الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
قال ( وإذا شهد الرجلان أن أباهما أوصى إلى فلان والوصي يدعي ذلك فهو جائز استحسانا ، وإن أنكر الوصي لم يجز ) وفي [ ص: 424 ] القياس : لا يجوز إن ادعى ، وعلى هذا إذا شهد الموصي لهما بذلك أو غريمان لهما على الميت أو للميت عليهما دين أو شهد الوصيان أنه أوصى إلى هذا الرجل معهما . وجه القياس أنها شهادة للشاهد لعود المنفعة إليه . وجه الاستحسان أن للقاضي ولاية نصب الوصي إذا كان طالبا والموت معروف ، فيكفي القاضي بهذه الشهادة مؤنة التعيين لا أن يثبت بها شيء فصار كالقرعة والوصيان إذا أقرا أن معهما ثالثا يملك القاضي نصب ثالث معهما لعجزهما عن التصرف باعترافهما ، بخلاف ما إذا أنكرا ولم يعرف الموت لأنه ليس له ولاية نصب الوصي فتكون الشهادة هي الموجبة ، وفي الغريمين للميت عليهما دين تقبل الشهادة وإن لم يكن الموت معروفا لأنهما يقران على أنفسهما فيثبت الموت باعترافهما في حقهما [ ص: 425 ] ( وإن شهدا أن أباهما الغائب وكله بقبض ديونه بالكوفة فادعى الوكيل أو أنكره لا تقبل شهادتهما ) لأن القاضي لا يملك نصب الوكيل عن الغائب ، فلو ثبت إنما يثبت بشهادتهما وهي غير موجبة لمكان التهمة .

التالي السابق


( قوله وإذا شهد الرجلان ) صورتها : رجل ادعى أنه وصي فلان [ ص: 424 ] الميت فشهد بذلك اثنان موصى لهما بمال أو وارثان لذلك الميت أو غريمان لهما على الميت دين أو للميت عليهما دين أو وصيان فالشهادة جائزة استحسانا .

والقياس أن لا تجوز ، لأن شهادة هؤلاء تتضمن جلب نفع للشاهد . أما الوارثان لقصدهما نصب من يتصرف لهما ويريحهما ويقوم بإحياء حقوقهما والغريمان الدائنان والموصى لهما لوجود من يستوفيان منه والمديونان لوجود من يبرءان بالدفع إليه والوصيان لوجود من يعينهما في التصرف في المال والمطالبة وكل شهادة جرت نفعا لا تقبل .

وجه الاستحسان أنا لم نوجب بهذه الشهادة على القاضي شيئا لم يكن واجبا عليه ، بل إنما اعتبرناها على وزان القرعة لا يثبت بها شيء . ويجوز استعمالها لفائدة غير الإثبات كما جاز استعمالها لتطييب القلب في السفر بإحدى نسائه ولدفع التهمة عن القاضي في تعيين الأنصباء ، فكذا هذه الشهادة في هذه الصور لم تثبت شيئا ، وإنما اعتبرناها لفائدة إسقاط تعيين الوصي عن القاضي ، فإن للقاضي إذا ثبت الموت ولا وصي أن ينصب الوصي ، وكذا إذا كان الميت وصى وادعى العجز وهذه الصور من ذلك فإن الشهادة لم تثبت شيئا وثبت الموت فللقاضي أو عليه أن ينصب وصيا ، فلما شهد هؤلاء بوصاية هذا الرجل فقد رضوه واعترفوا له بالأهلية الصالحة لذلك ، فكفى القاضي بذلك مؤنة التفتيش على الصالح ، وعين هذا الرجل بتلك الولاية لا بولاية أوجبتها الشهادة المذكورة وكذلك وصيا الميت لما شهدا بالثالث فقد اعترفا بعجز شرعي منهما عن التصرف إلا أن يكون هو معها ، أو بعجز علمه الميت منهما حتى أدخله معهما في فينصب القاضي الآخر ، [ ص: 425 ] وفي الصور كلها ثبوت الموت شرط لأن القاضي لا يملك نصب وصي قبل الموت إلا في شهادة الغريمين المديونين فإنه لا يشترط في إثبات الوصي الذي شهدا له ثبوت الموت لأنهما مقران على أنفسهما بثبوت حق قبض الدين لهذا الرجل فضررهما في ذلك أكبر من نفعهما فتقبل شهادتها بالوصية والموت جميعا ، وهذا بخلاف ما لو شهدا أن أباهما الغائب وكل هذا الرجل بقبض دينه وهو يدعي الوكالة لا تقبل لأنه ليس للقاضي ولاية نصب الوكيل عن الغائب ، فلو أثبت القاضي وكالته لكان مثبتا لها بهذه الشهادة وهي لا تقبل لتمكن التهمة فيها على ما عرف وإذا تحققت ما ذكر ظهر أن عدم قبول هذه الشهادة ثابت قياسا واستحسانا إذ ظهر أنه لم يثبت بها شيء وإنما ثبت عندهما نصب القاضي وصيا اختاروه ، وليس هنا موضع غير هذا يصرف إليه القياس والاستحسان ، ولو اعتبرا في نفس إيصاء القاضي إليه فالقياس لا يأباه فلا وجه لجعل المشايخ فيها قياسا واستحسانا .

