الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا كان سفل لا علو عليه وعلو لا سفل له وسفل له علو قوم كل واحد على حدته وقسم بالقيمة ولا معتبر بغير ذلك ) قال [ ص: 444 ] رضي الله عنه : هذا عند محمد رحمه الله : وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله : يقسم بالذرع ; لمحمد أن السفل يصلح لما لا يصلح له العلو من اتخاذه بئر ماء أو سردابا أو إصطبلا أو غير ذلك فلا يتحقق التعديل إلا بالقيمة ، وهما يقولان إن القسمة بالذرع هي الأصل ، لأن الشركة في المذروع لا في القيمة فيصار إليه ما أمكن ، والمراعى التسوية في السكنى لا في المرافق ثم اختلفا فيما بينهما في كيفية القسمة بالذرع فقال أبو حنيفة رحمه الله : ذراع من سفل بذراعين من علو وقال أبو يوسف رحمه الله : ذراع بذراع قيل أجاب كل واحد منهم على عادة أهل عصره أو أهل بلده في تفضيل السفل على العلو واستوائهما وتفضيل السفل مرة والعلو أخرى .

وقيل هو اختلاف معنى ووجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن منفعة السفل تربو على منفعة العلو بضعفه لأنها تبقى بعد فوات [ ص: 445 ] العلو ، ومنفعة العلو لا تبقى بعد فناء السفل ، وكذا السفل فيه منفعة البناء والسكنى ، وفي العلو السكنى لا غير إذ [ ص: 446 ] لا يمكنه البناء على علوه إلا برضا صاحب السفل ، فيعتبر ذراعان منه بذراع من السفل ولأبي يوسف أن المقصود أصل السكنى وهما يتساويان فيه ، والمنفعتان متماثلتان لأن لكل واحد منهما أن يفعل ما لا يضر بالآخر على أصله ولمحمد أن المنفعة تختلف باختلاف الحر والبرد بالإضافة إليهما فلا يمكن التعديل إلا بالقيمة ، والفتوى اليوم على قول محمد رحمه الله وقوله لا يفتقر إلى التفسير ، وتفسير قول أبي حنيفة رحمه الله في مسألة الكتاب أن يجعل بمقابلة مائة ذراع من العلو المجرد ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من البيت الكامل لأن العلو مثل نصف السفل فثلاثة وثلاثون وثلث من السفل ستة وستون وثلثان من العلو المجرد ومعه ثلاثة وثلاثون وثلث ذراع من العلو فبلغت مائة ذراع تساوي مائة من العلو المجرد ، ويجعل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد من البيت الكامل ستة وستون وثلثا ذراع ، لأن علوه مثل نصف سفله فبلغت مائة ذراع كما ذكرنا ، والسفل المجرد ستة وستون وثلثان لأنه ضعف العلو فيجعل بمقابلة مثله وتفسير قول أبي يوسف أن يجعل بإزاء خمسين ذراعا من البيت الكامل مائة ذراع من السفل المجرد ، ومائة ذراع من العلو المجرد ، لأن السفل والعلو عنده سواء ، فخمسون ذراعا من البيت الكامل بمنزلة مائة ذراع خمسون منها سفل وخمسون منها علو قال ( وإذا اختلف المتقاسمون وشهد القاسمان قبلت شهادتهما ) قال رضي الله عنه : هذا الذي ذكره قول أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد : لا تقبل ، وهو قول أبي يوسف أولا ، وبه قال الشافعي .

وذكر الخصاف قول محمد مع قولهما وقاسما القاضي وغيرهما سواء ، لمحمد أنهما شهدا على فعل أنفسهما فلا تقبل ، كمن علق عتق عبده بفعل غيره فشهد ذلك الغير على فعله ولهما أنهما شهدا على فعل غيرهما وهو الاستيفاء والقبض لا على فعل أنفسهما ، لأن فعلهما التمييز ولا حاجة إلى الشهادة عليه ، أو لأنه لا يصلح مشهودا به لما أنه غير لازم ، وإنما يلزمه بالقبض والاستيفاء وهو فعل الغير فتقبل الشهادة عليه وقال الطحاوي : إذا قسما بأجر لا تقبل الشهادة بالإجماع ، وإليه مال بعض المشايخ لأنهما يدعيان إيفاء عمل استؤجرا عليه فكانت شهادة صورة ودعوى معنى فلا تقبل إلا أنا نقول : هما لا يجران بهذه الشهادة إلى أنفسهما مغنما [ ص: 447 ] لاتفاق الخصوم على إيفائهما العمل المستأجر عليه وهو التمييز ، وإنما الاختلاف في الاستيفاء فانتفت التهمة ( ولو شهد قاسم واحد لا تقبل ) لأن شهادة الفرد غير مقبولة على الغير ، ولو أمر القاضي أمينه بدفع المال إلى آخر يقبل قول الأمين في دفع الضمان عن نفسه ولا يقبل في إلزام الآخر إذا كان منكرا ، والله أعلم

.

التالي السابق


( قوله وإذا كان سفل لا علو له وعلو لا سفل له وسفل له علو إلى آخره ) قال صاحب العناية : صورة المسألة أن يكون علو مشترك بين رجلين وسفله لآخر وسفل مشترك بينهما وعلوه لآخر وبيت كامل مشترك بينهما والكل في دار واحدة أو في دارين لكن تراضيا على القسمة وطلبا من القاضي القسمة وإنما قيدنا بذلك لئلا يقال تقسيم العلو مع السفل قسمة واحدة إذا كانت البيوت متفرقة لا يصح عند أبي حنيفة رحمه الله انتهى وقد أخذ الشارح المزبور ذلك التقييد مما ذكر في النهاية ومعراج الدراية من السؤال والجواب بأن يقال : فإن قيل : كيف يقسم العلو مع السفل قسمة واحدة عند أبي حنيفة ومن مذهبه أن البيوت المتفرقة لا تقسم قسمة واحدة إذا لم تكن في دار واحدة ؟ قلنا : موضوع المسألة أنهما كانا في دار واحدة ، والبيتان في دار واحدة عند أبي حنيفة يقسم قسمة جمع ، ولئن كانا في دارين فهو محمول على ما إذا تراضيا على القسمة ، ولكن طلبوا من القاضي المعادلة فيما بينهم .

وعند أبي حنيفة تجوز القسمة على هذا الوجه حالة الرضا انتهى وقد ذكر هذا السؤال والجواب في الذخيرة أيضا ، فهي المأخذ الأصلي أقول : فيه إشكال من حيث الرواية والدراية أما الأول فلأن ذلك التقييد مخالف لروايات عامة الكتب ، منها ما ذكره المصنف في الفصل السابق حيث قال : والبيوت في محل أو محال تقسم قسمة واحدة لأن التفاوت فيها يسير انتهى ولا شك أن المحلة فوق الدار ، فإذا قسمت البيوت في محال متعددة قسمة واحدة بالإجماع ، فلأن قسمت في دور متعددة قسمة واحدة بالإجماع أولى كما لا يخفى ومنها ما ذكره صاحب الكافي في الفصل السابق حيث قال : ثم هي على ثلاثة فصول عند أبي حنيفة : الدور ، والبيوت ، والمنازل فالدور لا تقسم عنده قسمة واحدة إلا برضا الشركاء سواء كانت متباينة أو متلازقة ، والبيوت تقسم قسمة واحدة سواء كانت متباينة أو متلازقة ، لأنها لا تتفاوت في معنى السكنى ولهذا تؤجر بأجرة واحدة في كل محلة ، والمنازل المتلازقة كالبيوت تقسم قسمة واحدة ، والمتباينة كالدور لا تقسم قسمة واحدة لأن المنزل فوق البيت ودون الدار ، فألحقت المنازل بالبيوت إذا كانت متلازقة ، وبالدور إذا كانت متباينة .

وقالا في الفصول كلها : ينظر القاضي إلى أعدل الوجوه ليمضي القسمة على ذلك انتهى وهكذا ذكر في الفصل السابق في عامة الشروح حتى قال في العناية هناك : والبيوت تقسم مطلقا لتقاربها في معنى السكنى ومنها ما ذكره الإمام قاضي خان في فتاواه حيث قال : وإن كان بين الرجلين بيتان له أن يجمع نصيب أحدهما في بيت واحد متصلين كانا أو منفصلين ، ولو كان بينهما منزلان إن كان منفصلين فهما كالدارين لا يجمع نصيب أحدهما في منزل واحد ولكنه يقسم كل منزل قسمة على حدة ، ولو كانا متصلين فهما كالبيتين له أن يجمع نصيب أحدهما في منزل واحد ، وهذا كله قول أبي حنيفة وقال صاحباه : الدار والبيت سواء والرأي فيه للقاضي انتهى [ ص: 444 ]

ومنها ما ذكره صاحب البدائع حيث قال : وأما البيتان فيقسمان قسمة جمع بالإجماع متصلين كانا أو منفصلين . ا هـ إلى غير ذلك من المعتبرات ولا يخفى على ذي فطنة أن مدلول كل واحد منهما أن يقسم البيتان أو البيوت عنده قسمة واحدة على الإطلاق وأما الثاني فلأنه إن أريد بالتراضي في قوله أو في دارين لكن تراضيا على القسمة تراضيهما فيما بينهما على قسمة معينة لزم أن لا يستقيم بيان الخلاف في هذه المسألة بين أئمتنا الثلاثة على الوجه المفصل في الكتاب ، إذ يرتفع الخلاف حينئذ بالكلية ، فإنه يجوز القسمة على وفق تراضيهما على شيء معين كيفما كان بلا خلاف من أحد ; ألا يرى أن الدور مطلقا لا تقسم قسمة واحدة عند أبي حنيفة ، وعند تراضي الشركاء فيما بينهم على تلك القسمة تقسم بها عنده أيضا كما صرحوا به قاطبة ، وإن أريد بالتراضي المذكور تراضيهما على مجرد القسمة بدون تعيين شيء كما هو الظاهر من عبارة النهاية ومعراج الدراية والذخيرة وهي قولهم : ولئن كانا في دارين فهو محمول على ما إذا تراضوا على القسمة ولكن طلبوا من القاضي المعادلة فيما بينهم لم يفد التقييد بذلك شيئا لأنهما إنما تراضيا حينئذ على القسمة العادلة ، فإن كان مذهب أبي حنيفة أن البيوت المتفرقة لا تقسم قسمة واحدة ، فالظاهر أن وجهه عدم إمكان التعديل في قسمتها قسمة واحدة كما قال في الدور ، فإذا لم يمكن التعديل فيها فكيف تجوز بمجرد تراضيهما على القسمة مع طلب المعادلة فيها وبالجملة لا يرى معنى فقهي فارق بين صدور التصريح بالتراضي على ذلك المعنى منهما وعدم صدوره ، فما معنى اختلاف جواب المسألة في الصورتين فتأمل

( قوله لمحمد أن السفل يصلح لما لا يصلح له العلو من اتخاذه بئر ماء أو سردابا أو إصطبلا أو غير ذلك فلا يتحقق التعديل إلا بالقيمة ) أقول : كان الظاهر في التعليل من قبل محمد أن يزاد على قوله إن السفل يصلح لما لا يصلح له العلو ، وإن العلو يصلح لما لا يصلح له السفل كدفع ضرر الندى في موضع يكثر فيه الندى واستنشاق الهواء الملائم وغير ذلك ، فإن مجرد صلاحية السفل لما لا يصلح له العلو بدون العكس تقتضي تفضيل السفل على العلو مطلقا كما هو مذهب أبي حنيفة ، فلا ينافي تقسيم ذراع من سفل بذراعين من علو ، بخلاف تفضيل السفل مرة وتفضيل العلو أخرى فإنه ينافي القسمة بالذرع أصلا ويقتضي المصير إلى القسمة بالقيمة ليتحقق التعديل ، وعن هذا قال فيما سيأتي : ولمحمد أن المنفعة تختلف باختلاف الحر والبرد بالإضافة إليهما ، فلا يمكن التعديل إلا بالقيمة وقال : والفتوى اليوم على قول محمد

( قوله قيل أجاب كل واحد منهم على عادة أهل عصره أو أهل بلده في تفضيل السفل على العلو واستوائهما وتفضيل السفل مرة والعلو أخرى وقيل هو اختلاف معنى ) قال صاحب العناية في شرح هذا المقام واختلف المشايخ بأن [ ص: 445 ] مبنى هذا الاختلاف اختلاف عادة أهل العصر والبلدان في تفضيل السفل على العلو أو العكس من ذلك أو استواؤهما ، أو هو معنى فقهي فقال بعضهم : أجاب كل منهم على عادة أهل عصره أجاب أبو حنيفة بناء على ما شاهد من أهل الكوفة في اختيار السفل على العلو . وأبو يوسف بناء على ما شاهد من أهل بغداد في التسوية بين العلو والسفل في منفعة السكنى . ومحمد بناء على ما شاهد من اختلاف العادات في البلدان من تفضيل السفل مرة والعلو أخرى انتهى أقول : في أوائل تحريره خلل حيث قال أو العكس من ذلك ، ولا يخفى أن عكس تفضيل السفل على العلو مطلقا إنما هو تفضيل العلو على السفل مطلقا ، وهو ليس بمذهب أحد في الاختلاف المذكور ، وإنما المذهب فيه تفضيل السفل على العلو مطلقا كما قال به أبو حنيفة واستواؤهما كما قال به أبو يوسف ، وتفضيل السفل مرة والعلو أخرى كما قال به محمد ، وليس الثالث بعكس الأول كما لا يخفى ولله در صاحب الهداية في حسن تحريره وإصابته حيث قال في تفضيل السفل على العلو واستوائهما وتفضيل السفل مرة والعلو أخرى : فأصاب المحز في إفادة عين المذاهب الثلاثة الواقعة في الاختلاف المذكور كما ترى

