الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
معلومات الكتاب

حاشية الدسوقي على الشرح الكبير

الدسوقي - محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي

صفحة جزء
وذكر الركن الثالث بقوله ( بلفظ ) يدل ( أو إشارة مفهمة ) [ ص: 424 ] ولو من قادر على النطق ( وقبول ) الموصى له البالغ الرشيد ( المعين ) أي الذي عينه الموصي كفلان ( شرط ) في وجوبها وتنفيذها ( بعد الموت ) متعلق بقبول واحترز به عما لو قبل موت الموصي فلا يفيده إذ للموصي أن يرجع في وصيته ما دام حيا ; لأن عقد الوصية غير لازم حتى لو رد الموصى له قبل موت الموصي فله القبول بعده وتجب له ولو مات المعين قبل قبوله فوارثه يقوم مقامه كما يقوم مقام غير الرشيد وليه واحترز بالمعين من غيره كالفقراء فلا يشترط قبوله لتعذره وإذا قبل بعد الموت وقد تأخر القبول عن الموت ( فالملك له ) أي للموصي له ( بالموت ) لأن بقبوله تبين أنه ملكها من حين الموت فإذا كان الموصى به شجرا أثمر بعد الموت أو غنما نبت عليها صوف بعده وقبل القبول ، وكذا سائر الغلات تكون للموصى له بخلاف ما حدث من الغلات قبل الموت فإنه من جملة مال الموصي فيقوم من جملة ماله للنظر في ثلثه لكن مقتضى قوله فالملك له بالموت ينافي مقتضى قوله ( وقوم ) الموصى به ( بغلة حصلت ) أي حدثت ( بعده ) أي بعد الموت وقبل القبول ويكون له ما حمله الثلث من ذلك ولا يختص الموصى له بذلك فإذا أوصى له بحائط يساوي ألفا وهو ثلث الموصي لكن زاد لأجل ثمرته بعد الموت مائتين فإنه لا يكون للموصى له بعد الموت [ ص: 425 ] إلا خمسة أسداس الحائط ووجهه أن الغلة لما حدثت بعد الموت للموصى له بناء على المشهور الذي هو أعدل الأقوال عند سحنون وقال الشارح بل له على هذا القول خمسة أسداس الحائط ومقدار ثلث المائتين الحاصلتين من الغلة انتهى وأجيب عن المنافاة في المصنف بما لا يخلو عن نظر والأحسن ما قاله بعضهم أنه مشى أولا على قول وثانيا على المذهب وقولهم يكون له خمسة أسداس الحائط قال بعضهم المراد به الأصول بتمامها ; لأنها خمسة أسداس بالنسبة لمجموعها مع الثمرة لا خمسة أسداس منها كما هو المتبادر من العبارة للاتفاق على أن الموصى له يأخذ الموصى به بتمامه متى حمله الثلث والنزاع إنما هو في الثمرة ، وعليه فلا وجه لقول الشارح ومقدار ثلث المائتين ; لأن النزاع في الثمرة هل هي للموصى له كما هو مقتضى أن الملك له بالموت أو هي للورثة كما هو مقتضى القول بالتقويم بغلة حصلت فتدبر .

التالي السابق


( قوله بلفظ يدل ) أي يدل عليها صراحة ك أوصيت أو كان غير صريح في الدلالة عليها لكنه يفهم منه إرادة الوصية بالقرينة ك أعطوا الشيء الفلاني لفلان بعد موتي وقوله إشارة مفهمة دخلت الكتابة بالطريق الأولى فاندفع قول بعضهم بقي على [ ص: 424 ] المصنف الكتابة فكان عليه أن يذكرها .

( قوله ولو من قادر على النطق ) أي خلافا لابن شعبان .

( قوله وقبول المعين ) أي لغير عتقه وأما العتق فلا يحتاج لقبول .

( قوله قبل موت الموصي ) أي ولم يستمر على القبول بعده .

( قوله حتى لو رد الموصى له قبل موت الموصي ) أي ولو كان رده لها حياء من الموصي كما يقع كثيرا وأما إن ردها بعد موت الموصي فليس بعد ذلك .

( قوله ولو مات المعين قبل قبوله ) صادق بما إذا كان موته قبل موت الموصي أو بعد موته . ( قوله فوارثه يقوم مقامه ) أي في القبول سواء مات المعين قبل علمه بالوصية أو بعد علمه بها ، اللهم إلا أن يريد الموصي الموصى له بعينه فليس لوارثه القبول .

( قوله كما يقوم مقام غير الرشيد ) أي في القبول وليه فهو الذي يقبل له ولا عبرة بقبوله هو خلافا لظاهره فالقبول هنا مخالف للحوز في الوقف والهبة إذ يكفي حوز الصغير والسفيه كما مر .

( قوله فالملك له بالموت ) الفاء واقعة في جواب شرط مقدر كما أشار لذلك الشارح وقيل إن الملك له بالقبول ولما ذكر ابن شاس هذا الخلاف قال ويتخرج عليه أحكام الملك كصدقة الفطر إذا وجبت بعد الموت وقبل القبول وكما إذا أوصى له بزوجته الأمة ومات فأولدها ثم علم فقبل هل تصير أم ولد أو لا وكالنفقة على الوصية إذا كانت حيوانا في المدة التي بين الموت والقبول إذا تأخر عنه انظر بن فعلى الأول تجب زكاة الفطر في المسألة الأولى وتصير الزوجة أم ولد في الثانية وتجب النفقة على الموصى له بالحيوان في الثالثة وعلى الثاني لا تجب زكاة الفطر ولا تصير أم ولد ولا تجب النفقة على الحيوان .

