الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1286 107 - حدثنا مسدد قال : أخبرنا بشر بن المفضل قال : حدثنا حسين المعلم ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه قال : لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن علي دينا فاقض ، واستوص بأخواتك خيرا ، فأصبحنا فكان أول قتيل ، ودفن معه آخر في قبر ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه . [ ص: 166 ]

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  [ ص: 166 ] مطابقته للترجمة في قوله " فاستخرجته " ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، والمفضل بضم الميم وتشديد الضاد المعجمة ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، وقال الجياني : كذا روي هذا الإسناد عن البخاري ، إلا أبا علي بن السكن وحده ، فإنه قال في روايته : شعبة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن جابر ، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث عن بشر بن المفضل فقال : سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، وقال بعده : ليس أبو نضرة من شرط البخاري . قال : وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدا ، وأخرجه أبو داود ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة ، عن أبي نضرة ، عن جابر قال : دفن مع أبي رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة ، فأخرجته بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئا إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض ، وأبو نضرة المنذر بن مالك العوفي ، وأخرجه أيضا ابن سعد ، والحاكم ، والطبراني من طريق سعيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه )

                                                                                                                                                                                  قوله : ( لما حضر أحد ) أي وقعة أحد ، وإسناد الحضور إليه مجازي ، وكانت وقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال ، وقال مالك : كانت أحد وخيبر في أول النهار ، قوله : ( ما أراني ) بضم الهمزة أي ما أظنني ، أي ما أظن نفسي ، وذكر الحاكم في ( مستدركه ) عن الواقدي أن سبب ظنه ذلك منام رآه أنه رأى مبشر بن عبد الله المنذر ، وكان ممن استشهد ببدر ، يقول له : أنت قادم علينا في هذه الأيام ، فقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : " هذه شهادة " ، وفي رواية أبي علي بن السكن ، عن أبي نضرة ، " عن جابر أن أباه قال له : إني معرض نفسي للقتل " الحديث ، وقال ابن التين : إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه ، وإنما قال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إشارة إلى ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعض أصحابه سيقتل ، قوله : ( فإن علي دينا ) كانت عليه أوسق تمر ليهودي ، قوله : ( فاقض ) من قضى يقضي أي أد الدين ، ويروى " فاقضه " بذكر الضمير الذي هو المفعول ، قوله : ( واستوص ) أي اطلب الوصل بأخواتك خيرا ، يقال : وصيت الشيء بكذا إذا وصلته به ، قال ابن بطال : أي اقبل وصيتي بالخير إليهن ، وكانت له تسع أخوات باختلاف فيه ، فوكد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير ، فوجب لهن حق القرابة ، وحق وصية الأب ، وحق اليتيم ، وحق الإسلام ، وفي ( الصحيح ) : " لما قال له صلى الله عليه وسلم : تزوجت بكرا أم ثيبا قال : بل ثيبا فقال : هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ؟ قال : إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن " فلم ينكر عليه ذلك ، قوله : ( أن أتركه ) أن مصدرية ، أي لم تطب نفسي تركه مع الآخر ، وهو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري ، وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو ، فكان جابر سماه عما تعظيما ، وقال ابن إسحاق في المغازي : حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح : " اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا " ، وفي مغازي الواقدي عن عائشة : أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيرا لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنهما بالمدينة ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برد القتلى إلى مضاجعهم . وروى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث أبي قتادة قال : قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلا في قبر واحد ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : ليس هو ابن أخيه ، وإنما هو ابن عمه ، قوله : ( فاستخرجته بعد ستة أشهر ) أي من يوم دفنته .

                                                                                                                                                                                  ( فإن قلت ) : وقع في ( الموطأ ) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة له بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاري كانا قد حفر السيل قبرهما ، وكانا في قبر واحد ، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما ، فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة ، انتهى . وهذا يخالف ما ذكره جابر . ( قلت ) : أجاب ابن عبد البر بتعدد القصة ، ورد عليه بعضهم بقوله : لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر واحد بعد ستة أشهر ، وفي حديث ( الموطأ ) : أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة ، فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة ، أو أن السيل غرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد . ( قلت ) : فيه ما لا يخفى ، والأوجه أن يقال المنقول عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بلاغ فلا يقاوم المروي عن جابر رضي الله تعالى عنه .

                                                                                                                                                                                  قوله : ( فإذا هو ) كلمة إذا للمفاجأة ، وقوله هو مبتدأ وخبره قوله : ( كيوم وضعته ) بإضافة يوم إلى وضعته ، والكاف بمعنى المثل ، واليوم بمعنى الوقت ، قوله : ( هنية ) بضم الهاء وتشديد الياء آخر الحروف مصغر هنا [ ص: 167 ] أي قريبا ، وانتصابه على الحال ، وقوله : ( غير أذنه ) مستثنى مما قبله ، وحاصل المعنى استخرجت أبي من قبره ففاجأته قريبا مثل الوقت الذي وضعته فيه غير أن أذنه تغير بسبب التصاقها بالأرض ، وهذا المذكور هو رواية المروزي والجرجاني وأبي ذر ، وفي رواية ابن السكن والنسفي : " كيوم وضعته في القبر غير هنية في أذنه " يريد غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه ، وهذا هو الصواب ، وحكى ابن التين : أنه في روايته بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة ثم تاء مثناة من فوق ثم هاء الضمير ومعناه على حالته ، ووقع في رواية ابن أبي خيثمة والطبراني من طريق غسان بن نصر عن أبي سلمة بلفظ : " وهو كيوم دفنته إلا هنية عند أذنيه " ، ووقع في رواية أبي نعيم من طريق الأشعث : " غير هنية عند أذنه " ، ووقع في رواية الحاكم : " فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه " سقط منه لفظ هنية ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع في أفراد البخاري ، ووقع في رواية ابن السكن من طريق شعبة عن أبي مسلمة بلفظ : " غير أن طرف أذن أحدهم تغير " ، ووقع في رواية ابن سعد من طريق أبي هلال عن أبي مسلمة : " إلا قليلا من شحمة أذنه " ، ووقع في رواية أبي داود ، وقد ذكرناها من طريق حماد بن زيد عن أبي مسلمة : " إلا شعيرات كن من لحيته مما يلي الأرض " .

                                                                                                                                                                                  ( فإن قلت ) : ما وجه رواية أبي داود بالنسبة إلى الروايات المذكورة ؟ ( قلت ) : المراد بالشعيرات التي تتصل بشحمة الأذن . ( فإن قلت ) : روى الطبراني بإسناد صحيح عن محمد بن المنكدر عن جابر أن أباه قتل يوم أحد ثم مثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه الحديث ، ( قلت ) : يحمل هذا على أنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما فافهم .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية