الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
ولما فرغ من مسائل رجوع الشاهدين عن شهادتهما شرع يتكلم على تعارض البينتين فقال ( وإن ) ( أمكن جمع بين البينتين ) المتعارضتين ( جمع ) أي وجب الجمع بينهما مثاله من قال لرجل أسلمت إليك هذا الثوب في مائة إردب حنطة وقال الآخر بل هذين الثوبين في مائة إردب حنطة وأقام كل بينة فيقضى بالثلاثة الأثواب في مائتين كذا ذكروه وهو إنما يتم لو ادعى المسلم المائتين وإلا فكيف يقضى له بما لم يدعه ( وإلا ) يمكن الجمع بينهما ( رجح ) أي وجب على الحاكم أن يرجح بينهما ( بسبب ملك ) الباء سببية داخلة على مضاف مقدر أي يرجح بسبب ذكر سبب الملك فكل منهما شهدت بالملك لكن إحداهما ذكرت سبب الملك ( كنسج ونتاج ) بأن قالت إحداهما نشهد أنه ملك لزيد وقالت الأخرى نشهد أنه ملك لعمرو نسجه أو نتج عنده أو اصطاده فإنها تقدم على من أطلقت لأنها زادت بيان سبب الملك من نسج أو نتج ونحو ذلك ثم استثني من قوله بسبب ملك قوله ( إلا ) أن تشهد بينة ( بملك من المقاسم ) [ ص: 220 ] أي إلا أن يكون سبب الملك الذي بينته أنه اشتراها أو وقعت في سهمه من المقاسم فإذا أقام أحدهما بينة أنها ملكه ولدت عنده أو نتجت أو نحو ذلك وأقام الآخر بينة أنها ملكه اشتراها من المقاسم أو وقعت في سهمه منها فإن صاحب المقاسم أحق لاحتمال أنها سبيت من المسلمين واحترز بقوله من المقاسم عن شهادتهما أنه اشتراها من السوق أو وهبت له فلا تقدم على بينة الآخر لاحتمال أن الواهب أو البائع غير مالك ( أو ) بسبب ( تاريخ ) فتقدم على التي لم تؤرخ ( أو تقدمه ) أي التاريخ فتقدم الشاهدة بتقدمه على المتأخرة به ولو كانت أعدل من المتقدمة أو كان المتنازع فيه بيد صاحب المتأخرة تاريخا ( و ) رجح ( بمزيد عدالة ) في إحدى البينتين ويحلف مقيمها بناء على أن زيادتها كشاهد وهو الراجح ( لا ) بمزيد ( عدد ) في إحدى البينتين ولو كثر وينبغي ما لم يفد العلم إذ الظن لا يقاوي العلم

التالي السابق


( قوله على تعارض البينتين ) هو اشتمال كل منهما على ما ينافي الأخرى ( قوله وقال الآخر ) أي وهو المسلم إليه وقوله بل هذين الثوبين أي المغايرين للثوب الأول ( قوله وأقام كل بينة ) أي شهدت له بغير ما شهدت به بينة الآخر وقوله فإنه يقضى بالثلاثة الأثواب في مائتين أي ويحملان على أنهما سلمان شهدت كل بينة بواحد منهما وظاهر القضاء بالأثواب الثلاثة كانت البينتان بمجلسين أو بمجلس أما إذا كانتا بمجلسين فالقضاء بالثلاثة باتفاق وأما إذا اتحد المجلس ففيه خلاف فقال ابن عبدوس إذا اتحد المجلس كان ذلك تكاذبا وقال بعض القرويين إنه لا فرق بين المجلسين والمجلس الواحد لأن كل بينة أثبتت حكما غير ما أثبتته صاحبتها ولا قول لمن نفى ما أثبته غيره وقوله وأقام كل بينة أي فلو لم يقيما بينة تحالفا وتفاسخا .

( قوله وإلا فكيف إلخ ) قد يقال هذا أمر جر إليه الحال فكأنه من جملة ما ادعاه فهو ملحق بما ادعاه وتوضيحه أن البينتين لما كانتا معمولا صار المسلم كأنه ادعى المائتين وشهد له بهما بينة وبينة المسلم إليه وصار المسلم إليه كأنه ادعى الأثواب الثلاثة وشهدت له بينة وبينة المسلم .

( قوله أي يرجح بسبب ذكر سبب الملك ) هذا الحل تبع فيه الشارح ابن غازي قائلا بنحو هذا فسر ابن عبد السلام كلام ابن الحاجب وحله بهرام بحل آخر فقال وإلا يمكن الجمع رجحت إحدى البينتين على الأخرى بسبب كون الأخرى ذكرت سبب الملك فحاصله أنه إذا شهدت إحداهما بالملك فقط والأخرى بالسبب فقط قدمت الشاهدة بالملك على الشاهدة بالسبب وهذا وإن كان صحيحا في نفسه لأنه قول أشهب واقتصر عليه في التوضيح لكنه بعيد من كلام المصنف إذا المتبادر من كون الكلام في المرجحات أن يكون ذكر السبب مرجحا لا أنه مضعف وحاصل ما في المقام أنه إذا شهدت بينة أن فلانا صادها أو نسجها أو أنها نتجت عنده وشهدت بينة أخرى بالملك المطلق أي أنها ملك لفلان ولم تذكر سبب الملك فقال أشهب تقدم بينة الملك فقد يولد في يده ما هو لغيره وقد ينسج لغيره وقد يصيد ما هو مملوك لغيره وقال ابن القاسم تقدم بينة السبب ويحمل الأمر على أنها كانت له حتى يثبت كونها وديعة أو غصبا أو أنه كان ينسج له بالأجرة واقتصر في التوضيح على كلام أشهب وصوب واللخمي كلام ابن القاسم ونقل ابن عرفة تصويب اللخمي وأقره والشارح بهرام حمل المصنف على هذه الصورة ومشى على كلام أشهب تبعا للتوضيح .

