إما تعدد العلة في الفرع والأصل ، وأن تكون العلة في أحدهما غير العلة في الآخر ، إذ لو [ ص: 309 ] اتحدت فيهما ، لما اختلف أثرها ، وهو الحكم ، لكن تعدد العلة خلاف الفرض ، أي : خلاف التقدير ؛ إذ التقدير تعدية حكم الأصل إلى الفرع بعلته . وإما اتحاد العلة " مع تفاوت المعلول ، وهو محال عقلا ، وخلاف الأصل شرعا " ; أما أنه " محال عقلا " ; فلأن العلة العقلية إذا اتحد محلها ، أو تعدد واستوى في قبوله لأثرها ، لا يؤثر أثرا مختلفا ، بل متساويا ، كالكسر مع الانكسار ، والتسويد مع الاسوداد ، فإنا إذا فرضنا جسمين مستويين في قبول التسويد ، وسودناهما تسويدا متساويا ، كان اسودادهما متساويا ، كالثوبين يصبغان بصبغ واحد .

وأما كون ذلك " خلاف الأصل شرعا " ، فلما تقرر من أن الأصل ورود الشرع على وفق العقل . وقد بينا أن اتحاد العلة مع تفاوت المعلول ممتنع عقلا ، فلو قدرنا وقوعه شرعا ، لكان ذلك خلاف الأصل في الشرع من جهة أن الأصل موافقته للعقل ، ومخالفته له في التعبدات ونحوها خلاف الأصل ، وإنما قلنا : إن ذلك خلاف الأصل شرعا ، ولم نقل : إنه محال شرعا ؛ لأن علل الشرع وضعية على جهة التعريف للحكم ، فلا يمتنع أن يكون الوصف الواحد معرفا لحكمين متفاوتين بخلاف العلة العقلية ، فإنها حقيقة مؤثرة يستحيل فيها ذلك .

قوله : " ولأنه إن كان دون حكم الأصل " ، إلى آخره . هذا دليل آخر على امتناع تفاوت الحكم في الأصل والفرع .

[ ص: 310 ] وتقريره : أنهما لو تفاوتا ، لكان حكم الفرع إما دون حكم الأصل في تحصيل الحكمة المطلوبة ، أو أعلى منه ، فإن كان دونه كما إذا قسنا الندب على الوجوب ، فعلة الأصل تقتضي كمال حكم الفرع ، ولم يحصل ؛ لأن حكمة الوجوب ومصلحته أكمل من حكمة الندب ، فقد تخلف عن علة الأصل مقتضاها ، فيبطل القياس ، " وإن كان أعلى " منه ، كما إذا قسنا الوجوب على الندب ، " فاقتصار الشارع على حكم الأصل يقتضي " أنه اختص بمزيد فائدة أوجبت تعيينه والاقتصار عليه ، أو بثبوت مانع منع من مجاوزته اختص بمزيد فائدة ؛ لأن الحكيم إذا عن له أمران ، أحدهما أرجح من الآخر ، لا يعدل عن الراجح إلى المرجوح إلا لمانع من الراجح ، أو زيادة فائدة في المرجوح . وأيا ما كان يلزم من زيادة حكم الفرع على الأصل مخالفة ما ثبت في نظر الشارع لأن اقتصاره على الندب في الأصل إن كان لمزيد فائدة ، فزيادة الوجوب في الفرع مفوت لتلك الفائدة ، وهو تثقيل في التكاليف ، وإن كان لمانع منع من إثبات زيادة الوجوب في الأصل ، فوجب أن يمنعنا من إثباتها في الفرع ما منع الشارع من إثباتها في الأصل ؛ لأن حكم الفرع متلقى عن حكم الأصل ، واجتهاد القائس في الفرع تابع لحكم الشرع في الأصل .