( قوله وكذا سائر الغلات ) أي الحادثة بعد الموت وقبل القبول . ( قوله تكون للموصى له ) أي بناء على أن الملك بالموت أما على أن الملك بالقبول فالغلة الحادثة بعد الموت وقبل القبول كالحادثة قبل الموت في كونها من جملة مال الموصي .

( قوله ينافي مقتضى قوله إلخ ) وجه المنافاة أن مقتضى كون الملك له بالموت أن الغلة الحادثة بعد الموت كلها للموصى له ومقتضى قوله وقوم بغلة إلخ أنه ليس للموصى له من الغلة الحادثة بعد الموت إلا محمل الثلث منها .

( قوله وقوم بغلة حصلت ) أي قوم حالة كونه ملتبسا بغلة حصلت . ( قوله فإذا أوصى له بحائط إلخ ) هذا الكلام يتوقف فهمه على تقديم مقدمة وحاصلها أن غلة الموصى به الحادثة بعد الموت وقبل القبول قيل كلها للموصى له وقيل كلها للموصي وقيل له ثلثها فقط وهو المشار له بقول المصنف وقوم بغلة إلخ وسبب هذا الخلاف الواقع في الغلة المذكورة الخلاف في أن المعتبر في تنفيذ الوصية هل هو وقت قبول المعين لها إذ مقتضى كون قبول المعين بعد الموت شرطا في تنفيذ الوصية أن يكون المعتبر في تنفيذها وقت القبول فإذا تأخر القبول حتى حديث الغلة بعد الموت فلا يكون شيء منها للموصى له بل كلها للموصي ، أو المعتبر في تنفيذها وقت الموت ; لأن الملك للموصى له بالموت ومقتضى كون الملك له بالموت أن الغلة المذكورة كلها للموصى له أو المعتبر في تنفيذها الأمران معا وهما وقت القبول ووقت الموت لكون القبول شرطا في تنفيذها والملك بالموت أقوال ثلاثة فمن اعتبر في تنفيذها وقت قبول المعين لها فقط قال الغلة كلها للموصي ومن اعتبر في تنفيذها وقت الموت فقط قال كلها للموصى له ومن راعى الأمرين معا أعطى للموصى له منها ثلثها ومراعاة الأمرين معا هو المشهور وأعدل الأقوال عند سحنون وهو معنى قول المج العبرة بيوم النفوذ فالغلة قبله بعد الموت تركة تسري الوصية لثلثها ، إذا علمت هذا فقول الشارح فلا يكون للموصى له إلا خمسة أسداس الحائط المراد بالخمسة الأسداس الأصول بتمامها لا خمسة أسداس منها كما هو المتبادر منه وهذا القول أي أخذ الموصى له الأصول فقط مبني على أن المراعى في الوصية وقت قبول المعين فقط فقول الشارح بناء على المشهور إلخ فيه نظر لما علمت أن المشهور مراعتهما والمراد بالأقوال الأقوال الثلاثة المتقدمة المبني عليها الخلاف في الغلة الحادثة بعد [ ص: 425 ] الموت وقبل القبول وقوله بل له على هذا القول أي القول المشهور الذي هو أعدل الأقوال القائل بمراعاة الأمرين وقت القبول ووقت الموت وأما على القول بمراعاة يوم الموت فقط فيكون الحائط كله بغلته للموصى له .

( قوله إلا خمسة أسداس الحائط ) أي فقط لا مع الغلة ; لأنه الذي حمله الثلث ; لأن الثلث إنما حمل ألفا .

( قوله بناء على المشهور ) مرتبط بقوله لم يكن للموصى له إلا خمسة أسداس أي لم يكن له إلا ذلك بناء على المشهور وقد علمت ما في هذا الكلام من النظر ; لأن القول بأنه لا يأخذ إلا خمسة أسداس الحائط ولا يأخذ شيئا من الغلة مبني على القول باعتبار وقت القبول فقط وقد علمت أنه خلاف المشهور . ( قوله ومقدار ثلث لمائتين ) أي وهو ستة وستون واحدا وثلثا واحد إن قلت إن الغلة لم تكن معلومة للميت والوصية إنما تكون فيما علم كما يأتي وأجيب بأن الغلة لما كانت كامنة في الأصول فكأنها معلومة عادة فإذا لم يعط الموصى له ثلثها لزم نقصه من ثلث الميت يوم التنفيذ . ( قوله على قول ) أي وهو أن العبرة بيوم الموت وقوله على المذهب أي من اعتبار يوم القبول والموت معا .

( قوله المراد به ) أي بقولهم المذكور الأصول بتمامها أي جميع أصول الحائط التي هي الأشجار بتمامها وقوله لا خمسة أسداس منها أي من الأصول .

( قوله بالنسبة لمجموعها مع الثمرة ) وذلك ; لأن الجملة ألف ومائتان لا لغلة والألف خمسة أسداس الجميع .

( قوله أو هي للورثة كما هو مقتضى القول بالتقويم بغلة حصلت ) فيه أن مقتضى التقويم بغلة حصلت أن يكون ثلث الغلة للموصى له وثلثاها للورثة لا أنها كلها للورثة وحينئذ فكلام بهرام وجيه واعتراض الشارح ساقط




الخدمات العلمية