الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال : ( وإن استأجرها إلى الحيرة فجاوز بها إلى القادسية ثم ردها إلى الحيرة ثم نفقت فهو ضامن ، وكذلك العارية ) وقيل تأويل هذه المسألة إذا استأجرها ذاهبا لا جائيا ; لينتهي العقد بالوصول إلى الحيرة فلا يصير بالعود مردودا إلى يد المالك معنى . وأما إذا استأجرها ذاهبا وجائيا فيكون بمنزلة المودع إذا خالف ثم عاد إلى الوفاق . وقيل لا ، بل الجواب مجرى على الإطلاق . والفرق أن المودع بأمور بالحفظ مقصودا فبقي الأمر بالحفظ بعد العود إلى الوفاق فحصل [ ص: 88 ] الرد إلى يد نائب المالك ، وفي الإجارة والعارية يصير الحفظ مأمورا به تبعا للاستعمال لا مقصودا ، فإذا انقطع الاستعمال لم يبق هو نائبا فلا يبرأ بالعود وهذا أصح . قال : ( ومن اكترى حمارا بسرج فنزع السرج وأسرجه بسرج تسرج بمثله الحمر فلا ضمان عليه ) ; لأنه إذا كان يماثل الأول تناوله إذن المالك ، إذ لا فائدة في التقييد بغيره إلا إذا كان زائدا عليه في الوزن فحينئذ يضمن الزيادة ( وإن كان لا تسرج بمثله الحمر ضمن ) ; لأنه [ ص: 89 ] لم يتناوله الإذن من جهته فصار مخالفا ( وإن أوكفه بإكاف لا يوكف بمثله الحمر يضمن ) لما قلنا في السرج ، وهذا أولى ( وإن أوكفه بإكاف يوكف بمثله الحمر يضمن عند أبي حنيفة ، وقالا : يضمن بحسابه ) ; لأنه إذا كان يوكف بمثله الحمر كان هو والسرج سواء فيكون المالك راضيا به ، إلا إذا كان زائدا على السرج في الوزن فيضمن الزيادة ; لأنه لم يرض بالزيادة فصار كالزيادة في الحمل المسمى إذا كان من جنسه . ولأبي حنيفة رحمه الله أن الإكاف ليس من جنس السرج ; لأنه للحمل ، والسرج للركوب ، وكذا ينبسط أحدهما على ظهر الدابة ما لا ينبسط عليه الآخر [ ص: 90 ] فكان مخالفا كما إذا حمل الحديد وقد شرط له الحنطة .

التالي السابق


( قوله : وفي الإجارة ، والإعارة يصير الحفظ مأمورا به تبعا للاستعمال لا مقصودا فإذا انقطع الاستعمال لم يبق هو نائبا فلا يبرأ بالعود ) فإنه لما جاوز الحيرة صار غاصبا للدابة ودخلت الدابة في ضمانه ، والغاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك أو على من هو مأمور بالحفظ من جهة المالك ، ولم يوجد ، كذا في الكافي وعامة الشروح . ونوقض بغاصب الغاصب إذا رد المغصوب على الغاصب فإنه يبرأ وإن لم يوجد الرد على أحد هذين . وأجيب عنه في النهاية وكثير من الشروح بأنا نزيد في المأخذ فنقول : إنما يبرأ بالرد إلى أحد هذين أو إلى من لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه ضمانه من قبل ، والغاصب الأول لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه ، وعزاه في النهاية ومعراج الدراية إلى الفوائد الظهيرية . وقال في العناية : والجواب أن الرد على أحدهما يوجب البراءة ألبتة ، وليس كل ما يوجب البراءة يجب أن يكون الرد على أحدهما لجواز أن تحصل البراءة بسبب آخر .

والسبب في غاصب الغاصب هو الرد إلى من لم يوجد منه سبب ضمان يرتفع بالرد عليه ضمانه من قبل ا هـ . أقول : يرد عليه أن قوله وليس كل ما يوجب البراءة يجب أن يكون الرد على أحدهما ; لجواز أن تحصل البراءة بسبب آخر مما ينافيه الحصر المستفاد من قولهم ، والغاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك أو على من هو مأمور بالحفظ من جهة المالك ، ومورد النقض ليس إلا الحصر المستفاد من تلك المقدمة ، اللهم إلا أن يحمل [ ص: 89 ] ذلك الحصر على القصر الإضافي دون الحقيقي ، فالمعنى أن الغاصب لا يبرأ إلا بالرد على أحدهما لا بالعود ، فلا ينافيه جواز أن تحصل البراءة بسبب آخر ، وقصد بعض الفضلاء أن يجيب عما يرد على ما في العناية بوجه آخر حيث قال : لا يقال كيف يستقيم الحصر المدلول عليه بقوله ولا يبرأ إلا بالرد إلى المالك أو نائبه لظهور صحته بالنظر إلى ما نحن فيه . نعم قد يكون المستأجر الذي فعل ما فعل مستأجرا من غاصب الدابة فتدبر . ا هـ كلامه .

أقول : ليس ذاك بمستقيم ; لأن قولهم ، والغاصب لا يبرأ إلا بالرد على المالك أو نائبه في حيز الكبرى من الشكل الأول بأن يقال : المستأجر فيما نحن فيه غاصب بمجاوزة الحيرة ، وكل غاصب لا يبرأ عن الضمان إلا بالرد على المالك أو نائبه فهو لا يبرأ عنه إلا بأحدهما ، ولم يوجد هنا شيء منهما ، فظهور صحة الحصر بالنظر إلى ما نحن فيه لا يفيد صحته بالنظر إلى كلية الكبرى ، والكلام فيها ، ولو كان مراد صاحب العناية بقوله ولا يبرأ إلا بالرد إلى المالك أو نائبه أن المستأجر فيما نحن فيه لا يبرأ إلا بالرد على أحدهما ; لأن الغاصب مطلقا لا يبرأ إلا بالرد على أحدهما لما كان للنقض بغاصب الغاصب إذا رد المغصوب على الغاصب مساس بكلامه فلا يكون لذكره وجوابه عنه وجه .

فإن قيل : يجوز أن يكون مراده حينئذ بغاصب الغاصب في النقض هو المستأجر الذي استأجر من غاصب الدابة وفعل ما فعل الغاصب لا غاصب الغاصب مطلقا فيكون للنقض المزبور مساس بكلامه أيضا . قلنا : فلا يصح الحصر المزبور إذ ذاك بالنظر إلى ما نحن فيه أيضا فلا يتم المطلوب . فالمخلص في الجملة لتصحيح ما في العناية إنما هو حمل الحصر على القصر الإضافي كما نبهنا عليه من قبل .

قال في النهاية : فإن قلت : إلحاق الإجارة بالعارية في حكم الضمان غير مستقيم لما أن يد المستأجر كيد المالك حتى يرجع بما يلحقه من الضمان على المالك كالمودع بخلاف المستعير ، وكذلك مؤنة الرد على المالك في الإجارة كما في الوديعة بخلاف الإعارة . قلت : هذا هو الذي تشبث به عيسى بن أبان في الطعن في جواب الكتاب ، ولكنا نقول : رجوعه بالضمان للغرور المتمكن بعقد المعاوضة ، وذلك لا يدل على أن يده ليس كيد نفسه كالمشتري يرجع بضمان الغرور ، وكذلك مؤنة الرد عليه لما قلنا من [ ص: 90 ] المنفعة له في النقل ، فأما يد المستأجر يد نفسه ; لأنه هو المنتفع في استمساك العين المستأجرة ، إذ لو لم يكن له في استمساك العين نفع لما اختار استمساك العين على ما له من الأجرة . ا هـ .

وعلى هذا المنوال ذكر طعن عيسى بن أبان ، والجواب عنه في كثير من الشروح ، وعزاه في الكفاية إلى المبسوط . وقال في العناية : قيل إلحاق الإعارة بالإجارة بقوله وكذلك العارية وعكسه ليس بمستقيم لثبوت التفرقة بينهما ، فإن يد المستأجر كيد المالك حيث يرجع بما يلحقه من الضمان على المالك كالمودع ، ومؤنة الرد على المالك كما في الوديعة بخلاف الإعارة .

والجواب أن الاتحاد بين الشيئين من كل وجه يرفع التعدد فلا بد من تفرقة ; ليتحقق الإلحاق ، والاتحاد في المناط كاف للإلحاق وهو موجود ، فإن المناط هو التجاوز عن المسمى متعديا ثم الرجوع إليه فيما لم يكن الحفظ فيه مقصودا وذلك موجود فيهما لا محالة . ا هـ .

أقول : هذا الجواب ليس بمستقيم ; لأن الاتحاد في المناط المزبور غير كاف للإلحاق على تقدير ثبوت التفرقة المذكورة في الطعن ، بل لا يكون ذلك مناطا للإلحاق في حكم الضمان ، فإن يد المستأجر إن كان كيد المالك كان تعدي المستأجر بالتجاوز عن المسمى في حكم تعدي المالك في مال نفسه فلا ينبغي أن يضمن المستأجر شيئا بخلاف المستعير فلا يتم إلحاق واحدة من الإجارة ، والعارية بالأخرى . فالصواب في الجواب منع ثبوت التفرقة المذكورة بمنع دلالة ما ذكر في الطعن على كون يد المستأجر كيد المالك كما هو حاصل ما ذكر في النهاية وسائر الشروح على ما نقلناه آنفا ( قوله : كما إذا حمل الحديد وقد شرط له الحنطة ) قال صاحب العناية : فيه نظر ; لأنه عكس ما نحن فيه من المثال [ ص: 91 ] إلا إذا جعل ذلك مثالا للمخالفة فقط من غير نظر إلى الانبساط وعدمه . ا هـ . وقال الشارح العيني بعد نقل ما قاله صاحب العناية : قلت : ليس فيه عكس ; لأن الحديد قدر وزن الحنطة المشروطة لا يأخذ من ظهر الدابة قدر ما تأخذه الحنطة وهذا ظاهر . ا هـ .

أقول : بل فساد كلامه ظاهر ; لأن تعليله ينافي ما ادعاه ، فإن الحديد الذي هو قدر وزن الحنطة المشروطة إذا لم يأخذ من ظهر الدابة قدر ما تأخذه الحنطة المشروطة تعين العكس حيث كان ما حمله المستأجر على الدابة وهو الحديد أقل انبساطا على ظهر الدابة مما شرطه له في العقد وهو الحنطة ، وقد كان فيما نحن فيه ما وضعه المكتري على الحمار ، وهو الإكاف أكثر انبساطا مما عين له في العقد وهو السرج ، وهو عكس ذلك لا محالة .




الخدمات العلمية