الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 323 ] واختلف في اطراد العلة ، وهو استمرار حكمها في جميع محالها ، واشترطه القاضي وبعض الشافعية ، خلافا لبعضهم ، ولمالك ، والحنفية ، وأبي الخطاب ، فتبقى بعد التخصيص حجة كالعموم .

                وقيل : مع المانع ، إحالة لتخلف الحكم عليه .

                وقيل : المنصوصة دون المستنبطة لضعفها ، وقيل غير ذلك .

                الأول : تخلف حكمها عنها يدل على عدم عليتها .

                الثاني : علل الشرع أمارات لا مؤثرات ، فلا يشترط فيها ذلك .

                التالي السابق


                قوله : " واختلف في اطراد العلة ، وهو استمرار حكمها في جميع محالها " أي : وجود حكمها في كل محل وجدت فيه ، كوجود التحريم حيث وجد الإسكار ، " فاشترطه القاضي " أبو يعلى " وبعض الشافعية خلافا لبعضهم " أي : لبعض الشافعية " ولمالك والحنفية وأبي الخطاب ، فتبقى " أي : فعلى قول هؤلاء في عدم اشتراط اطرادها تبقى بعد تخصيصها " حجة كالعموم " .

                " وقيل : مع المانع " أي : قال بعض الأصوليين : إنما تكون حجة بعد التخصيص مع المانع في الفرع ، أي : إن وجد في الفرع مانع يمنع تعدي الأصل إليه ، كانت حجة بعد التخصيص " إحالة لتخلف الحكم " على المانع ، لا عدم صلاحية الوصف للعلية استصحابا لحال دليل العلية ، كالقتل العمد العدوان حيث لم يوجب القود على الأب لمانع الأبوة ، لا لعدم صلاحية القتل المذكور للمقتضي .

                [ ص: 324 ] " وقيل : المنصوصة " أي : وقيل : إنما يجوز تخصيص " المنصوصة دون المستنبطة " والفرق بينهما ضعف المستنبطة ، وقوة المنصوصة بالنص ، فلا يخرجها التخصيص عن العلية لقوتها .

                " وقيل غير ذلك " : إشارة إلى تفصيل ذكره الأصوليون غير هذا ، منهم الآمدي وغيره ، وهو طويل لم أذكره لطوله ، والمشهور ما ذكر في " المختصر " وهو أربعة مذاهب .

                ثالثها : إن وجد المانع في صورة النقض ، قدح في العلية ، وإلا فلا .

                ورابعها : إن كانت منصوصة ، لم يقدح التخصيص في عليتها ، وإلا فلا .

                قوله : " الأول " أي : احتج الأول ، وهو الذي اشترط اطرادها بأن قال : " تخلف حكمها عنها يدل على عدم عليتها " أي : على عدم كونها علة لوجهين :

                أحدهما : أن انتفاء الحكم لانتفاء علته موافق للأصل ، وانتفاءه مع وجود علته على خلاف الأصل ، وحمل الأشياء على وفق الأصل أولى من حملها على خلافه .

                الثاني : أن الوصف من حيث هو هو إما أن يكون مستلزما للعلية أو لا ، فإن كان مستلزما للعلية لزم وجود الحكم معه في جميع صوره ، وإن لم يكن مستلزما لها لم يكن علة حتى ينضاف إلى غيره ، والتقدير أنه علة . هذا خلف .

                " الثاني " : أي : احتج القائل الثاني ، وهو الذي أجاز تخصيصها ، وتخلف حكمها عنها في بعض صورها بأن قال : " علل الشرع أمارات لا مؤثرات " [ ص: 325 ] وإذا كانت أمارات لم " يشترط فيها ذلك " لأن الأمارة لا يجب وجود حكمها معها أبدا ، بل يكفي وجوده معها في الأغلب الأكثر ، كالغيث الرطب أمارة على المطر; وإن تخلف عنه في بعض الأوقات ، وكون مركوب القاضي على باب الأمير أمارة على أنه عنده ، وإن اختلف ذلك في بعض الصور .

                قلت : قد تعارض هنا أصلان ، فخرج الخلاف لملاحظتهما ، وذلك لأن فرض المسألة فيما إذا قام دليل على الوصف بطريق من طرقه الاستنباطية من مناسبة أو غيرها ، وإذا كان الفرض ذلك ، فالأصل فيما كان مناسبا وقام دليل عليته في صورة ما أن يكون علة ، وتخلف الحكم عنه في صورة يحتمل أنه لفوات شرط ، أو وجود مانع ، فلا يلغى لأجله وصف قام دليل عليته . وهذا الأصل معارض بما سبق من أن الأصل انتفاء الحكم لانتفاء سببه . أما وجود المانع ونحوه في صورة النقض; فالأصل عدمه ، فلا تعارض ، فلما تعارض هذان الأصلان ، اتجه المذهبان .

                وحجة المذهب الثالث - وإن كنا قد أشرنا إليها وإلى حجة الرابع أيضا فيما سبق - : هو أن قيام المانع في صورة النقض صالح لإحالة تخلف الحكم عليه ، فلا وجه للحكم لانتفاء العلية مع قيام دليلها ، بخلاف ما إذا لم يقم مانع ، فإن إحالة تخلفه على عدم العلية متجه على وفق الأصل .

                [ ص: 326 ] مثاله : أن شرب الخمر علة وجوب الحد قد تخلف في صورة الإكراه ، أحلنا تخلفه عليه ، لأنه مانع ، أما لو تخلف وجوب الحد في الشرب في حالة الاختيار ، ولم يكن ثم مانع غير الإكراه ولا انتفاء شرط ، دل على عدم صلاحية الشرب لإيجاب الجلد ، إذ ليس هناك ما يصلح أن يحال تخلف الحكم عليه غيره .

                وحجة المذهب الرابع أن العلة إذا كانت منصوصة أو مجمعا عليها ، تعين الانقياد لنص الشارع والإجماع المعصومين ، ولم يؤثر في ذلك تخلف الحكم عنها في صورة ما ، لأن النص والإجماع يفيدان من ظن الصحة أكثر مما يفيد التخصيص من ظن البطلان ، والله - سبحانه وتعالى - أعلم .




                الخدمات العلمية