( قوله وكذا السفل فيه منفعة البناء والسكنى وفي العلو السكنى لا غير ) قال بعض الفضلاء : هذا مخالف لقوله والمراعى التسوية في السكنى لا المرافق ، إلا أن يفرق بين ما ذكره محمد وما ذكره أبو حنيفة وهو غير ظاهر ا هـ أقول : ليس ذاك بسديد ، أما أولا فلأن معنى قوله فيما مر والمراعى التسوية في السكنى لا في المرافق أن المراعى في نفس القسمة بالذرع التي هي الأصل التسوية في السكنى لا في المرافق ، إذ الاتحاد في الجنس يحصل بالاتحاد في منفعة السكنى بدون الاحتياج إلى الاتحاد في المرافق ، فيصار إلى ما هو الأصل عند الاتحاد في الجنس من قسمة العين دون القيمة ، ومراده هاهنا بقوله وكذا السفل فيه منفعة البناء والسكنى وفي العلو السكنى لا غير بيان مراعاة منفعة غير السكنى أيضا في كيفية القسمة عند أبي حنيفة وهي ذراع من سفل بذراعين من علو ، ولا يعد في أن يراعى في كيفية القسمة بالذرع ما لا يراعى في نفس القسمة بالذرع ، فإن نفس القسمة بالذرع قد تتحقق منفكة عن تلك الكيفية كما في قسمة البيت السفلي فقط أو العلوي فقط فلا مخالفة بين الكلامين في المقامين كما لا يخفى وأما ثانيا فلأنه لا معنى لقوله إلا أن يفرق بين ما ذكره محمد وما ذكره أبو حنيفة ، فإن المذكور فيما مر بقوله والمراعى التسوية في السكنى لا في المرافق إنما هو قول أبي حنيفة وأبي يوسف والمذكور هاهنا بقوله وكذا السفل فيه منفعة السكنى إلى آخره إنما هو وجه قول أبي حنيفة وحده ، [ ص: 446 ] وما ذكره محمد بمعزل عن ذينك القولين معا فلا تأثير للفرق بين ما ذكره محمد ، وما ذكره أبو حنيفة في دفع المخالفة بينهما كما ادعاها ، على أن قوله وهو غير ظاهر ليس بصحيح ، إذ لا شك في ظهور الفرق بين ما ذكره محمد وما ذكره أبو حنيفة كما ترى

( قوله ولأبي يوسف أن المقصود أصل السكنى ) أقول : حق التحرير أن يقال : إن أصل المقصود هو السكنى ، وهذا ظاهر للفطن المتدبر في المقام

( قوله والسفل المجرد ستة وستون وثلثان لأنه ضعف العلو فيجعل بمقابلة مثله ) قال بعض الفضلاء : قوله والسفل المجرد إلى آخره مستدرك لا حاجة إليه كما لا يخفى انتهى أقول : دعوى استدراكه بالكلية خروج عن دائرة الإنصاف ، فإن قوله فيما قبل لأن العلو مثل نصف السفل ليس ببيان كامل لقوله ويجعل بمقابلة مائة ذراع من السفل المجرد من البيت الكامل ستة وستون وثلثا ذراع ، وإنما يكمل البيان بقوله والسفل المجرد : أي سفل البيت الكامل ستة وستون وثلثان لأنه [ ص: 447 ] ضعف العلو فيجعل بمقابلة مثله : أي بمقابلة مثله من السفل المجرد الذي لا علو عليه أصلا نعم حق البيان أن يؤخر قوله فبلغت مائة ذراع كما ذكرنا على قوله فيجعل بمقابلة مثله تبصر تفهم




الخدمات العلمية