الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 69 - 71 ] ( وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجر وإن لم يسكنها ) ; لأن تسليم عين المنفعة لا يتصور فأقمنا تسليم المحل مقامه [ ص: 72 ] إذ التمكن من الانتفاع يثبت به . قال : ( فإن غصبها غاصب من يده سقطت الأجرة ) ; لأن تسليم المحل إنما أقيم مقام تسليم المنفعة للتمكن من الانتفاع ، فإذا فات التمكن فات التسليم ، وانفسخ العقد فسقط الأجر ، وإن وجد الغصب في بعض المدة سقط الأجر بقدره . إذ الانفساخ في بعضها . قال : ( ومن استأجر دارا فللمؤجر أن يطالبه بأجرة كل يوم ) ; لأنه استوفى منفعة مقصودة ( إلا أن يبين وقت الاستحقاق بالعقد ) ; لأنه بمنزلة التأجيل ( وكذلك إجارة الأراضي ) لما بينا .

[ ص: 73 ] ( ومن استأجر بعيرا إلى مكة فللجمال أن يطالبه بأجرة كل مرحلة ) ; لأن سير كل مرحلة مقصود . وكان أبو حنيفة يقول أولا : لا يجب الأجر إلا بعد انقضاء المدة وانتهاء السفر وهو قول زفر ; لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها ، كما إذا كان المعقود عليه العمل . ووجه القول المرجوع إليه أن القياس يقتضي استحقاق الأجر ساعة فساعة لتحقق المساواة ، إلا أن المطالبة في كل ساعة تفضي إلى أن لا يتفرغ لغيره فيتضرر به ، [ ص: 74 ] فقدرنا بما ذكرنا .

التالي السابق


( قوله : وإذا قبض المستأجر الدار فعليه الأجر وإن لم يسكنها ) قال في النهاية : هذه المسألة مقيدة بقيود . أحدها : التمكن من الاستيفاء حتى أنه إذا لم يتمكن من الاستيفاء بأن منعه المالك أو الأجنبي أو سلم الدار مشغولة بمتاعه لا يجب الأجر . والثاني : أن تكون الإجارة صحيحة ، فإن في الإجارة الفاسدة يشترط لوجوب الأجرة حقيقة الاستيفاء . ولا تجب بمجرد تمكن الاستيفاء في المدة . والثالث : أن التمكن من المستأجر يجب أن يكون في المكان الذي وقع العقد في حقه حتى إذا استأجر دابة إلى الكوفة فسلمها المؤجر وأمسكها المستأجر ببغداد حتى مضت مدة يمكنه المسير فيها إلى الكوفة فلا أجر عليه ، وإن ساقها معه إلى الكوفة ولم يركبها وجب الأجر . والرابع : أن يكون متمكنا من الاستيفاء في المدة ، فإنه لو استأجر دابة إلى الكوفة في هذا اليوم وذهب إليها بعد مضي اليوم بالدابة [ ص: 72 ] ولم يركب لا يجب الأجر ، وإن تمكن من الاستيفاء في المكان الذي أضيف إليه العقد ; لأنه إنما تمكن بعد مضي المدة . ا هـ . وقال صاحب العناية بعد أن بين اعتبار القيود المذكورة بتحرير آخر : فإن قيل : كلام المصنف ساكت عن أكثر هذه القيود فما وجهه ؟ قلت : وجهه الاقتصار للاختصار اعتمادا على دلالة الحال والعرف ، فإن حال المسلم دالة على أن يباشر العقد الصحيح ، والفاسد منه يمنعه عن الإقدام على الانتفاع ، وعلى أن العاقد يجب عليه تسليم ما عقد عليه فارغا عما يمنع عن الانتفاع به ، والعرف فاش في تسليم المعقود عليه في مدة العقد ومكانه فكان معلوما عادة ، وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان عن الانتفاع فاقتصر عن ذكر ذلك اعتمادا عليهما . ا هـ كلامه .

أقول : في آخر جوابه خلل . أما أولا فلأن قوله وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان عن الانتفاع إن كان معطوفا على قوله على أن يباشر العقد الصحيح أو على قوله وعلى أن العاقد يجب عليه تسليم ما عقد عليه فارغا حتى صار المعنى فإن حال المسلم دالة أيضا على أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان عن الانتفاع ، مع ركاكة هذا المعنى كما لا يخفى يلزم الفصل بين المعطوف ، والمعطوف عليه بأجنبي ، وهو قوله : والعرف فاش إلخ ، وإن كان معطوفا على قوله على دلالة الحال ، والعرف حتى صار المعنى اعتمادا على دلالة الحال والعرف ، وعلى دلالة أن الإكراه والغصب مما يمنعان عن الانتفاع يلزم أن لا يتم قوله : فاقتصر عن ذكر ذلك اعتمادا عليهما ، إذ الظاهر أن ضمير عليهما راجع إلى الحال والعرف ، وعلى المعنى المزبور لا تصير علة الاقتصار للاختصار هي الاعتماد على الحال ، والعرف فقط بل تصير علة ذلك هي الاعتماد على الحال والعرف ، وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان الانتفاع .

وأما ثانيا فلأن قوله وعلى أن الإكراه ، والغصب مما يمنعان [ ص: 73 ] عن الانتفاع يدل على أن الغصب أيضا من القيود المقتصر عن ذكرها مع أن المصنف ذكر صورة الغصب صراحة كما ترى . ( قوله : لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة فلا يتوزع الأجر على أجزائها كما إذا كان المعقود عليه العمل ) قال صاحب العناية في شرح هذا المقام : لأن المعقود عليه جملة المنافع في المدة ، وما هو جملة في المدة لا تكون مسلمة في بعضها ; لأن أجزاء الأعواض منطبقة على أجزاء الزمان فلا يستحق المؤجر قبل استيفاء جملة المنفعة شيئا كما في المبيع فإنه ما لم يسلم جميعه لا يستحق قبض الثمن وصار كما إذا كان المعقود عليه هو العمل ، كالخياطة فإن الخياط لا يستحق شيئا من الأجرة قبل الفراغ كما سيأتي . ا هـ .

أقول : في قوله كما في المبيع فإنه ما لم يسلم جميعه لا يستحق قبض الثمن سهو ظاهر ، إذ قد مر في البيوع أنه إذا بيع سلعة بثمن قيل للمشتري ادفع الثمن أولا ، وإذا بيع سلعة بسلعة أو ثمن بثمن قيل لهما سلما معا ، ففي الصورة الأولى يستحق قبض الثمن قبل تسليم المبيع ، وفي الصورتين الأخريين يستحق قبض البدلين معا ، وأما أن لا يستحق قبض الثمن إلا بعد تسليم المبيع فمما لم يقل به أحد ، والصواب هاهنا ما ذكره صاحب الكافي حيث قال كما في المبيع فإنه لا يتوزع وجوب تسليم المبيع على تسليم الثمن بل له حق [ ص: 74 ] حبس جملة المبيع ما بقي شيء من الثمن ا هـ .




الخدمات العلمية