الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( وإن باع عقارا بعقار أخذ الشفيع كل واحد منهما بقيمة الآخر ) ; لأنه بدله وهو من ذوات القيم فيأخذه بقيمته . قال ( وإذا باع بثمن مؤجل فللشفيع الخيار ، إن شاء أخذها بثمن حال ، وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل ثم يأخذها ، [ ص: 395 ] وليس له أن يأخذها في الحال بثمن مؤجل ) وقال زفر : له ذلك ، وهو قول الشافعي في القديم ; لأن كونه مؤجلا وصف في الثمن كالزيافة والأخذ بالشفعة به فيأخذ بأصله ووصفه كما في الزيوف . ولنا أن الأجل إنما يثبت بالشرط ، ولا شرط فيما بين الشفيع والبائع أو المبتاع ، وليس الرضا به في حق المشتري رضا به في حق الشفيع لتفاوت الناس في الملاءة ، وليس الأجل وصف الثمن ; لأنه حق المشتري ; ولو كان وصفا له لتبعه فيكون حقا للبائع كالثمن وصار كما إذا اشترى شيئا بثمن مؤجل ثم ولاه غيره لا يثبت الأجل إلا بالذكر كذا هذا ، ثم إن أخذها بثمن حال من البائع سقط الثمن عن المشتري لما بينا من قبل ، وإن أخذها من المشتري رجع البائع على المشتري بثمن مؤجل كما كان ; لأن الشرط الذي جرى بينهما لم يبطل بأخذ الشفيع فبقي موجبه فصار [ ص: 396 ] كما إذا باعه بثمن حال وقد اشتراه مؤجلا ، وإن اختار الانتظار له ذلك ; لأن له أن لا يلتزم زيادة الضرر من حيث النقدية . وقوله في الكتاب وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل مراده الصبر عن الأخذ ، أما الطلب عليه في الحال حتى لو سكت عنه بطلت شفعته عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لقول أبي يوسف الآخر ; لأن حق الشفعة إنما يثبت بالبيع ، والأخذ يتراخى عن الطلب ، وهو متمكن من الأخذ في الحال بأن يؤدي الثمن حالا فيشترط الطلب عند العلم بالبيع . .

التالي السابق


( قوله وليس الرضا به في حق المشتري رضا به في حق الشفيع لتفاوت الناس في الملاءة ) . قال صاحب العناية : هذا دليل آخر تقديره لا بد في الشفعة من الرضا لكونها مبادلة ، ولا رضا في حق الشفيع بالنسبة إلى الأجل ; لأن الرضا به في حق المشتري ليس برضا في حق الشفيع لتفاوت الناس في الملاءة بفتح الميم وهو مصدر ملؤ الرجل . وقال : ولقائل أن يقول : لما كان الرضا شرطا وجب أن لا يثبت حق الشفعة لانتفائه من البائع والمشتري جميعا ، وحيث ثبت بدونه جاز أن يثبت الأجل كذلك . والجواب أن ثبوته بدونه ضروري . ولا ضرورة في ثبوت الأجل ، إلى هنا كلامه وقد اقتفى أثره الشارح العيني . أقول : لا يخفى على ذي فطرة سليمة أن ذلك ليس بدليل آخر ، بل إنما هو تتمة الدليل السابق ذكر لدفع ما عسى يتوهم أن يقال شرط الأجل وإن لم يتحقق بين البائع والشفيع صريحا لكن تحقق بينهما ضمنا من حيث إن الرضا بالأجل في حق المشتري رضا به في حق الشفيع . ووجه الدفع ظاهر من قوله ولتفاوت الناس في الملاءة فلا احتياج أصلا إلى ما ارتكبه الشارحان المزبوران من تقرير مقدمات لجعل ذلك دليلا مستقلا ، وإيراد سؤال والتزام جواب بعيد عنه ، بل لا وجه للقول بأنه لا بد في الشفعة من الرضا عند من أحاط بمسائل الشفعة خبرا ، كيف وقد صرحوا بخلافه في مواضع شتى من كتاب الشفعة ، سيما عند قولهم ويملك الشفيع الدار إما بالتراضي أو بقضاء القاضي حيث جعلوا قضاء القاضي مقابلا للتراضي ، واعتبروا كل واحد منهما سببا مستقلا للملك .

( قوله ثم إن أخذها بثمن حال من البائع سقط الثمن عن المشتري لما بينا من قبل ، وإن أخذها من المشتري رجع البائع على المشتري بثمن مؤجل كما كان ) قال صاحب العناية : قوله وإن أخذها من المشتري رجع البائع على المشتري [ ص: 396 ] بثمن مؤجل إلخ يوهم أن الشفيع يملك ببيع جديد وهو مذهب بعض المشايخ كما تقدم وليس كذلك ، بل هو بطريق تحول الصفقة كما هو المختار ، لكن يتحول ما كان مقتضى العقد ، والأجل مقتضى الشرط فبقي مع من ثبت الشرط في حقه ا هـ .

واقتفى أثره الشارح أقول : هذا خبط فاحش منهما ، مداره عدم الفرق بين ما إذا قبضها المشتري فأخذها الشفيع من يده وبين ما إذا لم يقبضها المشتري ، وإذا أخذها الشفيع من يد البائع فإن الاختلاف في أن الدار المشفوعة هل تنتقل إلى الشفيع بطريق تحول الصفقة أم بعقد جديد إنما هو فيما إذا أخذها الشفيع من يد البائع قبل أن يقبضها المشتري ، وأما فيما إذا أخذها الشفيع من يد المشتري بعد أن قبضها فلم يقل أحد بأن انتقالها إلى الشفيع هناك بطريق تحول الصفقة ولا مجال له أصلا وإنما هو بطريق عقد جديد بالإجماع ولقد نادى إليه قول المصنف في أواخر باب طلب الشفعة والخصومة فيها بخلاف ما إذا قبضه المشتري فأخذه من يده حيث تكون العهدة عليه بالقبض ; لأنه تم ملكه بالقبض . وفي الوجه الأول امتنع قبض المشتري أنه يوجب الفسخ ا هـ .

فالصواب أن قول المصنف هاهنا ثم إن أخذها بثمن حال من البائع سقط الثمن عن المشتري إشارة إلى صورة أخذها من يد البائع قبل أن يقبضها المشتري . وقوله لما بينا من قبل إشارة إلى ما ذكره في باب طلب الشفعة والخصومة فيها من أن العقد ينفسخ في حق الإضافة إلى المشتري ، وتتحول الصفقة إلى الشفيع على ما هو المختار ، فإن قوله وإن أخذها من المشتري رجع البائع على المشتري بثمن مؤجل كما كان إشارة إلى صورة أخذها من يد المشتري بعد أن قبضها . وقوله لأن الشرط الذي جرى بينهما لم يبطل بأخذ الشفيع فبقي موجبه فصار كما إذا باعه بثمن حال ، وقد اشتراه مؤجلا ، إشارة إلى أن تملك الشفيع في هذه الصورة بعقد جديد كما نبه عليه في الباب المزبور بقوله بخلاف ما إذا قبضه المشتري فأخذه من يده حيث تكون العهدة عليه بالقبض ; لأنه تم ملكه بالقبض ا هـ .

فكان كل من المسألتين المذكورتين هنا مطابقا لما صرح به في الباب المزبور فلا غبار على شيء منهما أصلا ( قوله وهو متمكن من الأخذ في الحال بأن يؤدي الثمن حالا فيشترط الطلب عند العلم بالبيع ) قال صاحب العناية : قوله وهو متمكن من الأخذ في الحال جواب عن قول [ ص: 397 ] أبي يوسف الآخر .

وتقريره لا نسلم أن المقصود به الأخذ ، ولئن كان فلا نسلم أنه ليس بمتمكن من الأخذ في الحال بل هو متمكن منه بأن يؤدي الثمن حالا انتهى .

أقول : فيه نظر ، أما أولا فلأن المصنف لم يتعرض فيما قبل لدليل قول أبي يوسف الآخر كما ترى ، فالتصدي للجواب عنه بمنع بعض مقدماته كما قرره الشارح المزبور بعيد جدا ، بل هو خارج عما عليه دأب المصنف في نظائره . وأما ثانيا ; فلأن منع كون المقصود به الأخذ كما ذكره الشارح المزبور في أول التقرير مما لا يفهم من عبارة المصنف في قوله المذكور بوجه من وجوه الدلالات فكيف يصح حمل كلام المصنف عليه .

وأما ثالثا فلأن قوله ( ولئن كان فلا نسلم أنه ليس بمتمكن من الأخذ في الحال بل هو متمكن منه بأن يؤدي الثمن حالا ) مما لا يكاد يصلح أن يكون جوابا عن دليل قول أبي يوسف الآخر في هذه المسألة ; لأن دليله على ما ذكر في المبسوط وفي شرح هذا الكتاب حتى العناية نفسها أن الطلب غير مقصود بعينه بل للأخذ ، وهو في الحال لا يتمكن من الأخذ على الوجه الذي يطلبه وهو الأخذ بعد حلول الأجل أو الأخذ في الحال بثمن مؤجل فلا فائدة في طلبه في الحال ، فسكوته ; لأنه لم ير فيه فائدة لا لإعراضه عن الأخذ انتهى . ولا يذهب على ذي مسكة أن منع عدم تمكنه من الأخذ في الحال بناء على تمكنه منه بأن يؤدي الثمن حالا لا يجدي طائلا في دفع ما ذكر في دليله من أنه في الحال لا يتمكن من الأخذ على الوجه الذي يطلبه ، فإن أداء الثمن حالا ليس على الوجه الذي يطلبه ، وليس بلازم له ألبتة ، وخلاف أبي يوسف في قوله الآخر فيما إذا لم يختر الشفيع أخذها بثمن حال بل اختار الانتظار إلى حلول الأجل فكيف يكون تمكنه من الأخذ في الحال بأن يؤدي الثمن حالا جوابا عن ذلك ، والحق أن يحمل قول المصنف وهو متمكن من الأخذ في الحال إلخ على تتميم دليل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بأن يجعل دليلا بحسب المعنى على ثبوت حق الشفعة له بالبيع كما يدل عليه تقرير صاحب الكافي وكثير من الشراح أخذا من المبسوط حيث قالوا بعد ذكر وجه قول أبي يوسف الآخر : وجه ظاهر [ ص: 398 ] الرواية أن حقه في الشفعة قد ثبت بدليل أنه لو أخذ بثمن حال كان له ذلك ، والسكوت عن الطلب بعد ثبوت حقه مبطل شفعته . انتهى تبصر .




الخدمات العلمية