الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1245 65 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا سفيان ، قال : حدثنا الزهري ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا رأيتم الجنازة فقوموا حتى تخلفكم . قال سفيان : قال الزهري : قال : أخبرني سالم عن أبيه قال : أخبرنا عامر بن ربيعة عن النبي صلى الله عليه وسلم . زاد الحميدي حتى تخلفكم أو توضع .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول علي بن عبد الله المعروف بابن المديني . الثاني سفيان بن عيينة . الثالث محمد بن مسلم الزهري . الرابع سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . الخامس أبوه عبد الله بن عمر . السادس عامر بن ربيعة بفتح الراء وكسر الباء الموحدة صاحب الهجرتين ، مر في كتاب تقصير الصلاة . السابع الحميدي بضم الحاء وفتح الميم ، واسمه عبد الله بن الزبير القرشي .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، والإخبار بصيغة الجمع في موضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه القول في ثلاثة مواضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن سفيان والحميدي مكيان والزهري وسالم مدنيان ، وفيه أن الحميدي أيضا من أفراده ، وفيه رواية تابعي عن تابعي ، ورواية صحابي عن صحابي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم عن ابن أبي شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب وابن نمير جميعهم عن سفيان إلى آخره ، وعن قتيبة وعن محمد بن رمح كلاهما عن ليث ، وعن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب وعن أبي كامل الجحدري ، عن حماد بن زيد ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، عن ابن علية ، وعن أبي موسى عن ابن أبي عدي ، وعن محمد بن رافع عن عبد الرزاق . وأخرجه أبو داود عن مسدد عن سفيان ، وأخرجه الترمذي عن قتيبة عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عامر بن ربيعة ، وعن قتيبة عن الليث ، عن ابن شهاب ، عن سالم بن عبد الله ، عن أبيه ، عن عامر بن ربيعة . وأخرجه النسائي عن قتيبة ، عن الليث ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن عامر بن ربيعة . وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن رمح ، عن الليث بن سعد ، عن نافع إلى آخره . وأخرجه الطحاوي أيضا من خمس طرق صحاح .

                                                                                                                                                                                  [ ص: 107 ] ( ذكر معناه ) . قوله : " حتى تخلفكم " بضم التاء وتشديد اللام أي : تتجاوزكم وتجعلكم خلفها ، وليس المراد التخصيص بكون الجنازة تتقدم ، بل المراد مفارقتها سواء تخلف القائم لها وراءها أو خلفها القائم وراءه وتقدم ، وهو من قولك : خلفت فلانا ورائي فتخلف عني أي : تأخر وهو بتشديد اللام ، وأما خلفت بتخفيف اللام فمعناه صرت خليفة عنه تقول : خلفت الرجل في أهله إذا أقمت بعده فيهم وقمت عنه بما كان يفعله وخلف الله لك بخير وأخلف عليك خيرا أي : أبدلك بما ذهب منك وعوضك عنه . والخلف بتحريك اللام والسكون كل من يجيء بعد من مضى إلا أن بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر يقال : خلف صدق وخلف سوء قال الله تعالى : فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ثم إسناد التخليف إلى الجنازة على سبيل المجاز ; لأن المراد حاملها . قوله : " زاد الحميدي " يعني عن سفيان بهذا الإسناد ، وقد رواه الحميدي موصولا في مسنده . قوله : " أو توضع " هذا روي بألفاظ مختلفة ففي رواية البخاري " حتى تخلفكم أو توضع " أي : أو توضع الجنازة من أعناق الرجال على الأرض . وفي رواية النسائي " حتى تخلفه أو توضع " وفي رواية للبخاري " حتى تخلفكم " فقط وفي رواية الطحاوي " حتى توضع أو تخلفكم " وقال عياض : وفي لفظ " حتى تخلف أو توضع " ثم هل المراد بالوضع الوضع على الأرض أو وضعها في اللحد اختلفت فيه الروايات ، فقال أبو داود في سننه عقيب حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأيتم الجنازة فقوموا ، فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع " روى هذا الحديث الثوري عن سهل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال فيه : " حتى توضع بالأرض " ورواه أبو معاوية عن سهيل قال : " حتى توضع في اللحد " . قال أبو داود : وسفيان أحفظ من أبي معاوية .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستنبط منه ) احتج بهذا الحديث وأمثاله من حديث عثمان أخرجه الطحاوي من حديث أبان بن عثمان أنه مرت به جنازة ، فقام لها وقال : إن عثمان مرت به جنازة فقام لها وقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة فقام لها ، ورواه أحمد والبزار أيضا . ومن حديث أبي سعيد المذكور آنفا ، ومن حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا صلى أحدكم على جنازة ولم يمش معها فليقم حتى تغيب عنه ، فإن مشى معها فلا يقعد حتى توضع " أخرجه الطحاوي .

                                                                                                                                                                                  وروى ابن ماجه من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : " مر على النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة فقام وقال : قوموا فإن للموت فزعا " . ومن حديث يزيد بن ثابت " أنهم كانوا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلعت جنازة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام من معه ، فلم يزالوا قياما حتى بعدت " رواه النسائي . ومن حديث عبد الله بن سخبرة أن أبا موسى أخبرهم " أن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم إذا مرت به جنازة قام حتى تجاوزه " . رواه ابن أبي شيبة وقوم على أن الجنازة إذا مرت بأحد يقوم لها ، وهم المسور بن مخرمة وقتادة ومحمد بن سيرين والشعبي والنخعي وإسحاق بن إبراهيم وعمرو بن ميمون ، وقال أبو عمر في التمهيد : جاءت آثار صحاح ثابتة توجب القيام للجنازة وقال بها جماعة من السلف والخلف ، ورأوها غير منسوخة وقالوا : لا يجلس من اتبع الجنازة حتى توضع عن أعناق الرجال ، منهم إسحاق والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عمر وابن الزبير وأبو سعيد الخدري وأبو موسى الأشعري ، وذهب إلى ذلك الأوزاعي وأحمد وإسحاق ، وبه قال محمد بن الحسن .

                                                                                                                                                                                  وقال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : ليس على من مرت به جنازة أن يقوم لها ، ولمن تبعها أن يجلس وإن لم توضع . قلت : أراد بالآخرين عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة والأسود ونافعا وابن جبير وأبا حنيفة ومالكا والشافعي وأبا يوسف ومحمدا ، وهو قول عطاء بن أبي رباح ومجاهد وأبي إسحاق ، ويروى ذلك عن علي بن أبي طالب وابنه الحسن وابن عباس وأبي هريرة ، قاله الحازمي وقال عياض : ومنهم من ذهب إلى التوسعة والتخيير وليس بشيء ، وهو قول أحمد وإسحاق وابن حبيب وابن الماجشون من المالكية .

                                                                                                                                                                                  وذهبوا إلى أن الأمر بالقيام منسوخ وتمسكوا في ذلك بأحاديث منها ما أخرجه مسلم في صحيحه ، عن علي رضي الله تعالى عنه " أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقوم في الجنازة ثم جلس بعد " وعند ابن حبان في صحيحه " كان يأمرنا بالقيام في الجنائز ثم جلس بعد ذلك وأمر بالجلوس " قال الحازمي : قال أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن : حدثنا أبو بكر الطبري ، حدثنا يحيى بن محمد البصري ، حدثنا أبو حذيفة ، عن سفيان ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن أبي معمر قال : مرت بنا جنازة فقمت فقال : على من أفتاك هذا ؟ قلت : أبو موسى الأشعري فقال : على ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة ، [ ص: 108 ] فلما نسخ ذلك ونهى عنه " . انتهى .

                                                                                                                                                                                  ثم اختلفوا في الأمر المذكور في الحديث فقيل للوجوب : وإن القيام للجنازة إذا مرت واجب ، وقيل : للندب والاستحباب وإليه ذهب ابن حزم ، وقيل : كان واجبا ثم نسخ على ما ذكرنا ، واختار النووي على أنه للاستحباب ، وإليه ذهب المتولي من الشافعية وقال النووي : والحديث ليس بمنسوخ ولا تصح دعوى النسخ في مثل هذا ; لأن النسخ إنما يكون إذا تعذر الجمع بين الأحاديث ولم يتعذر . قلت : ورد التصريح بالنسخ في حديث علي رضي الله تعالى عنه المذكور ، وتكلم الشافعي رضي الله تعالى عنه على حديث عامر بن ربيعة باحتمالات حكاه عنه البيهقي والحازمي فقال : وهذا لا يعدو أن يكون منسوخا وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قام لها لعلة ، وقد رواها بعض المحدثين أنها كانت جنازة يهودي فقام لها كراهة أن تطوله . قال : وأيهما كان فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تركه بعد فعله قال : والحجة في ذلك في الآخر من أمره إن كان الأول واجبا فالآخر من أمره ناسخ ، وإن كان الأول استحبابا فالآخر من أمره هو الاستحباب وإن كان مباحا فلا بأس بالقيام والقعود .

                                                                                                                                                                                  قال : والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعله ثم الأمر بالقيام للجنازة في حديث الباب وغيره عام في جنازة المسلم وغيره من أهل الكتاب ، وقد ورد في حديث أبي موسى الأشعري التصريح بذلك فيما رواه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند والطحاوي من رواية ليث ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا مرت بكم جنازة فإن كان مسلما أو يهوديا أو نصرانيا فقوموا لها ; فإنه ليس يقوم لها ولكن يقوم لمن معها من الملائكة " .

                                                                                                                                                                                  وقال شيخنا زين الدين رحمه الله في حديث أبي موسى هذا : التخصيص بجنازة المسلم وأهل الكتاب ، والعلة المذكورة فيه تقتضي عدم تخصيصه بهم بل بجميع بني آدم وإن كانوا كفارا غير أهل كتاب ; لأن الملائكة مع كل نفس .

                                                                                                                                                                                  واختلفت الأحاديث في تعليل القيام بجنازة اليهودي أو اليهودية ، ففي حديث جابر التعليل بقوله : " إن الموت فزع " وحديث جابر أخرجه البخاري على ما يأتي ، وأخرجه مسلم والنسائي أيضا . وفي حديث سهل بن حنيف وقيس التعليل بكونها نفسا ، وحديثهما أخرجه البخاري ومسلم والنسائي على ما يأتي . وفي حديث أنس " إنما قمنا للملائكة " أخرجه النسائي من رواية حماد بن سلمة ، عن قتادة " عن أنس أن جنازة مرت برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فقيل : إنها جنازة يهودي فقال : إنما قمنا للملائكة " ورجاله رجال الصحيح . وفي حديث عبد الله بن عمرو " إنما يقومون إعظاما للذي يقبض الأرواح " أخرجه ابن حبان في صحيحه من رواية ربيعة بن سيف المغافري ، عن أبي عبد الرحمن الجبلي " عن عبد الله بن عمرو قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله تمر بنا جنازة الكافر أفنقوم لها ؟ قال : نعم فقوموا لها ; فإنكم لستم تقومون لها إنما تقومون إعظاما للذي يقبض الأرواح " . وفي حديث الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه كره أن تعلو رأسه . أخرجه النسائي " فقال الحسن : مر بجنازة يهودي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على طريقها جالسا فكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام " وفي حديث رواه الطحاوي بإسناده عن الحسن وابن عباس أو عن أحدهما " أن النبي صلى الله عليه وسلم مرت به جنازة يهودي فقام وقال : آذاني " نتنها " ويروى آذاني " ريحها " .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية