الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ذكر اجتماع الحكمين

ولما جاء وقت اجتماع الحكمين ، أرسل علي أربعمائة رجل ، عليهم شريح بن هانئ الحارثي ، وأوصاه أن يقول لعمرو بن العاص : إن عليا يقول لك : إن أفضل الناس عند الله - عز وجل - من كان العمل بالحق أحب إليه ، وإن نقصه من الباطل وإن زاده . يا عمرو والله إنك لتعلم أين موضع الحق فلم تتجاهل ؟ إن أوتيت طمعا يسيرا كنت لله به ولأوليائه عدوا ، وكأن والله ما أوتيت قد زال عنك ! ويحك فلا تكن للخائنين خصيما ، وللظالمين ظهيرا ، أما إني أعلم بيومك الذي أنت فيه نادم ، وهو يوم وفاتك ، تتمنى أنك لم تظهر لمسلم عداوة ، ولم تأخذ على حكم رشوة .

فلما بلغه تغير وجهه ثم قال : متى كنت أقبل مشورة علي ، أو أنتهي إلى أمره ، أو [ ص: 681 ] أعتد برأيه ؟ فقال له : وما يمنعك يا ابن النابغة أن تقبل من مولاك وسيد المسلمين بعد نبيهم مشورته ؟ فقد كان من هو خير منك أبو بكر ، وعمر يستشيرانه ، ويعملان برأيه . فقال له : إن مثلي لا يكلم مثلك . قال شريح : بأي أبويك ترغب عني يا ابن النابغة ؟ أبأبيك الوسط أم بأمك النابغة ؟ فقام عنه .

وأرسل علي أيضا معهم عبد الله بن عباس ليصلي بهم ويلي أمورهم ، ومعهم أبو موسى الأشعري .

وأرسل معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة من أهل الشام ، حتى توافوا من دومة الجندل بأذرح . وكان عمرو إذا أتاه كتاب من معاوية لا يدري بما جاء فيه ، ولا يسأله أهل الشام عن شيء ، وكان أهل العراق يسألون ابن عباس عن كتاب يصله من علي ، فإن كتمهم ظنوا به الظنون وقالوا : أتراه كتب بكذا وكذا ؟ فقال لهم ابن عباس : أما تعقلون ؟ أما ترون رسول معاوية يجيء ، لا يعلم أحد بما جاء به ، ولا يسمع لهم صياح ، وأنتم عندي كل يوم تظنون في الظنون ؟

وحضر معهم ابن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ، وابن الزبير ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري ، وأبو جهم بن حذيفة العدوي ، والمغيرة بن شعبة .

وكان سعد بن أبي وقاص على ماء لبني سليم بالبادية ، فأتاه ابنه عمر فقال له : إن أبا موسى وعمرا قد شهدهما نفر من قريش ، فاحضر معهم فإنك صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأحد الشورى ، ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة ، وأنت أحق الناس بالخلافة . فلم يفعل ، وقيل : بل حضرهم سعد ، وندم على حضوره فأحرم بعمرة من بيت المقدس .

وقال المغيرة بن شعبة لرجال من قريش : أترون أحدا يستطيع أن يأتي برأي يعلم [ ص: 682 ] به ، أيجتمع الحكمان أم لا ؟ فقالوا : لا . فقال : إني أعلمه منهما . فدخل على عمرو بن العاص فقال : كيف ترانا معشر من اعتزل الحرب ؟ فإنا قد شككنا في الأمر الذي استبان لكم فيها . فقال له عمرو : أراكم خلف الأبرار ، أمام الفجار . فانصرف المغيرة إلى أبي موسى ، فقال له مثل قوله لعمرو . فقال له أبو موسى : أراكم أثبت الناس رأيا ، فيكم بقية الناس . فعاد المغيرة إلى أصحابه وقال لهم : لا يجتمع هذان على أمر واحد .

فلما اجتمع الحكمان قال عمرو : يا أبا موسى ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما ؟ قال : أشهد . قال : ألست تعلم أن معاوية وآل معاوية أولياؤه ؟ قال : بلى . قال : فما يمنعك منه وبيته في قريش كما قد علمت ؟ فإن خفت أن يقول الناس : ليست له سابقة ، فقل وجدته ولي عثمان الخليفة المظلوم والطالب بدمه ، الحسن السياسة والتدبير ، وهو أخو أم حبيبة زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكاتبه ، وقد صحبه ، وعرض له بسلطان .

فقال أبو موسى : يا عمرو اتق الله ! فأما ما ذكرت من شرف معاوية ، فإن هذا ليس على الشرف تولاه أهله ، ولو كان على الشرف لكان لآل أبرهة بن الصباح ، إنما هو لأهل الدين والفضل ، مع أني لو كنت معطيه أفضل قريش شرفا أعطيته علي بن أبي طالب ، وأما قولك : إن معاوية ولي دم عثمان فوله هذا الأمر ، فلم أكن لأوليه وأدع المهاجرين الأولين ، وأما تعريضك لي بالسلطان ، فوالله لو خرج معاوية لي من سلطانه كله لما وليته ، وما كنت لأرتشي في حكم الله ! ولكنك إن شئت أحيينا اسم عمر بن الخطاب - رحمه الله - .

قال له عمرو : فما يمنعك من ابني ، وأنت تعلم فضله وصلاحه ؟ فقال : إن ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في هذه الفتنة . فقال عمرو : إن هذا الأمر لا يصلح إلا لرجل يأكل ويطعم ، وكانت في ابن عمر غفلة ، فقال له ابن الزبير : افطن ، فانتبه ! فقال : والله لا أرشو عليها شيئا أبدا . وقال : يا ابن العاص ، إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعدما تقارعوا بالسيوف فلا تردنهم في فتنة .

وكان عمرو قد عود أبا موسى أن يقدمه في الكلام ، يقول له : أنت صاحب [ ص: 683 ] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأسن مني فتكلم ، وتعود ذلك أبو موسى ، وأراد عمرو بذلك كله أن يقدمه في خلع علي ، فلما أراده عمرو على ابنه وعلى معاوية فأبى ، وأراد أبو موسى ابن عمر فأبى عمرو ، قال له عمرو : خبرني ما رأيك ؟ قال : أرى أن نخلع هذين الرجلين ونجعل الأمر شورى ، فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا . فقال عمرو : الرأي ما رأيت . فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون ، فقال عمرو : يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق . فتكلم أبو موسى فقال : إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح الله به أمر هذه الأمة . فقال عمرو : صدق وبر ، تقدم يا أبا موسى فتكلم . فتقدم أبو موسى ، فقال له ابن عباس : ويحك ! والله إني لأظنه قد خدعك ، إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم به قبلك ، ثم تكلم به بعده ، فإنه رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا بينكما ، فإذا قمت في الناس خالفك .

وكان أبو موسى مغفلا فقال : إنا قد اتفقنا ، وقال : أيها الناس ، إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة ، فلم نر أصلح لأمرها ولا ألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه ، وهو أن نخلع عليا ومعاوية ، ويولي الناس أمرهم من أحبوا ، وإني قد خلعت عليا ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم ، وولوا عليكم من رأيتموه أهلا . ثم تنحى .

وأقبل عمرو فقام وقال : إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه ، وأنا أخلع صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولي ابن عفان ، والطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه .

فقال سعد : ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايده ! فقال أبو موسى : فما أصنع ؟ وافقني على أمر ثم نزع عنه ! فقال ابن عباس : لا ذنب لك يا أبا موسى ، الذنب لمن قدمك في هذا المقام . قال : غدر فما أصنع ؟ فقال ابن عمر : انظروا إلى ما صار أمر هذه الأمة ! صار إلى رجل ما يبالي ما صنع وإلى آخر ضعيف .

وقال عبد الرحمن بن أبي بكر : لو مات الأشعري قبل هذا ( اليوم ) لكان خيرا له .

وقال أبو موسى الأشعري لعمرو : لا وفقك الله ، غدرت وفجرت ! إنما مثلك ( كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ) قال عمرو : إنما مثلك ( كمثل الحمار يحمل أسفارا ) . فحمل شريح بن هانئ على عمرو فضربه بالسوط وحمل ( ابن [ ص: 684 ] لعمرو ) على شريح فضربه بالسوط أيضا ، وحجز الناس بينهم ، وكان شريح يقول بعد ذلك : ما ندمت على شيء ندامتي على ضرب عمرو بالسوط ، ولم أضربه بالسيف .

والتمس أهل الشام أبا موسى ، فهرب إلى مكة ، ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية ، فسلموا عليه بالخلافة ، ورجع ابن عباس وشريح إلى علي ، وكان علي إذا صلى الغداة يقنت فيقول : اللهم العن معاوية وعمرا وأبا الأعور وحبيبا وعبد الرحمن بن خالد والضحاك بن قيس والوليد ! فبلغ ذلك معاوية فكان إذا قنت سب عليا وابن عباس والحسن والحسين والأشتر .

وقد قيل : إن معاوية حضر الحكمين ، وإنه قام عشية في الناس فقال : أما بعد من كان متكلما في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه . قال ( ابن عمر : فاطلعت حبوتي ) ، فأردت أن أقول : يتكلم فيه رجال قاتلوك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمة تفرق الجماعة ويسفك فيها دم ، وكان ما وعد الله فيه الجنان أحب إلي من ذلك ، فلما انصرفت إلى المنزل جاءني حبيب بن مسلمة فقال : ما منعك أن تتكلم حين سمعت هذا الرجل يتكلم ؟ قلت : أردت ذلك ثم خشيت . فقال حبيب : وفقت وعصمت ، وهذا أصح ( لأنه ورد في الصحيح ) .

التالي السابق


الخدمات العلمية