وقد يكون الخلاف بين حكم الأصل والفرع بالنفي والإثبات ، كما يقال في تقرير السلم المؤجل : لما بلغ برأس المال أقصى مراتب الأعيان [ ص: 311 ] وهو الحلول ; وجب أن يبلغ بالمسلم فيه أقصى مراتب الديون ، وهو التأجيل ، فإن هذا قياس لإثبات الأجل في المسلم فيه على نفيه في الثمن . ومن هذا الباب قولهم في طهارة الأحداث : طهارة ، فيستوي مائعها وجامدها في النية قياسا على الاستنجاء ، فإنه قياس لإثبات النية في طهارة الحدث على نفيها في طهارة الاستنجاء . وفي هذا خلاف ، والأشبه صحته ، وليس هو من باب قياس الإثبات على الإثبات ؛ لأنهم إنما قاسوا التسوية في إحدى الطهارتين على التسوية في الأخرى ، والتسوية ليست نفيا في إحدى الطهارتين ، ولا إثباتا ، بل متعلقة بالنفي والإثبات ، وذلك لأن طهارة الاستنجاء لا تشترط فيها النية ، سواء كانت بالماء أو بالحجر ، فقد سوى بينهما في عدم النية ، ثم اتفقنا في طهارة الحدث بالجامد ، وهو التيمم على اشتراط النية ، فوجب أن تشترط النية فيها بالماء ، وهو الوضوء ، تسوية بين مائعها وجامدها .

قال الغزالي : يشترط أن لا يفارق حكم الفرع حكم الأصل ، لا في جنسه ، ولا في زيادة ؛ لأن القياس عبارة عن تعدية الحكم من محل إلى محل ، فكيف يختلف ؟

قال الشيخ أبو محمد : فإذا ثبت في الفرع غير حكم الأصل ; لم يكن ذلك تعدية ، بل ابتداء حكم .

الشرط الثاني لحكم الفرع بأن يكون حكما " شرعيا " فرعيا ، " لا عقليا " ، ولا " أصوليا علميا " ، أي : يطلب فيه العلم ؛ لأن ذلك قطعي ، والقياس إنما يفيد الظن ، والقاطع لا يثبت بالظني .

قلت : قد سبق ما في هذا وأن القياس قد يكون قطعيا .

[ ص: 312 ] قوله : " وفي اللغوي خلاف سبق " أي : فإن كان حكم الفرع لغويا كقياس النبيذ على الخمر في تسميته خمرا ، واللائط على الزاني في كونه زانيا ، والنباش على السارق في كونه سارقا ، فهذا قياس لغوي ، وفيه " خلاف سبق " في أول الكتاب في أن اللغة تثبت قياسا ، وقد ذكر لحكم الفرع شروط أخر :

منها : أن لا يمكن الاستدلال عليه بالنص ، إذ يكون إثباته بالقياس حينئذ من باب فساد الوضع ، كما يقال في عدم إجزاء عتق الرقبة الكافرة في كفارة الظهار : تحرير في تكفير ، فلا تجزئ فيه الكافرة قياسا على كفارة القتل . فقال أصحاب أبي حنيفة : هذا على خلاف النص ؛ لأن النص ورد بإجزاء مطلق الرقبة ، وفي النص كفاية ، وقد سبق أن النزاع في هذا مبني على تقييد المطلق مع اختلاف السبب .

ومنها : أن يرد النص بحكم الفرع من حيث الجملة . ذكره أبو هاشم ، وقال : لولا أن الشرع ورد بميراث الجد جملة ، لما نظر الصحابة في توريثه مع الإخوة من حيث التفصيل ، قال غيره : وكذلك لما ورد الشرع بمشروعية الشهادة في النكاح ، وقع النظر في أن الفاسق أو الرجل والمرأتين هل تقبل شهادتهم فيه أم لا ؟ وأفسد الغزالي وغيره هذا الشرط بأن العلماء قاسوا قوله : أنت علي حرام . على الظهار والطلاق واليمين ، ولم يرد فيه حكم جملة ولا تفصيلا ، وإنما حكم الأصل يتعدى العلة كيف ما كان .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث