الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا كان بالسماء علة قبل الإمام شهادة الواحد العدل في رؤية الهلال رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا ) لأنه أمر ديني ، فأشبه رواية الإخبار ولهذا لا يختص بلفظ الشهادة ، وتشترط العدالة لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول ، وتأويل قول الطحاوي عدلا كان أو غير عدل أن يكون مستورا والعلة غيم أو غبار أو نحوه ، وفي إطلاق جواب الكتاب [ ص: 323 ] يدخل المحدود في القذف بعدما تاب وهو ظاهر الرواية لأنه خبر ديني ، وعن أبي حنيفة رحمه الله : أنها لا تقبل لأنها شهادة من وجه ، وكان الشافعي في أحد قوليه يشترط المثنى والحجة عليه ما ذكرنا ، وقد صح { أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان } ثم إذا قبل الإمام شهادة الواحد وصاموا ثلاثين يوما لا يفطرون فيما روى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله للاحتياط ، ولأن الفطر [ ص: 324 ] لا يثبت بشهادة الواحد ، وعن محمد أنهم يفطرون ويثبت الفطر بناء على ثبوت الرمضانية بشهادة الواحد ، وإن كان لا يثبت بها ابتداء كاستحقاق الإرث بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة . قال ( وإذا لم تكن بالسماء علة لم تقبل الشهادة حتى يراه جمع كثير يقع العلم بخبرهم ) لأن التفرد بالرؤية في مثل هذه الحالة يوهم الغلط فيجب التوقف فيه حتى يكون جمعا كثيرا ، بخلاف ما إذا كان بالسماء علة لأنه قد ينشق الغيم عن موضع القمر فيتفق للبعض النظر ، ثم قيل في حد الكثير أهل المحلة ، وعن أبي يوسف رحمه الله خمسون رجلا اعتبارا بالقسامة [ ص: 325 ] ولا فرق بين أهل المصر ومن ورد من خارج المصر ، وذكر الطحاوي أنه تقبل شهادة الواحد إذا جاء من خارج المصر لقلة الموانع ، وإليه الإشارة في كتاب الاستحسان ، وكذا إذا كان على مكان مرتفع في المصر .

التالي السابق


( قوله لأن قول الفاسق في الديانات غير مقبول ) أي في التي يتيسر تلقيها من العدول كروايات الأخبار ، بخلاف الأخبار بطهارة الماء ونجاسته ونحوه ، حيث يتحرى في خبر الفاسق فيه لأنه قد لا يقدر على تلقيها من جهة العدول إذ قد لا يطلع على الحال في ذلك الأمر الخاص عدل مع أنه لم يقبل خبر الفاسق بمفرده ، بل مع الاجتهاد في صدقه ، ولا يعسر في هلال رمضان ذلك لأن المسلمين عامتهم متوجهون إلى طلبه وفي عدولهم كثرة فلم تمس الحاجة إلى قبول خبر الفاسق مع الاجتهاد فيه ( قوله وتأويل قول الطحاوي إلخ ) المراد أن بهذا التأويل يرجع قوله إلى إحدى الروايتين في المذهب لا أنه [ ص: 323 ] يرتفع به خلاف فإن المراد بالعدل في ظاهر الرواية من ثبتت عدالته وأن الحكم بقوله فرع ثبوتها ، ولا ثبوت في المستور .

وفي رواية الحسن وهي المذكورة : تقبل شهادة المستور وبه أخذ الحلواني فصار بهذا التأويل أن شهادة الواحد أما مع تبين الفسق فلا قائل به عندنا ، وعلى هذا تفرع ما لو شهدوا في تاسع عشر رمضان أنهم رأوا هلال رمضان قبل صومهم بيوم إن كانوا في هذا المصر لا تقبل شهادتهم ، لأنهم تركوا الحسبة وإن جاءوا من خارج قبلت ( قوله : والحجة عليه ما ذكرنا ) من أنه أمر ديني ( قوله وقد صح إلخ ) يعني به ما قدمناه من رواية أصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال { جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني رأيت الهلال ، فقال : أتشهد أن لا إله إلا الله ؟ قال : نعم ، قال : أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال : نعم ، قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا } .

وهذا الحديث قد يتمسك به لرواية النوادر في قبول المستور ، لكن الحق لا يتمسك به بالنسبة إلى هذا الزمان لأن ذكره الإسلام بحضرته عليه الصلاة والسلام حين سأله عن الشهادتين إن كان هذا أول إسلامه فلا شك في ثبوت عدالته ، لأن الكافر إذا أسلم أسلم عدلا إلا أن يظهر خلافه منه ، وإن كان إخبارا عن حاله السابق فكذلك لأن عدالته قد ثبتت بإسلامه فيجب الحكم ببقائها ما لم يظهر الخلاف ، ولم يكن الفسق غالبا على أهل الإسلام في زمانه عليه الصلاة والسلام ، فتعارض الغلبة ذلك الأصل فيجب التوقف إلى ظهورها ( قوله : ثم إذا قبل الإمام إلخ ) هكذا الرواية على الإطلاق سواء قبله لغيم أو في صحو وهو ممن يرى ذلك ، ولا يخفى أن المراد ما إذا لم ير الهلال ليلة الثلاثين ، ثم خص قول أبي حنيفة . وفي الخلاصة والكافي والفتاوى أضافوا معه أبا يوسف ، ومنهم من استحسن ذلك في قبوله في صحو ، وفي قبوله لغيم أخذ بقول محمد ، فأما لو صاموا بشهادة رجلين فإنهم يفطرون إذا صاموا ثلاثين ولم يروا ، ذكره في التجريد .

وعن القاضي أبي علي السغدي [ ص: 324 ] لا يفطرون ، وهكذا في مجموع النوازل وصحح الأول في الخلاصة ، ولو قال قائل : إن قبلها في الصحو لا يفطرون أو في غيم أفطروا لتحقق زيادة القوة في الثبوت في الثاني والاشتراك في عدم الثبوت أصلا في الأول فصار كالواحد لم يبعد ( قوله : بشهادة الواحد ) متصل بثبوت الرمضانية لا بثبوت الفطر فهو معنى ما أجاب به محمد بن سماعة حين قال له : يثبت الفطر بشهادة واحد فقال : لا بل بحكم الواحد بثبوت رمضان فإنه لما حكم الحاكم بثبوته ، وأمر الناس بالصوم فبالضرورة يثبت الفطر بعد ثلاثين يوما ( قوله كاستحقاق الإرث بناء على النسب الثابت بشهادة القابلة ) فإنه تقبل شهادتها على النسب فيثبت به مع المؤيد عنده وعندهما مطلقا ، ثم يثبت استحقاق الإرث بناء على ثبوت النسب ، وإن كان لا يثبت الإرث ابتداء بشهادتها وحدها .

[ فرع ] إذا صام أهل مصر رمضان على غير رؤية بل بإكمال شعبان ثمانية وعشرين يوما ، ثم رأوا هلال شوال إن كانوا أكملوا عدة شعبان عن رؤية هلاله إذا لم يروا هلال رمضان قضوا يوما واحدا حملا على نقصان شعبان ، غير أنه اتفق أنهم لم يروا ليلة الثلاثين ، وإن أكملوا عدة شعبان عن غير رؤية قضوا يومين احتياطا لاحتمال نقصان شعبان مع ما قبله فإنهم لما لم يروا هلال شعبان كانوا بالضرورة مكملين رجب ( قوله : يوهم الغلط ) الأولى أن يقال ظاهر في الغلط فإن مجرد الوهم متحقق في البينات الموجبة للحكم ، ولا يمنع ذلك قبولها بل التفرد من بين الجم الغفير بالرؤية مع توجههم طالبين لما توجه هو إليه مع فرض عدم المانع وسلامة الأبصار ، وإن تفاوتت الأبصار في الحدة ظاهر في غلطه كتفرد نافل زيادة من بين سائر أهل مجلس مشاركين له في السماع ، فإنها ترد وإن كان ثقة مع أن التفاوت في حدة السمع أيضا واقع كما هو في البصار مع أنه لا نسبة لمشاركيه في السماع بمشاركيه في الترائي كثرة ، والزيادة المقبولة ما علم فيه تعدد المجالس أو جهل فيه الحال من الاتحاد والتعدد ، وقوله : لأن التفرد ، لا يريد تفرد الواحد وإلا لأفاد قبول الاثنين وهو منتف بل المراد تفرد من لم يقع العلم بخبرهم من بين أضعافهم من الخلائق ، ثم عن أبي يوسف : أن الذين يوجب خبرهم الحكم في خصوص هذه الحالة خمسون اعتبارا بالقسامة . وعن خلف خمسمائة ببلخ قليل ، فبخارى لا تكون أدنى من بلخ فلذا قال البقالي : الألف ببخارى قليل ، والحق ما روي عن محمد وأبي يوسف أيضا أن العبرة لتواتر الخبر ومجيئه من كل جانب ، وهلال الفطر [ ص: 325 ] في الصحو كرمضان وفي غيره بخلاف فلا يثبت إلا باثنين ورجل وامرأتين .

( قوله ولا فرق بين أهل المصر ومن ورد من خارج المصر ) يعني في ظاهر الرواية وما عن الطحاوي من الفرق خلاف ظاهر الرواية ، وكذا ما يشير إليه كتاب الاستحسان حيث قال : فإن كان الذي يشهد بذلك في المصر ولا علة في السماء لم تقبل شهادته لأن الذي يقع في القلب من ذلك أنه باطل ، فإن القيود المذكورة تفيد بمفهوماتها المخالفة الجواز عند عدمها .




الخدمات العلمية