والمنقول عن أصحاب المذهب في الجامع الصغير ليس إلا محمد عن يعقوب عن أبي حنيفة رحمهم الله في شاهدين شهدا لرجل أن أباهما أوصى إليه قال : جائز إن ادعى ذلك ، وإن أنكر لم يجز ، وإن شهدا أن أباهما وكله بقبض ديونه بالكوفة كان باطلا في ذلك كله لأن القاضي لا يقدر على نصب وكيل عن الغائب ، فلو نصبه كان عن هذه الشهادة وهي ليست بموجبة .



[ فروع ] إذا شهد المودعان بكون الوديعة ملكا لمودعهما تقبل ، ولو شهدا على إقرار مدعيها أنها ملك المودع لا تقبل إلا إذا كانا ردا الوديعة على المودع



ولو شهد المرتهنان بالرهن لمدعيه قبلت ، ولو شهدا بذلك بعد هلاك الرهن لا تقبل ويضمنان قيمته للمدعي لإقرارهما بالغصب ، ولو شهدا على إقرار المدعي بكون الرهن ملك الراهن لا تقبل ، وإن كان الرهن هالكا إلا إذا شهد بعد رد الرهن ، وإذا أنكر المرتهنان فشهد الراهنان بذلك لا تقبل وضمنا قيمته للمدعي لما ذكرنا



ولو شهد الغاصبان بالملك للمدعي لا تقبل إلا إذا كان بعد رد المغصوب ، ولو هلك في يدهما ثم شهدا للمدعي لا تقبل



ولو شهد المستقرضان بأن الملك في المستقرض للمدعي لا تقبل لا قبل الدفع ولا بعده ، ولو رد عينه ، وعن أبي يوسف تقبل بعد رد العين لعدم الملك قبل استهلاكه عنده حتى كان أسوة الغرماء إذا شهد المشتريان شراء فاسدا بأن المشترى ملك للمدعي بعد القبض لا تقبل وكذا لو نقض القاضي العقد أو تراضوا على نقضه هذا إذا كان في يدهما ، فلو راده على البائع ثم شهدا قبلت .



ولو شهد المشتري بما اشترى لإنسان ولو بعد التقايل أو الرد بالعيب بلا قضاء لا تقبل ، كالبائع إذا شهد بكون المبيع ملكا للمدعي بعد البيع ، ولو كان الرد بطريق هو فسخ قبلت .



وشهادة الغريمين بأن الدين الذي عليهما لهذا المدعي لا تقبل وإن قضيا الدين



وشهادة المستأجر بكون الدار للمدعي إن قال المدعي أن الإجارة كانت بأمري لا تقبل ، ولو قال كانت بغير أمري تقبل ،



وشهادة ساكن الدار بغير إجارة للمدعي أو عليه تقبل خلافا لمحمد فيما عليه بناء على تجويز غصب العقار وعدمه .



ولو شهد عبدان بعد العتق عند اختلاف المتعاقدين أن الثمن كذا لا تقبل . وفي العيون : أعتقهما بعد الشراء ثم شهدا على البائع أنه استوفى الثمن من المشتري عند جحوده تجوز إجماعا ،



ولو وكله بالخصومة في ألف قبل فلان فخاصم عند غير القاضي ثم عزله الموكل قبل الخصومة عند القاضي فشهد بهذه الألف لموكله جازت ، خلافا لأبي يوسف فإنه يجعله بمجرد الوكالة قام مقام الموكل ، ولو كان خاصم عند القاضي والباقي بحاله لم تجز ، ولو خاصم في الألف [ ص: 426 ] عند القاضي والوكالة بكل حق قبل فلان فعزله فشهد لموكله بمائة دينار ، إن كان التوكيل عند القاضي قبلت ، وإن كان خارجا عنه فاحتاج إلى إثبات الوكالة عند القاضي بالإشهاد لا تقبل لأن الوكالة لما اتصل بها القضاء صار الوكيل خصما في جميع ما على هذا الرجل فشهادته شهادة الخصم ، بخلاف الأول لأن القاضي علم بالوكالة وعلمه ليس قضاء فلا يصير خصما فتقبل في غير ما صار فيه خصما ، هذا كله في الوكالة الخاصة وهي التوكيل بالخصومة والطلب لم على رجل معين . وحكمها أن لا يتناول الحادث بعد التوكيل ، أما العامة وهي أن يوكله بطلب كل حق له قبل جميع الناس أو أهل مصر فيتناول الحادث بعد التوكيل وفيها لا تقبل شهادته لموكله بشيء على أحد بعد العزل إلا على ما وجب بعد العزل .



شهد ابنا الموكل أن أباهما وكل هذا بقبض ديونه لا تقبل إذا جحد المطلوب الوكالة وكذا في الوكالة بالخصومة وشهادة ابني الوكيل على الوكالة لا تقبل ، وكذا شهادة أبويه وأجداده وأحفاده .



وشهادة الوصي للميت بعدما أخرجه القاضي عن الوصاية لا تقبل ولو بعدما أدركت الورثة سواء خاصم فيه أو لا ،



ولو شهد لكبير على أجنبي تقبل في ظاهر الرواية ، ولو لكبير وصغير معا في غير الميراث لا تقبل .



ولو شهد الوصيان على إقرار الميت بشيء معين دار أو غيرها لوارث بالغ تقبل ، والله أعلم .




الخدمات العلمية