الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  1292 113 - حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود متوفى ، وإن كان لغية ، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام ، يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة ، وإن كانت أمه على غير الإسلام ، إذا استهل صارخا صلي عليه ، ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط ، فإن أبا هريرة رضي الله عنه كان يحدث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ " ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : فطرت الله التي فطر الناس عليها الآية .

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة من حيث إن المولود بين الأبوين المسلمين أو أحدهما مسلم إذا مات ، وقد استهل صارخا يصلى عليه ; فالصلاة عليه تدل على أنه محل عرض الإسلام عند تعقله .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر رجاله )

                                                                                                                                                                                  وهم أربعة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، الثاني : شعيب بن أبي حمزة الحمصي ، الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، الرابع : أبو هريرة .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو أنه مشتمل على شيئين :

                                                                                                                                                                                  الأول : هو قول الزهري : وهو قوله قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود إلى آخره ، وهو قول جماهير الفقهاء إلا قتادة فإنه انفرد فقال : لا يصلى عليه ، وقال أصحابنا : إذا استهل المولود سمي وغسل وصلي عليه ، وكذا إذا استهل ثم مات لحينه ، والاستهلال أن يكون منه ما يدل على حياته ، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يسمى ، وعند الطحاوي : إن الجنين الميت يغسل ، ولم يحك خلافا ، وعن محمد في سقط استبان خلقه : يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه ، وقال أبو حنيفة : إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرك صلي عليه ، وإن خرج أقله لم يصل عليه ، وفي ( شرح المهذب ) : إذا استهل السقط صلي عليه لحديث ابن عباس مرفوعا : " إذا استهل السقط صلي عليه وورث " وهو حديث غريب ، وإنما هو معروف من رواية جابر ، ورواه الترمذي وقال : كان الموقوف أصح ، وقال النسائي : الموقوف أولى بالصواب ، ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط ، وعن مالك لا يصلى على الطفل إلا أن يختلج ويتحرك ، وعن ابن عمر أنه يصلى عليه وإن لم يستهل ، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق ، وقال العبدري : إن كان له دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف يعني بالإجماع ، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء ، وقال أحمد وداود : يصلى عليه ، وقال ابن قدامة : السقط الولد تضعه المرأة ميتا أو لغير تمام ، فأما إن خرج حيا واستهل فإنه يصلى عليه بعد غسله بلا خلاف ، وصلى ابن عمر على ابن ابنه ولد ميتا ، وقال الحسن ، وإبراهيم ، والحكم ، وحماد ، ومالك ، والأوزاعي ، وأصحاب الرأي : لا يصلى عليه حتى يستهل ، وللشافعي قولان ، وحكي عن سعيد بن جبير أنه لا يصلى عليه ما لم يبلغ ، وقال ابن حزم ، ورويناه أيضا عن سويد بن غفلة ، وعند المالكية : لا يصلى عليه ما لم يعلم حياته بعد انفصاله بالصراخ ، وفي العطاس والحركة الكثيرة والرضاع اليسير قولان : أما الرضاع المتحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصراخ ، وعن الليث ، وابن وهب ، وأبي حنيفة ، والشافعي : أن الحركة والرضاع والعطاس استهلال ، وعن بعض المالكية : أن البول والحدث حياة .

                                                                                                                                                                                  الثاني : رواية ابن شهاب عن أبي هريرة منقطعة لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هريرة شيئا ولا أدركه ، والبخاري لم يذكره للاحتجاج إنما ذكر كلامه مسندا لعلوه ، وقال أبو عمر : [ ص: 177 ] روي هذا الحديث من وجوه صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره ، فممن رواه عن أبي هريرة : الأعرج ، وابن المسيب ، وابن سيرين ، وسعيد بن أبي سعيد ، وأبو سلمة ، وحميد بن عبد الرحمن ، وأبو صالح ، واختلف على ابن شهاب في رواية ، فمعمر والزهري قالا عنه عن سعيد ، وعن أبي هريرة ، ويونس ، وابن أبي ذئب قالا عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وقال الأوزاعي عنه عن حميد ، قال محمد بن يحيى الذهلي : هذه الطرق كلها صحاح عن ابن شهاب وهو عن مالك في ( الموطأ ) ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، ورواه عن أبي الزناد أيضا عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك رضي الله تعالى عنه ، وعند ابن شهاب رضي الله عنه عن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا : " سئل عن أولاد المشركين فقال : الله أعلم ما كانوا عاملين " .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر معناه ) : قوله : ( يصلى على كل مولود متوفى ) بضم الياء وتشديد اللام المفتوحة على صيغة المجهول ، وقوله : ( متوفى ) صفة مولود ، قوله : ( لغية ) بكسر اللام والغين المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف مشتق من الغواية وهي الضلالة كفرا وغيره ، وأيضا يقال لولد الزنا ولد الغية ، ولغيره ولد الرشدة ، فالمراد منه : وإن كان المولود لكافرة أو زانية يصلى عليه إذا مات إذا كان أبواه مسلمين أو أبوه فقط ، وهو معنى قوله : ( من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة ) يعني دون أمه ، قوله : ( يدعي ) جملة حالية ، والأصل أن مذهب الزهري أنه يصلى على ولد الزنا ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه ; لأنه محكوم بإسلامه تبعا لأبويه أو لأبيه خاصة إذا كانت أمه غير مسلمة ، قوله : ( إذا استهل ) أي إذا صاح عند الولادة ، وهو على صيغة المجهول من الاستهلال وهو الصياح عند الولادة ، قوله : ( صارخا ) حال مؤكدة من الضمير الذي في استهل ، قوله : ( سقط ) بكسر السين المهملة وضمها وفتحها وهو الجنين يسقط قبل تمامه ، قوله : ( فإن أبا هريرة ) الفاء فيه للتعليل ، وقد قلنا إن هذه الرواية منقطعة ، قوله : ( ما من مولود ) كلمة من زائدة ، ومولود مبتدأ ، ويولد خبره وتقديره ما من مولود يوجد على أمر إلا على الفطرة ، وهي في اللغة الخلقة ، والمراد بها هنا ما يراد في الآية الشريفة وهي الدين ; لأنه قد اعتورها البيان من أول الآية وهو : فأقم وجهك للدين ومن آخرها وهو : ذلك الدين القيم وقال الطيبي : كلمة من الاستغراقية في سياق النفي التي تفيد العموم كقولك : ما أحد خير منك ، والتقدير ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر ، والفطرة تدل على نوع منها وهو الابتداء والاختراع كالجلسة والقعدة ، والمعنى بها هاهنا تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة والتهيؤ لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها ; لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس ، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد ، كقوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والفاء في أبواه إما للتعقيب وهو ظاهر وإما للتسبيب أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه ، ونذكر ما قالوا في معنى الفطرة عن قريب إن شاء الله تعالى ، قوله : ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) معناه أنهما يعلمانه ما هو عليه ويصرفانه عن الفطرة ، ويحتمل أن يكون المراد يرغبانه في ذلك أو أن كونه تبعا لهما في الدين بولادته على فراشهما يوجب أن يكون حكمه حكمهما ، وقيل : معنى يهودانه يحكم له بحكمهما في الدنيا ، فإن سبقت له السعادة أسلم إذا بلغ وإلا مات على كفره ، وإن مات قبل بلوغه فالصحيح أنه من أهل الجنة ، وقيل : لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا ، إنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل ، وطفل اليهوديين مع وجود الإيمان الفطري محكوم بكفره في الدنيا تبعا لوالديه ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : الضمير في أبواه راجع إلى كل مولود ; لأنه عام فيقتضي تهويد كل المواليد أو نحوه ، وليس الأمر كذلك لبقاء البعض على فطرة الإسلام ، ( قلت ) : الغرض من التركيب أن الضلالة ليست من ذات المولود ، ومقتضى طبعه بل أينما حصلت ، فإنما هي بسبب خارج عن ذاته ، قوله : ( كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ) قال الطيبي : قوله : ( كما ) إما حال من الضمير المنصوب في " يهودانه " مثلا فالمعنى يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة شبيها بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة ، وإما صفة مصدر محذوف أي يغيرانه تغيرا مثل تغييرهم البهيمة السليمة ، فالأفعال الثلاثة أعني : " يهودانه وينصرانه ويمجسانه " تنازعت في كما على التقديرين ، قوله : ( تنتج ) يروى على بناء المفعول ، وفي المغرب عن الليث : وقد نتج الناقة ينتجها نتجا إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج ، وهو للبهائم كالقابلة للنساء ، والأصل نتجتها ولذا [ ص: 178 ] يعدى إلى مفعولين ، وعليه بيت الحماسة :


                                                                                                                                                                                  وهم نتجوك تحت الفيل سقيا



                                                                                                                                                                                  فإذا بني للمفعول الأول قيل : نتجت ولدا إذا وضعته ، قوله : ( جمعاء ) هي البهيمة التي لم يذهب من بدنها شيء ، سميت بها لاجتماع سلامة أعضائها ، لا جدع فيها ولا كي ، قوله : ( وهل تحسون فيها من جدعاء ) في موضع الحال على التقديرين أي بهيمة سليمة مقولا في حقها هذا القول ، وفيه نوع من التأكيد يعني كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها ، والجدعاء البهيمة التي قطعت أذنها من جدع إذا قطع الأذن والأنف ، وتخصيص ذكر الجمع إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان بسبب صممهم عن الحق ، وأنه كان خليقا فيهم ، قوله : ( ثم يقول أبو هريرة ) الظاهر ثم قرأ فعدل إلى القول وأتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا له في ذهن السامع كأنه يسمع منه صلى الله عليه وسلم الآن ، قوله : ( لا تبديل ) لا يجوز أن يكون إخبارا محضا لحصول التبديل بل يؤول بأن يقال من شأنه أن لا يبدل أو يقال : إن الخبر بمعنى النهي ، ثم نبين ما قالوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : "كل مولود يولد على الفطرة " فقالت طائفة : ليس معنى قوله : " كل مولود يولد على الفطرة " عاما ، ومعناه أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوداه أو نصراه قالوا : وليس معناه أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة بين الأبوين الكافرين ، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره ، وإن كانا يهوديين فهو يهودي ويرثهما ويرثانه ، وكذلك إن كانا نصرانيين أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه ، واحتجوا بحديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " الغلام الذي قتله الخضر عليه الصلاة والسلام طبعه الله يوم طبعه كافرا " وبما رواه سعيد بن منصور ، عن حماد بن زيد ، عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد يرفعه : " ألا إن بني آدم خلقوا طبقات ، فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا " قالوا : ففي هذا وفي غلام الخضر ما يدل على قوله " كل مولود " ليس على العموم ، وأورد عليهم قوله صلى الله عليه وسلم : " كل بني آدم يولد على الفطرة " وأجابوا بأنه غير صحيح ، ولو صح ما فيه حجة لجواز الخصوص كما في قوله تعالى تدمر كل شيء ولم تدمر السماء والأرض ، وقوله : فتحنا عليهم أبواب كل شيء ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة .

                                                                                                                                                                                  وقال آخرون : معنى الحديث على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم : " كل بني آدم يولد على الفطرة " ولحديث أبي هريرة مرفوعا : " الله أعلم بما كانوا عاملين " ولحديث إبراهيم عليه الصلاة والسلام : " والولدان حوله أولاد الناس " فهذه كلها تدل على أن المعنى الجميع يولدون على الفطرة ، وضعفوا حديث سعيد بن منصور بوجهين : الأول أن في سنده ابن جدعان ، والثاني أنه لا يعارض دعوى العموم ; لأن الأقسام الأربعة راجعة إلى علم الله تعالى ، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين والعياذ بالله يكون قد سبق في علمه تعالى غير ذلك ، وكذا من ولد بين كافرين وإلى هذا يرجع غلام خضر عليه الصلاة والسلام .

                                                                                                                                                                                  ثم اختلفوا في معنى هذه الفطرة ، فذكر أبو عبيد عن محمد بن الحسن أنه قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ، قيل : فيه نظر ; لأن في حديث الأسود بن سريع أنه بعد الجهاد ، رواه عنه الحسن البصري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ما بال قوم يبلغون في القتل إلى الذرية إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه " ، ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ : " ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب " ، وذكره أبو نعيم في الحلية وقال : هو حديث مشهور ثابت وفيه نظر ; لأن علي بن المديني ويحيى بن معين وأبا عبد الله بن منده وأبا داود وغيرهم أنكروا أن يكون الحسن سمع من الأسود شيئا ، وقيل : روى عن الأعمش عن الأسود وهو حديث بصري صحيح ، وقال قوم : الفطرة هنا الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة بربه ; لأن الفطرة الخلقة من الفاطر الخالق ، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة وإنكار ، وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ، ليس فيها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ، ثم يعتقدون الإيمان أو غيره إذا ميزوا ، واحتجوا بقوله في الحديث : " كما تنتج البهيمة " الحديث ، فالأطفال في حين الولادة كالبهائم السليمة ، فلما بغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم إلا من عصمه الله تعالى ، ولو فطروا على الإيمان أو الكفر في أول أمرهم لما انتقلوا عنه أبدا فقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون ، ويستحيل أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئا ; لأن الله أخرجهم في حالة [ ص: 179 ] لا يفقهون معها شيئا ، فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار ، وقال أبو عمر : هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا ، والله أعلم . وقال قوم : إنما قال : " كل مولود يولد على الفطرة " قبل أن تنزل الفرائض ; لأنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات أبواه قبل أن يهودانه أو ينصرانه لما كان يرثهما ويرثانه ، فلما نزلت الفرائض علم أنه يولد على دينهما ، وقال قوم : الفطرة هنا الإسلام ; لأن السلف أجمعوا في قوله تعالى فطرت الله التي فطر الناس عليها أنها دين الإسلام ، واحتجوا بحديث عياض بن حمار قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " قال الله تبارك وتعالى : إني خلقت عبادي حنفاء على استقامة وسلامة " والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الفطرة " فذكر قص الشارب والاختتان وذلك من سنن الإسلام ، وإليه ذهب أبو هريرة والزهري ، وقال أبو عمر : ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة فيه الإسلام ; لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم في الطفل ، وقال قوم : معنى الفطرة فيه البداءة التي ابتدأهم عليها ، أي على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم من آبائهم واعتقادهم ، وقال قوم : معنى ذلك أن الله تعالى قد فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان ، فأخذ من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام الميثاق حين خلقهم فقال : ألست بربكم ؟ فقالوا جميعا : بلى ، فأما أهل السعادة فقالوا : بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم ، وأما أهل الشقاوة فقالوا : بلى كرها لا طوعا ، وتصديق ذلك قوله تعالى : وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وقال المروزي : سمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا ، واحتج ابن راهويه أيضا بحديث عائشة حين " مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين فقالت عائشة : طوبى له عصفور من عصافير الجنة ، فرد عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : مه يا عائشة وما يدريك أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا " وقال أبو عمر : قول إسحاق بن راهويه في هذا الباب لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السنة ، وإنما هو قول المجبرة . وقال قوم : معنى الفطرة ما أخذه الله من الميثاق على الذرية وهم في أصلاب آبائهم ، وقال قوم : الفطرة ما يقلب الله تعالى قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء ، وقال أبو عمر : هذا القول وإن كان صحيحا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة ، والله أعلم .

                                                                                                                                                                                  ( ذكر ما يستفاد منه ) : قد تقدم في أوله ، والله أعلم .



                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية