الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي ( فَصْلٌ فِي غَصْبِ مَا لَا يُتَقَوَّمُ ) قَالَ ( وَإِذَا أَتْلَفَ الْمُسْلِمُ خَمْرَ الذِّمِّيِّ أَوْ خِنْزِيرَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُمَا ، فَإِنْ أَتْلَفَهُمَا لِمُسْلِمٍ لَمْ يَضْمَنْ ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَضْمَنُهَا لِلذِّمِّيِّ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا أَتْلَفَهُمَا ذِمِّيٌّ عَلَى ذِمِّيٍّ أَوْ بَاعَهُمَا الذِّمِّيُّ مِنْ الذِّمِّيِّ . لَهُ أَنَّهُ سَقَطَ تَقَوُّمُهُمَا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ فَكَذَا فِي حَقِّ الذِّمِّيِّ ; لِأَنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي الْأَحْكَامِ فَلَا يَجِبُ بِإِتْلَافِهِمَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ وَهُوَ الضَّمَانُ . وَلَنَا أَنَّ التَّقْوِيمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ ، إذْ الْخَمْرُ لَهُمْ كَالْخَلِّ لَنَا وَالْخِنْزِيرُ لَهُمْ كَالشَّاةِ لَنَا . وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ وَالسَّيْفُ مَوْضُوعٌ فَيَتَعَذَّرُ الْإِلْزَامُ ، وَإِذَا بَقِيَ التَّقَوُّمُ فَقَدْ وُجِدَ إتْلَافُ مَالٍ مَمْلُوكٍ مُتَقَوِّمٍ فَيَضْمَنُهُ . بِخِلَافِ الْمَيْتَةِ وَالدَّمِ ; لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ لَا يَدِينُ تَمَوُّلَهُمَا ، إلَّا أَنَّهُ تَجِبُ قِيمَةُ الْخَمْرِ وَإِنْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَمْنُوعٌ عَنْ تَمْلِيكِهِ لِكَوْنِهِ إعْزَازًا لَهُ ، بِخِلَافِ مَا إذَا جَرَتْ الْمُبَايَعَةُ بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ ; لِأَنَّ الذِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا . وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا ; لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى عَنْ عُقُودِهِمْ ، وَبِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُرْتَدِّ يَكُونُ لِلذِّمِّيِّ ; لِأَنَّا مَا ضَمِنَّا لَهُمْ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الِاسْتِخْفَافِ بِالدِّينِ ، وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا إذَا كَانَ لِمَنْ يُبِيحُهُ ; لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ . . فتح القدير فَصْلٌ فِي غَصْبِ مَا لَا يُتَقَوَّمُ ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ أَحْكَامِ غَصْبِ مَا يُتَقَوَّمُ وَهُوَ الْأَصْلُ ; لِأَنَّ الْغَصْبَ بِحَدِّهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ شَرْعًا فِي بَيَانِ أَحْكَامِ غَصْبِ مَا لَا يُتَقَوَّمُ بِاعْتِبَارِ عَرَضِيَّةٍ أَنْ يَصِيرَ مُتَقَوِّمًا ، إمَّا بِاعْتِبَارِ دِيَانَةِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِأَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ أَوْ بِتَغَيُّرِهِ فِي نَفْسِهِ إلَى التَّقْوِيمِ ا هـ كَلَامُهُ . وَقَدْ اقْتَفِي أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ . أَقُولُ : لَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إلَى الْمَصِيرِ إلَى اعْتِبَارِ عَرَضِيَّةٍ أَنْ يَصِيرَ مَا لَا يُتَقَوَّمُ مُتَقَوِّمًا بِأَحَدِ الِاعْتِبَارَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ ، بَلْ لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدَ النَّظَرِ الدَّقِيقِ ; لِأَنَّ الْمُبَيَّنَ فِي هَذَا الْفَصْلِ ضَمَانُ مَا لَا يُتَقَوَّمُ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ وَعَدَمُ ضَمَانِهِ فِي بَعْضِهَا ، فَفِي مَا لَا ضَمَانَ فِيهِ كَإِتْلَافِ خَمْرِ الْمُسْلِمِ وَخِنْزِيرِهِ لَا وَجْهَ لِاعْتِبَارِ عَرَضِيَّةٍ أَنْ يَصِيرَ مُتَقَوِّمًا بِاعْتِبَارٍ مَا أَصْلًا . فَإِنَّ اعْتِبَارَ عَرَضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ مُتَقَوِّمًا مِمَّا لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي حُكْمِ عَدَمِ الضَّمَانِ قَطْعًا بَلْ لَهُ نَوْعُ إبَاءٍ عَنْهُ ، وَلَعَلَّ بَعْضَ الشُّرَّاحِ تَنَبَّهَ لِهَذَا فَتَرَكَ حَدِيثَ اعْتِبَارِ عَرَضِيَّةِ أَنْ يَصِيرَ مُتَقَوِّمًا مِنْهُمْ الشَّارِحُ الْكَاكِيُّ حَيْثُ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ غَصْبِ مَا يُتَقَوَّمُ إذْ هُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي بَيَانِ غَصْبِ مَا لَا يُتَقَوَّمُ ا هـ . وَمِنْهُمْ الشَّارِحُ الْأَتْقَانِيُّ حَيْثُ قَالَ : لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ غَصْبِ مَا يُتَقَوَّمُ وَهُوَ الْأَصْلُ شَرَعَ فِي بَيَانِ غَصْبِ مَا لَا يُتَقَوَّمُ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ هَلْ يَجِبُ بِهِ الضَّمَانُ أَمْ لَا ا هـ ( قَوْلُهُ وَلَنَا أَنَّ التَّقَوُّمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ ، إذَا الْخَمْرُ لَهُمْ كَالْخَلِّ لَنَا وَالْخِنْزِيرُ لَهُمْ كَالشَّاةِ لَنَا ) أَقُولُ : فِيهِ إشْكَالٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخَصْمَ قَالَ : إنَّهُمْ أَتْبَاعٌ لَنَا فِي الْأَحْكَامِ ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا قَبِلُوا عَقْدَ الذِّمَّةِ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ } كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَعَامَّةِ الشُّرُوحِ . فَكَيْفَ يَتِمُّ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ التَّقَوُّمَ بَاقٍ فِي حَقِّهِمْ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الدَّالِ عَلَى كَوْنِهِمْ أَتْبَاعًا لَنَا فِي الْأَحْكَامِ ، وَالتَّعْلِيلُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ غَيْرُ صَحِيحٍ عَلَى مَا عُرِفَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ . فَإِنْ قُلْت : نَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ كَمَا ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ التَّعْلِيلِ مَنْ قَبْلَنَا ، فَيَدُلُّ النَّصُّ الْمُتَضَمِّنُ لِهَذَا الْأَمْرِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتْرُكْهُمْ وَمَا يَدِينُونَ } عَلَى مُدَّعَانَا هَاهُنَا . قُلْت : لِلْخَصْمِ أَنْ يَقُولَ : الْمُرَادُ بِمَا يَدِينُونَ : الدِّيَانَاتُ دُونَ الْمُعَامَلَاتِ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ ; وَلَئِنْ سُلِّمَ الْعُمُومَ لِلْمُعَامَلَاتِ أَيْضًا فَيَتَحَقَّقُ التَّعَارُضُ بَيْنَ النَّصَّيْنِ فَمِنْ أَيْنَ يَثْبُتُ الرُّجْحَانُ ؟ . وَالثَّانِي أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ وَبِالْعِبَادَاتِ أَيْضًا فِي حَقِّ الْمُؤَاخَذَةِ فِي الْآخِرَةِ . وَأَمَّا فِي حَقِّ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الدُّنْيَا فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْمُعَامَلَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا مُخَاطَبِينَ بِالْخِطَابِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ تَقَوُّمِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ أَيْضًا . ثُمَّ أَقُولُ يُمْكِنُ الْجَوَابُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَمَّا عَنْ الْأَوَّلِ فَبِأَنْ يُقَالَ : مَا نَحْنُ فِيهِ مُخَصَّصٌ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ عُمُومِ النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى كَوْنِهِمْ أَتْبَاعًا لَنَا فِي الْأَحْكَامِ ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ سَأَلَ عُمَّالَهُ مَاذَا تَصْنَعُونَ بِمَا يَمُرُّ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ مِنْ الْخُمُورِ ؟ فَقَالُوا نُعَشِّرُهَا قَالَ لَا تَفْعَلُوا . وَلَوْ هُمْ بَاعُوهَا وَخُذُوا الْعُشْرَ مِنْ أَثْمَانِهَا ، فَقَدْ جَعَلَهَا مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ حَيْثُ جَوَّزَ بَيْعَهَا وَأَمَرَ بِأَخْذِ الْعُشْرِ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الشُّرَّاحِ . وَأَمَّا عَنْ الثَّانِي فَبِأَنْ يُقَالَ : كَوْنُ الْكُفَّارِ مُخَاطَبِينَ بِالْمُعَامَلَاتِ وَنَحْوِهَا فِيمَا يَتَحَمَّلُ الْخِطَابُ التَّعْمِيمَ لَهُمْ أَيْضًا ، وَأَمَّا فِيمَا لَا يَتَحَمَّلُهُ فَلَا يَكُونُونَ مُخَاطَبِينَ بِذَلِكَ قَطْعًا ، وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ قَبِيلِ الثَّانِي ; لِأَنَّ الْخَمْرَ كَانَتْ مُتَقَوِّمَةً فِي شَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَنَا وَفِي صَدْرِ شَرِيعَتِنَا ، وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا ثَبَتَ يَبْقَى إلَى أَنْ يُوجَدَ الْمُزِيلُ ، وَالْمُزِيلُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ } وُجِدَ فِي حَقِّنَا بِدَلِيلِ السِّبَاقِ وَالسِّيَاقِ ، فَبَقِيَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ هَذَا الْخِطَابِ عَلَى مَا كَانَ مِنْ قَبْلُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالْكِفَايَةِ ، فَلَمْ يَبْقَ مَجَالٌ لِلتَّعْمِيمِ لِلْكُفَّارِ أَيْضًا . وَكَذَا الْحَالُ فِي الْخِنْزِيرِ عَلَى مَا حَقَّقَهُ صَاحِبُ غَايَةِ الْبَيَانِ حَيْثُ قَالَ : تَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَمْرَ وَالْخِنْزِيرَ كَانَا حَلَالَيْنِ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ ، وَكَذَا فِي حَقِّ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ وَرَدَ الْخِطَابُ بِالْحُرْمَةِ خَاصًّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَكَانَا حَرَامًا عَلَيْهِمْ وَبَقِيَا حَلَالًا عَلَى الْكُفَّارِ كَنِكَاحِ الْمُشْرِكَاتِ كَانَ حَلَالًا فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً ثُمَّ وَرَدَ التَّحْرِيمُ خَاصًّا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ فَبَقِيَ حَلَالًا فِي حَقِّ الْكُفَّارِ فَكَذَا هَاهُنَا أَلَا يَرَى إلَى خِطَابِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } وَالْمُؤْمِنُ هُوَ الَّذِي يُفْلِحُ إذَا اجْتَنَبَ الْخَمْرَ ، وَقَالَ تَعَالَى { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } إلَى هُنَا لَفْظُ غَايَةِ الْبَيَانِ . ثُمَّ إنَّ التَّحْقِيقَ الَّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ : وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا : الْخَمْرُ مُبَاحٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَكَذَا الْخِنْزِيرُ ، فَالْخَمْرُ فِي حَقِّهِمْ كَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا وَالْخِنْزِيرُ فِي حَقِّهِمْ كَالشَّاةِ فِي حَقِّنَا فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ شَرْعًا ، فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ . وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْتَفِعٌ بِهِ حَقِيقَةً صَالِحٌ لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ الْبَقَاءِ ، وَالْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْبَقَاءِ هُوَ الْإِطْلَاقُ ، إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ ثَبَتَتْ نَصًّا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى ، أَوْ مَعْقُولَ الْمَعْنَى لَا يُوجَدُ هَاهُنَا أَوْ يُوجَدُ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الْحِلَّ لَا الْحُرْمَةَ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ } ; لِأَنَّ الصَّدَّ لَا يُوجَدُ فِي الْكَفَرَةِ ، وَالْعَدَاوَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاجِبُ الْوُقُوعِ ; لِأَنَّهَا سَبَبُ الْمُنَازَعَةِ ، وَالْمُنَازَعَةُ سَبَبُ الْهَلَاكِ ، وَهَذَا يُوجِبُ الْحِلَّ لَا الْحُرْمَةَ فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِمْ . وَبَعْضُهُمْ قَالُوا : إنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ ; لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعَ هِيَ حُرُمَاتٌ عِنْدَنَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ . وَعَلَى هَذَا طَرِيقُ الضَّمَانِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الْخَمْرَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الْحَالِ فَهِيَ بِعَرَضٍ أَنْ تَصِيرَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الثَّانِي بِالتَّخَلُّلِ وَالتَّخْلِيلِ ، وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ يَعْتَمِدُ كَوْنَ الْمَحَلِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمُتْلَفِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ ، أَلَا يَرَى أَنَّ الْمُهْرَ وَالْجَحْشَ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي الْحَالِ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ . وَالثَّانِي أَنَّ الشَّرْعَ مَنَعَنَا عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْمَنْعِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ حِسًّا لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ ، وَمِثْلُهُ لَا يَكْذِبُ وَقَدْ دَانُوا شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَلَزِمَنَا تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَنَفْيُ الضَّمَانِ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ يُفْضِي إلَى التَّعَرُّضِ ; لِأَنَّ السَّفِيهَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا غَصَبَ أَوْ أَتْلَفَ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ يَقْدُمُ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِي ذَلِكَ مَنْعُهُمْ وَالتَّعَرُّضُ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ إلَى هُنَا لَفْظُ الْبَدَائِعِ . ( قَوْلُهُ وَنَحْنُ أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ ) أَقُولُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : فَلِمَ لَا نَتْرُكُهُمْ وَمَا يَدِينُونَ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ كَإِحْدَاثِ الْبَيْعَةِ وَالْكَنِيسَةِ وَكَرُكُوبِ الْخَيْلِ وَحَمْلِ السِّلَاحِ فَإِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنْهَا عَلَى مَا مَرَّ فِي كِتَابِ السَّيْرِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ أَمْثَالَهَا مُسْتَثْنًى مِمَّا يَدِينُونَ بِدَلَائِلَ ذُكِرَتْ فِي مَوْضِعِهَا ، كَمَا أَنَّ الرِّبَا مُسْتَثْنًى مِنْ عُقُودِهِمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَلَا مَنْ أَرْبَى فَلَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ عَهْدٌ } عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ عَنْ قَرِيبٍ . قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ ، وَنُوقِضَ بِمَا إذَا مَاتَ الْمَجُوسِيُّ عَنْ ابْنَتَيْنِ إحْدَاهُمَا امْرَأَتُهُ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ بِالزَّوْجِيَّةِ شَيْئًا مِنْ الْمِيرَاثِ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ صِحَّةَ ذَلِكَ النِّكَاحِ ، وَصِحَّةُ النِّكَاحِ تُوجِبُ تَوْرِيثَ الْمَرْأَةِ مِنْ زَوْجِهَا فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ إذَا لَمْ يُوجَدْ الْمَانِعُ وَلَمْ يُوجَدْ فِي دِيَانَتِهِمْ ثُمَّ لَمْ نَتْرُكْهُمْ وَمَا يَدِينُونَ . وَأُجِيبُ بِأَنْ لَا نُسَلِّمَ أَنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ التَّوْرِيثَ بِأَنْكِحَةِ الْمَحَارِمِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ بَيَانٍ ا هـ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ : إنَّ مُرَادَ النَّاقِضِ أَنَّا إذَا حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ عَلَى شَرْعِ الْإِسْلَامِ بِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ لَا نُوَرِّثُهَا ا هـ . أَقُولُ : لَيْسَ فِيمَا ذَكَرَهُ كَبِيرُ حَاصِلٍ ، إذْ مُرَادُ الْمُجِيبِ أَيْضًا أَنَّ عَدَمَ تَوْرِيثِنَا إيَّاهَا إذَا حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ عَلَى شَرْعِ الْإِسْلَامِ بِطَلَبِهِمْ ذَلِكَ لِعَدَمِ ثُبُوتِ اعْتِقَادِهِمْ التَّوْرِيثَ بِأَنْكِحَةِ الْمَحَارِمِ . نَعَمْ يَعْتَقِدُ الْمَجُوسِيُّ صِحَّةَ نِكَاحِ الْمَحَارِمِ ، وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ اعْتِقَادِ صِحَّةِ النِّكَاحِ اعْتِقَادُ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ ; أَلَا يَرَى أَنَّ الْمِيرَاثَ يَمْتَنِعُ بِالرِّقِّ وَاخْتِلَافِ الدِّينِ مَعَ صِحَّةِ النِّكَاحِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا التَّفْصِيلِ فِي النِّهَايَةِ ، وَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ الْقَائِلُ أَنَّهُمْ لَوْ اعْتَقَدُوا التَّوْرِيثَ بِأَنْكِحَةِ الْمَحَارِمِ وَطَلَبُوا ذَلِكَ لَمْ نَحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى شَرْعِ الْإِسْلَامِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ ; لِأَنَّ مَا يَضُرُّنَا إنَّمَا هُوَ النَّقْضُ بِمَا هُوَ أَمْرٌ وَاقِعٌ لَا بِمَا هُوَ فَرْضٌ مَحْضٌ . ثُمَّ أَقُولُ : بَقِيَ هَاهُنَا كَلَامٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ لِلسَّائِلِ أَنْ يُورِدَ النَّقْضَ حِينَئِذٍ بِمُسْلِمٍ مَاتَ عَنْ زَوْجَةٍ كَافِرَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْمِيرَاثِ عِنْدَنَا لِاخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ ، مَعَ أَنَّ وُجُوبَ تَوْرِيثِ الزَّوْجَةِ مِنْ زَوْجِهَا مُقَرَّرٌ فِي جَمِيعِ الْأَدْيَانِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْكُفْرَ لَيْسَ بِمَانِعٍ عَنْ الْإِرْثِ فِي اعْتِقَادِ الْكُفْرِ وَلَمْ نَتْرُكْهُمْ وَمَا يَدِينُونَ هُنَاكَ ، فَتَأَمَّلْ فِي الْجَوَابِ . ( قَوْلُهُ وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الذِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا ، كَذَا قَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ . وَقَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ : وَالْأَوْلَى أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ نَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ ، وَمَا يَدِينُونَ إلَخْ لِاتِّسَاقِ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْعَطْفِ حِينَئِذٍ ا هـ أَقُولُ : تَعَلُّقُهُ بِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ غَيْرُ ظَاهِرِ السَّدَادِ ; لِأَنَّ كَلِمَةَ هَذَا مَعَ كَوْنِهَا مِمَّا يَأْبَى ذَلِكَ جِدًّا لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الرِّبَا مِنْ خِلَافِ قَوْلِهِ نَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ ; لِأَنَّ الرِّبَا لَمَّا كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ عُقُودِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ فِسْقًا مِنْهُمْ لَا تَدَيُّنًا لِثُبُوتِ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي دِينِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ } كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً ، حَتَّى صَاحِبُ الْعِنَايَةِ نَفْسُهُ لَمْ يَكُنْ مَنْعُنَا إيَّاهُمْ عَنْ الرِّبَا مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ نَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذِي مُسْكَةٍ . وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ ( وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ( نَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ ) يَصِيرُ الْمَعْنَى : وَهَذَا أَيْ قَوْلُهُ ، وَنَحْنُ أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ مُلْتَبِسٌ بِخِلَافِ الرِّبَا ، وَلَيْسَ هَذَا الْمَعْنَى بِسَدِيدٍ لِعَدَمِ مُلَابَسَةِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمَا كَمَا بَيَّنَّا آنِفًا . وَأَمَّا عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ( وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا ) مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ ; ( لِأَنَّ الذِّمِّيَّ غَيْرُ مَمْنُوعٍ عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الشُّرَّاحِ ) فَيَصِيرُ الْمَعْنَى وَهَذَا أَيْ عَدَمُ كَوْنِ الذِّمِّيِّ مَمْنُوعًا عَنْ تَمْلِيكِ الْخَمْرِ وَتَمَلُّكِهَا مُلْتَبِسٌ بِخِلَافِ الرِّبَا لِكَوْنِهِمْ مَمْنُوعِينَ عَنْ الرِّبَا . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى سَدِيدٌ وَأَنَّ كَلِمَةَ هَذَا الَّتِي يُشَارُ بِهَا إلَى الْقَرِيبِ فِي مَحَلِّهَا حِينَئِذٍ . وَقَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ : بَلْ الْأَوْلَى أَنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ : فَيَضْمَنُهُ ، وَالْإِشَارَةُ إلَى مَا ذَكَرَ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ا هـ أَقُولُ هَذَا أَقْبَحُ مِمَّا قَالَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ ; لِأَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْإِشَارَةُ بِهَذَا إلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِتَأْوِيلِ مَا ذَكَرَ كَمَا زَعَمَهُ يَصِيرُ الْمَعْنَى : وَهَذَا أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مُلْتَبِسٌ بِخِلَافِ الرِّبَا فَلَا يَبْقَى لِتَعَلُّقِ قَوْلِهِ ( وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا ) بِقَوْلِهِ ( فَيَضْمَنُهُ ) مَعْنًى وَإِنْ صِيرَ إلَى التَّقْدِيرِ بِأَنْ يُقَالَ : الْمُرَادُ : وَهَذَا بِخِلَافِ الرِّبَا فِي الضَّمَانِ فَيَحْصُلُ نَوْعُ تَعَلُّقٍ بِقَوْلِهِ فَيَضْمَنُهُ فَلَا يَكُونُ سَدِيدًا أَيْضًا ; لِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي الْإِتْلَافِ ، وَمَسْأَلَةُ الرِّبَا مِمَّا لَا مِسَاسَ لَهُ بِذَلِكَ تَدَبَّرْ تَفْهَمْ . ( قَوْلُهُ وَبِخِلَافِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ لِمَنْ يُبِيحُهُ ; لِأَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ ) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ : يَعْنِي لَمَّا أُمِرْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مِنْ الْبَاطِلِ وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَتْرُكَ أَهْلَ الِاجْتِهَادِ عَلَى مَا اعْتَقَدُوهُ مَعَ احْتِمَالِ الصِّحَّةِ فِيهِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى . وَحِينَئِذٍ يَجِبُ أَنْ نَقُولَ بِمُوجِبِ الضَّمَانِ عَلَى مَنْ أَتْلَفَ مَتْرُوكَ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا ; لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ فِي اعْتِقَادِ الشَّافِعِيِّ . وَوَجْهُ الْجَوَابِ مَا قَالَهُ أَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ ، وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حُرْمَتِهِ قَائِمٌ فَلَمْ يُعْتَبَرْ اعْتِقَادُهُمْ فِي إيجَابِ الضَّمَانِ هَذَا مَا قَالُوهُ . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وِلَايَةَ الْمُحَاجَّةِ ثَابِتَةٌ ; لِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَاجَّةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَالٌّ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى عَلَى مَا قَرَّرْتُمْ . وَالْجَوَابُ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ } وَكَانَ ذَلِكَ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ ، إلَى هُنَا لَفْظُ الْعِنَايَةِ . وَاعْتَرَضَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ عَلَى الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ فِي الْآخَرِ حَيْثُ قَالَ : فِيهِ بَحْثٌ ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُنَفِّذُ مَا حَكَمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ ا هـ أَقُولُ : هَذَا سَاقِطٌ جِدًّا . أَمَّا أَوَّلًا ; فَلِأَنَّ الْقَاضِيَ إنَّمَا يُنَفِّذُ مَا حَكَمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَا حَكَمَ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ الْمَشْهُورَةَ وَالْإِجْمَاعَ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ مَا حَكَمَ بِهِ مِمَّا يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ هَاتِيك الثَّلَاثَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُنَفِّذَهُ الْقَاضِي أَصْلًا كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ كُلِّهِ فِي كِتَابِ الْقَضَاءِ ، وَمَثَّلُوا مَا يُخَالِفُ الْكِتَابَ بِالْحُكْمِ بِحِلِّ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَامِدًا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهِ التَّنْفِيذُ . وَأَمَّا ثَانِيًا ; فَلِأَنَّ حَاصِلَ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ أَنَّ عِلَّةَ الْأَمْرِ بِالتَّرْكِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اتْرُكُوهُمْ وَمَا يَدِينُونَ } هِيَ عَقْدُ الذِّمَّةِ ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِينَ فَلَا يُتَصَوَّرُ إلْحَاقُ الْمُجْتَهِدِينَ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي تَرْكِ الْمُحَاجَّةِ لَا دَلَالَةً وَلَا قِيَاسًا . وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا يَدْفَعُ السُّؤَالُ بِأَنَّ الدَّلِيلَ الدَّالَّ عَلَى تَرْكِ الْمُحَاجَّةِ مَعَ أَهْلِ الذِّمَّةِ دَالٌّ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ الْمُجْتَهِدِينَ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى ، وَأَنَّ حَدِيثَ تَنْفِيذِ الْقَاضِي مَا حَكَمَ بِهِ قَاضٍ آخَرُ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ لَا يَقْدَحُ فِي دَفْعِ الْجَوَابِ الْمَذْكُورِ وَالسُّؤَالِ الْمَزْبُورِ ، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مَعْلُومٌ وَجْهُهُ فِي مَحِلِّهِ

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية