الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
[ ص: 107 ] قال : ( ومن دفع إلى حائك غزلا لينسجه بالنصف فله أجر مثله . وكذا إذا استأجر حمارا يحمل طعاما بقفيز منه فالإجارة فاسدة ) ; لأنه جعل الأجر بعض ما يخرج من عمله فيصير في معنى قفيز الطحان ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه ، وهو أن يستأجر ثورا ليطحن له حنطة بقفيز من دقيقه . [ ص: 108 ] وهذا أصل كبير يعرف به فساد كثير من الإجارات ، لا سيما في ديارنا ، والمعنى فيه أن المستأجر عاجز عن تسليم الأجر وهو بعض المنسوج أو المحمول . إذ حصوله بفعل الأجير فلا يعد هو قادرا بقدرة غيره ، [ ص: 109 ] وهذا بخلاف ما إذا استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر حيث لا يجب له الأجر ; لأن المستأجر ملك الأجير في الحال بالتعجيل فصار مشتركا بينهما .

ومن استأجر رجلا لحمل طعام مشترك بينهما لا يجب الأجر [ ص: 110 ] لأن ما من جزء يحمله إلا وهو عامل لنفسه فيه فلا يتحقق تسليم المعقود عليه . قال ( ولا يجاوز بالأجر قفيزا ) ; لأنه لما فسدت الإجارة فالواجب الأقل ما سمى ومن أجر المثل ; لأنه رضي بحط الزيادة ، وهذا بخلاف ما إذا اشتركا في الاحتطاب حيث يجب الأجر بالغا ما بلغ عند محمد ; لأن المسمى هناك غير معلوم فلم يصح الحط .

التالي السابق


( قوله : وهذا أصل كبير يعرف به فساد كثير من الإجارات لا سيما في ديارنا ) قال صاحب العناية : فإن قيل : إذا كان عرف ديارنا على ذلك فهل يترك به القياس ؟ قلنا : لا ; لأنه في معناه من كل وجه فكان ثابتا بدلالة النص ، ومثله لا يترك بالعرف . ا هـ . وقال بعض الفضلاء : سيجيء من المصنف في أوائل كتاب المزارعة ما يخالف ما ذكره الشارح حيث أطلق القياس على ما في معنى قفيز الطحان وقال يترك بالعرف كالاستصناع فراجعه . ا هـ . أقول : ما سيجيء من المصنف في أوائل كتاب المزارعة ليس بمخالف لما ذكره صاحب العناية هاهنا ، فإن المصنف بعد أن بين في أوائل كتاب المزارعة أن المزارعة فاسدة عند أبي حنيفة رحمه الله جائزة عند صاحبيه وذكر الدليل من الجانبين قال إلا أن الفتوى على قولهما لحاجة الناس إليها ولظهور تعامل الأمة بها ، والقياس يترك بالتعامل كما في الاستصناع . ا هـ .

ولا يقتضي [ ص: 109 ] ذلك أن يطلق القياس على كل ما في معنى قفيز الطحان ، بل إنما يقتضي أن يطلقه على المزارعة ، وهي في معنى قفيز الطحان من وجه : أي من حيث إنها استئجار ببعض ما يخرج من عمله كما ذكر في دليل أبي حنيفة على فسادها ، وفي معنى المضاربة من وجه : أي من حيث إنها عقد شركة بين المال والعمل كما ذكر في دليل الإمامين على جوازها ، بخلاف ما نحن فيه فإنه في معنى قفيز الطحان من كل وجه ; لأنه استئجار محض ليس فيه شائبة المضاربة ، فلهذا قيل : إنه ثابت بدلالة النص دون القياس . ولئن سلم مخالفة ما سيجيء من المصنف هناك لما ذكره صاحب العناية هاهنا فلا ضير فيها ; لأن فيما نحن فيه قولين : أحدهما أنه ثابت بدلالة النص فلا يترك بالعرف ، وهو مختار شمس الأئمة السرخسي .

وثانيهما أنه من حيث القياس فيترك بالتعامل كالاستصناع ، وهو مختار شمس الأئمة الحلواني وأستاذه القاضي الإمام أبي علي النسفي كما فصل في المبسوط وغيره وذكر في النهاية ، ومعراج الدراية أيضا ، فما ذكره صاحب العناية هاهنا على ما اختاره شمس الأئمة السرخسي قطعا ، وما ذكره المصنف في المزارعة يجوز أن يكون على ما اختاره شمس الأئمة الحلواني وأستاذه ، فإذا كان مدار المخالفة بين الكلامين على اختلاف القولين في المسألة فلا بأس بها ( قوله : وهذا بخلاف ما إذا استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر حيث لا يجب له الأجر ; لأن المستأجر ملك الأجير في الحال بالتعجيل إلخ ) قال الإمام الزيلعي في شرح الكنز بعد ذكر هذه المسألة مع دليلها المزبور : هكذا قالوا ، وفيه إشكالان : أحدهما أن الإجارة فاسدة والأجرة لا تملك بالصحيحة منها بالعقد عندنا سواء كانت عينا أو دينا على ما بيناه من قبل ، فكيف ملك هاهنا من غير تسليم ، ومن غير شرط التعجيل . والثاني أنه قال ملكه في الحال ، وقوله لا يستحق الأجر ينافي الملك ; لأنه لا يملكه إذا ملكه إلا بطريق الأجرة فإذا لم يستحق شيئا فكيف يملكه وبأي سبب يملكه . ا هـ كلامه .

أقول : كل من إشكاليه ساقط . أما الأول فلأنه لا ريب أن وضع المسألة فيما إذا سلم إلى الأجير كل الطعام كما يفصح عنه قولهم في تعليلها ; لأن المستأجر ملك الأجير في الحال بالتعجيل ، إذ تعجيل الأجر إنما يكون بتسليمه إلى الأجير في الحال ، وقد صرح بذلك في تحرير نفس المسألة كثير من الثقات ، منهم صاحب النهاية ، ومعراج الدراية حيث قالا : إن هاهنا مسألتين : إحداهما ما إذا استأجر رجلا ليحمل له كر حنطة إلى بغداد مثلا بنصفه كانت الإجارة فاسدة ، وللأجير أجر مثله إن كان بلغ إلى بغداد لا يجاوز به قيمة نصف الكر .

والثانية أن يستأجره ليحمل له نصفه إلى المكان المعين بنصفه الباقي ، ودفع إليه كله ولا أجر له هاهنا . والتي ذكرها في الكتاب بقوله بخلاف ما إذا استأجره ليحمل نصف طعامه بالنصف الآخر هي هذه المسألة ، وهي من مسائل إجارات الجامع الكبير [ ص: 110 ] ا هـ . وأما الثاني فلأن المنافاة بين قولهم ملك الأجير في الحال وبين قولهم لا يستحق الأجر ولا يجب الأجر ممنوعة ، إذ معنى الأول أنه يملك الأجير ابتداء بموجب العقد وتسليم الأجر إلى الأجير بالتعجيل ، ومعنى الثاني أنه لا يستحق الأجر لبطلان العقد قبل العمل بعد أن ملك الأجير بالتسليم بسبب أن صار شريكا في الطعام قبل إيفاء شيء من المعقود عليه ، ولا يذهب عليك أنه لا تنافي بين هذين المعنيين ، بل الأول منهما يؤدي إلى الثاني .

ويدل على هذا التوفيق قطعا ما ذكره صاحب النهاية في تعليل هذه المسألة نقلا عن الجامع الكبير لشمس الأئمة السرخسي وصدر الإسلام الحميدي حيث قال : وأما في المسألة الثانية ، وهي ما إذا استأجره ليحمل نصفه إلى بغداد بنصفه الباقي ودفع إليه فإنما سلمه إليه على سبيل التمليك لنصف الكر من قبل أن البدل نصف كر مطلق لا نصف كر محمول إلى بغداد فصار بتسليم الكر إليه معجلا للأجرة فملكها بنفس القبض ، وإذا ملكه بالتسليم بطل العقد قبل العمل ; لأنه صار شريكا في الكر قبل إيفاء شيء من العقود عليه ، وما قبل التسليم في الإجارة بمنزلة ابتداء العقد ، فلو ابتدأ العقد على العمل في شيء العامل فيه شريك المستأجر بطلت الإجارة فكذلك هاهنا ، وإذا بطلت الإجارة لم يجب الأجر ، كذا في الجامع الكبير لشمس الأئمة السرخسي وصدر الإسلام الحميدي ، إلى هنا لفظ النهاية . وبهذا ظهر أنه لا حاجة في دفع الإشكال الثاني من ذينك الإشكالين إلى ما تعسف فيه بعض الفضلاء حيث قال : لعل مرادهم نفي الملك ; لأن وجوده يؤدي إلى عدمه ، وما هو كذلك يبطل ، فقولهم ملك الأجير في الحال كلام ورد على سبيل الفرض والتقدير فيكون تقدير الكلام : لو وجب الأجر في الصورة المفروضة لملك الأجير الأجرة في الحال بالتعجيل ، والتالي باطل إذ حينئذ يكون مشتركا بينهما فيفضي إلى عدم وجوب الأجر ، وكل لازم يؤدي فرض وجوده إلى انتفاء ملزومه يكون باطلا فكذا هذا . ا هـ كلامه .

( قوله : لأن ما من جزء يحمله إلا ، وهو عامل لنفسه فيه ) قال بعض الفضلاء : فيه بحث ، فإنه في كل جزء عامل لغيره أيضا [ ص: 111 ] فلا معنى للحصر ، وإثبات المطلوب لا يتوقف عليه إلا أن يحمل على المبالغة في التشبيه : أي هو كعامل لنفسه . ا هـ . أقول : هذا البحث غير متمش رأسا ; لأنه إنما يلزم الحصر من كلام المصنف لو كان معناه إلا ، وهو عامل لنفسه فقط ، أما إذا كان معناه إلا ، وهو عامل لنفسه كما هو عامل لغيره أيضا فلا حصر فيه ، فلا معنى لقوله فلا معنى للحصر إذ لم يتعين الحصر فيه . فالوجه في تمشية البحث هاهنا توسيع الدائرة ، بأن يقال : إن كان المراد أنه عامل لنفسه فقط فهو ممنوع ، وإن كان المراد أنه عامل لنفسه ولغيره فعدم استحقاقه الأجر على فعله لنفسه لا ينافي استحقاقه على فعله لغيره فلا يتم التقريب ، وسيأتي تتمة هذا الكلام فيما بعد إن شاء الله تعالى .




الخدمات العلمية