الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                            ص ( وجاز بسقائف لزحمة ، وإلا عاد ، ولم يرجع له ، ولا دم )

                                                                                                                            ش يعني أن من طاف في سقائف المسجد لزحام ، فإن طوافه جائز ، قال في المدونة : ، ومن طاف وراء زمزم أو سقائف المسجد من زحام الناس فلا بأس ، وإن طاف في سقائفه بغير زحام ونحوه أعاد الطواف ، وقال أشهب : لا يصح الطواف في السقائف ، ولو لزحام ، وهو كالطواف من خارج المسجد ، قال سحنون : ولا يمكن أن ينتهي الزحام إلى السقائف انتهى .

                                                                                                                            ( قلت : ) ، ولم نسمع قط أن الزحام انتهى إليها بل لا يجاوز الناس محل الطواف المعتاد ، والله أعلم .

                                                                                                                            وقوله : وإلا أعاده ، وإن طاف في السقائف لا لزحام بل لحر أو مطر أو نحو ذلك ، فإنه لا يجزئه ويعيد طوافه ما دام بمكة ، فإن رجع إلى بلده لم يرجع لأجل الطواف ، ولا دم عليه أما ما ذكره من عدم وجوب الدم فهو جائز على ما نقله ابن عبد السلام عن الباجي وتبعه في التوضيح ، والذي نقله ابن بشير وابن شاس وجوب الدم قال ابن بشير : ولا يطوف من وراء زمزم ، ولا من وراء السقائف ، فإن فعل مختارا أعاد ما دام بمكة ، فإن عاد إلى بلده فهل يجزئه الهدي أو يرجع للأشياخ قولان : أحدهما : الإجزاء ; لأنه قد طاف بالبيت ، الثاني : يرجع ; لأنه قد طاف في غير الموضع الذي شرع فيه الطواف انتهى .

                                                                                                                            وقال ابن شاس : ولا يطوف من وراء زمزم ، ولا من وراء السقائف ، فإن فعل مختارا أعاد ما دام بمكة ، فإن رجع إلى بلده فهل يجزئه الهدي أو يلزمه الرجوع ؟ قولان للمتأخرين انتهى .

                                                                                                                            ونقل كلامهما في التوضيح ، وقال ابن عرفة : وفيها لا بأس به من وراء زمزم لزحام ، وفي صحته في سقائف له أي : للزحام قولا ابن القاسم وأشهب ، ولا لزحام في عدم رجوعه له من بلده قولا الشيخ وابن شبلون وخرجهما الصقلي على قولي ابن القاسم وأشهب متمما قول الشيخ بالدم ، ونقل ابن عبد السلام تفسير الباجي بعدم الدم لم أجده انتهى .

                                                                                                                            وقال عبد الحق في تهذيبه : قال بعض شيوخنا من أهل بلدنا فيمن [ ص: 81 ] طاف في سقائف المسجد من غير زحام ورجع إلى بلده فيجزئه ، ولا دم في هذا ، وقد ذكرنا في كتاب النكت اختلاف أبي محمد وابن شبلون ، هل يرجع لذلك من بلده أو لا على ما ذكرت عنهما انتهى .

                                                                                                                            ولم يذكر في كتاب النكت عن أبي محمد سقوط الدم ، ولا وجوبه ، أما ابن يونس ، فإنه فسر كلام أبي محمد بأنه يجزئه مع الدم ، كما نقله عنه ابن عرفة ، وقال بمنزلة من طاف راكبا ، ونقل أبو الحسن كلام ابن يونس ، ونقل عن اللخمي أنه يجزئه ، وعليه دم ، ولم أقف على ذلك في كلام اللخمي بنفي ، ولا إثبات ، ونصه : ولا يطوف في الحجر ، ولا من وراء زمزم ، ولا في سقائف المسجد ثم قال : وإن طاف في سقائف المسجد من زحام أجزأه ، وإن فعل اختيارا أو فرارا من الشمس أعاد قال ابن القاسم في المجموعة : لا يجزئه إن كان فرارا من الشمس قال أشهب : وهو كالطائف من خارج المسجد ، وعلى قولهما : لا يجزئ الطائف من وراء زمزم ; لأنه يحول بينه وبين البيت ، كما حالت أسطوانات السقائف بينه وبين البيت انتهى .

                                                                                                                            فلم يتعرض لعدم الرجوع فضلا عن لزوم الدم إذا علم ذلك فما ذكره المصنف موافق لما ذكره عبد الحق في تهذيبه ولكن الظاهر وجوب الدم ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( تنبيهات الأول : ) لم يذكر المصنف حكم الطواف من وراء زمزم ، وجعل اللخمي حكمه حكم الطواف في السقائف ، وخرجه على قول ابن القاسم وأشهب في الطواف فيها ونصه : ولا يطاف في الحجر ، ولا من وراء زمزم ، ولا في سقائف المسجد ثم قال : فإن طاف في سقائف المسجد من زحام أجزأه ، وإن فعل اختيارا أو فرارا من الشمس أعاد قال ابن القاسم في المجموعة : لا يجزئه إن كان فرارا من الشمس قال أشهب : وهو كالطائف من خارج المسجد ، وعلى قولهما : لا يجوز الطواف من وراء زمزم ; لأنه يحول بينه وبين البيت ، كما حالت أسطوانات السقائف بينه وبين البيت انتهى .

                                                                                                                            ورده صاحب الطراز بأن زمزم في جهة واحدة فلا تؤثر كالمقام وحفر في المطاف ، ونصه : وخرج بعض المتأخرين الطواف من وراء زمزم على منع أشهب في السقائف ، والفرق أن زمزم في بعض الجهات عارض في طريق الطائفين فلا يؤثر في المقام ، وحفر في المطاف ; لأن زمزم في حيالته كأسطوانات السقائف ، وليس كذلك ، فإن زمزم في جهة مخصوصة كأنه عارض عرض في بعض طريق الطائفين فلا يؤثر كالمقام وكخشب الوقيد وكحفر في المطاف وشبه ذلك بخلاف الأسطوانات الدائرة بالسقائف ، فإنها كالحاجز الدائر الخارج عن سلك الطائفين انتهى .

                                                                                                                            ونقله القرافي باختصار ونصه ، قال سند : وخرج بعض المتأخرين المنع من وراء زمزم على منع أشهب في السقائف ، والفرق أن زمزم في بعض الجهات عارض في طريق الطائفين فلا يؤثر كالمقام أو حفر في المطاف انتهى .

                                                                                                                            وعزا في التوضيح الفرق المذكور للقرافي وتبع اللخمي في إلحاق زمزم بالسقائف ابن بشير وابن شاس واقتصرا على ما قاله ، وتقدم كلامهما ، وتبعهم على ذلك ابن الحاجب إلا أنه حكى في ذلك قولين ، وجعل الأشهر منهما اللحوق ، فقال : داخل المسجد لا من ورائه ، ولا من وراء زمزم وشبهه على الأشهر إلا من زحام انتهى .

                                                                                                                            ، وأنكره ابن عرفة انتهى .

                                                                                                                            فقال : وألحق اللخمي بها أي : بالسقائف ما وراء زمزم ورده سند بأن زمزم في جهة واحدة فقط فقول ابن الحاجب : من وراء زمزم وشبهه على الأشهر إلا من زحام لا أعرفه انتهى .

                                                                                                                            وسبقه إلى الإنكار المذكور المصنف في التوضيح ونصه في شرح قول ابن الحاجب المذكور ، قال ابن هارون : لا خلاف أنه إذا طاف خارج المسجد نفى الإجزاء ، وعلى هذا فقوله : على الأشهر عائد على زمزم وشبهه وشبه زمزم قبة الشراب ويحمل قوله : على الأشهر على ما إذا فعل ذلك لا على الابتداء ، وإن كان ظاهر كلامه ، وانظر كيف شهر المصنف عدم الإجزاء في زمزم وشبهه ، والخلاف فيه على [ ص: 82 ] ما نقل ابن شاس وغيره للمتأخرين ولكون ابن القاسم وأشهب لم يتكلما على زمزم خرجه اللخمي على قولهما في السقائف انتهى كلام التوضيح .

                                                                                                                            ( قلت : ) ما قاله اللخمي وخرجه على قول ابن القاسم وأشهب ، وقال به غير واحد من أئمة المذهب المتأخرين كابن بشير وابن شاس وتبعهم عليه ابن الحاجب من أن حكم زمزم حكم السقائف هو الظاهر ، والله أعلم .

                                                                                                                            وقوله في التوضيح : ويحمل قوله : على الأشهر على ما إذا فعل ذلك لا على الابتداء أشار به لقول ابن عبد السلام في شرحه لهذا المحل ، وظاهر كلام المؤلف يعني ابن الحاجب أن في جواز الطواف من وراء زمزم قولين مشهورين وأشهرهما عدم الجواز إلا من عذر ، والذي حكاه غيره ، وهو أقرب إلى التحقيق أن القولين إنما هما بعد الوقوع فقال ابن القاسم : يجزئ مع العذر ، وقال أشهب : لا يجزئ انتهى .

                                                                                                                            ( الثاني : ) فهم من احتجاج سند بجواز من وراء زمزم لكونها في جهة واحدة كالمقام أن الطواف من خلف المقام لا يؤثر ، وهو ظاهر ، وكذلك - والله أعلم - الطواف من خلف الأساطين التي في ناحية الطواف لا يؤثر فيما يظهر ، والله أعلم .

                                                                                                                            ( الثالث : ) تقدم في كلام التوضيح في شبه زمزم أنه كقبة الشراب ، والله أعلم .

                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                            الخدمات العلمية