( قوله لكن إحداهما ذكرت إلخ ) أي فهي شاهدة [ ص: 220 ] بالملك والسبب معا وقوله لكن إحداهما ذكرت سبب الملك أي والأخرى إنما شهدت بالملك المطلق وهذه المسألة غير المسألة التي وقع فيها الخلاف بين ابن القاسم وأشهب المتقدمة لأنها شهدت فيها إحدى البينتين بالملك فقط والأخرى شهدت بسببه فقط .

( قوله أي إلا أن يكون سبب الملك ) الأولى أي إلا أن يكون ما شهدت به بينة الملك أنه اشتراها إلخ وإلا قدمت على الشهادة بالملك وسببه كولادة عنده ونسج ولو كانت السلعة بيد من شهدت له البينة بالملك وسببه وهو الولادة والنسج قال في المدونة قال ابن القاسم في دابة ادعاها رجلان وليست بيد أحدهما فأقام أحدهما بينة أنه اشتراها من المغانم والآخر بينة أنها نتجت عنده هي لمن اشتراها من المغانم بخلاف من اشتراها من أسواق المسلمين لأن هذه تغصب وتسرق ولا تحاز على المالك إلا بأمر يثبت وأمر المغانم قد استقر أنها خرجت عن ملكه بحيازة المشركين ولو وجدت في يده من نتجت عنده فأقام هذا بينة أنه اشتراها من المغانم أخذها أيضا وكان الأولى بها إلا أن يشاء أن يدفع إليه ما اشتراها به ويأخذها وقال سحنون انظر المواق .

( قوله لاحتمال أنها سبيت من المسلمين ) أي فزال ملك صاحبها عنها بناء على أن دار الحرب تملك ( قوله أو بسبب تاريخ ) أي ذكرته بينته فتقدم على التي لم تذكر تاريخا ابن الحاجب وفي مجرد التاريخ قولان قال في التوضيح والقول بتقديم المؤرخة لأشهب والقول بعدم تقديمها ذكره اللخمي والمازري ولم يعزوه ا هـ بن .

( قوله أو تقدمه ) لا يقال كان الأولى تقديم حديثة التاريخ لأنها ناقلة لأنا نقول شرط الترجيح بالنقل أو تكون شهادته مشتملة على ذكر سبب النقل وهنا إنما شهدتا بالملك غير أن إحداهما قالت ملكه منذ عامين والأخرى قالت ملكه منذ عام واحد فالأصل الاستصحاب ا هـ بن ( قوله أو كان المتنازع فيه ) هذا داخل في حيز المبالغة أي هذا إذا كان المتنازع فيه بيدهما أو بيد غيرهما أو بيد المتقدمة تاريخا بل ولو كان بيد المتأخرة وهذا التعميم نقله والد ابن عاصم عن اللخمي في المتقدمة تاريخا كما في بن ولعل المؤرخة كذلك ( قوله وبمزيد عدالة ) أي في البينة الأصلية لا في المزكية واعلم أن الترجيح بزيادة العدالة خاص بالأموال ونحوهما من كل ما يثبت بالشاهد واليمين دون غيرهما مما لا يثبت إلا بعدلين كالعتق والنكاح والطلاق والحدود فلا يقع الترجيح في شيء من ذلك بمزيد العدالة لأن زيادة العدالة بمنزلة الشاهد الواحد على المشهور وهو مذهب المدونة وعليه مشى المصنف في باب النكاح حيث قال وأعدلية إحدى بينتين متناقضتين ملغاة ولو صدقتها المرأة وقيل إنه يرجح بمزيد من العدالة في غير الأموال أيضا وهو الموافق لما في سماع يحيى بناء على أن زيادة العدالة بمنزلة شاهدين ا هـ .

بن وفي تبصرة ابن فرحون نقلا عن القرافي أن مذهب المالكية أنه لا يحكم بترجيح إحدى البينتين عند التعارض بمرجح من المرجحات إلا في الأموال خاصة انظر بن فعلم من ذلك أن الترجيح بغير زيادة العدالة خاص بالأموال والمراد بها كل ما يثبت بشاهد ويمين وأما زيادة العدالة ففيها قولان ( قوله ويحلف مقيمها إلخ ) وفي الموازية لا يمين عليه بناء على أن زيادة العدالة كشاهدين .

( قوله لا بمزيد عدد ) ما ذكره من أنه لا ترجيح لإحدى البينتين على الأخرى بمزيد عددها هو قول ابن القاسم وهو المشهور وقيل إنه يرجح بزيادة العدد كزيادة العدالة وفرق للمشهور بين زيادة العدد والعدالة بأن القصد من القضاء قطع النزاع ومزيد العدالة أقوى في التعذر من زيادة العدد إذ كل واحد من الخصمين يمكنه زيادة عدد الشهود بخلاف العدالة ( قوله إذ الظن ) أي الحاصل بشهادة الاثنين




الخدمات العلمية