الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5279 26 - حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، أخبرني عطاء أنه سمع جابرا رضي الله عنه يقول: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الزبيب والتمر والبسر والرطب.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة ظاهرة، وأبو عاصم النبيل الضحاك بن مخلد البصري يروي عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله الأنصاري.

                                                                                                                                                                                  والحديث أخرجه مسلم أيضا في الأشربة عن محمد بن حاتم وغيره، وأخرجه النسائي فيه وفي الوليمة عن يعقوب بن إبراهيم.

                                                                                                                                                                                  قوله: (عن الزبيب.. إلى آخره) ليس فيه بيان الخلط صريحا، وقد بينه مسلم بلفظ: "لا تجمعوا بين الرطب والبسر، وبين الزبيب والتمر" وحكمة النهي خوف إسراع الشدة إليه مع الخلط، وقال الداودي: لأن أحدهما لا يصير نبيذا حلوا حتى يشتد الآخر، فيسرع إلى الشدة فيصير خمرا، وهم لا يظنون.

                                                                                                                                                                                  واختلف هل ترك ذلك واجب أو مستحب؟ فقال محمد: يعاقب عليه، وقال القاضي عبد الوهاب: أساء في تخليطه، فإن لم تحدث الشدة المطربة جاز شربه، وعن بعض العلماء أنه كره أن يخلط للمريض شرابان مثل شراب ورد وغيره، وأنكر ذلك غيره، وسئل الشافعي عن رجل شرب خليطين مسكرا، فقال: هذا بمنزلة رجل أكل لحم خنزير ميت، فهو حرام من جهتين: الخنزير حرام، والميتة حرام، والسكر حرام.

                                                                                                                                                                                  قلت: في هذا الباب أقوال:

                                                                                                                                                                                  أحدها: أنه يحرم، وروي ذلك عن أبي موسى الأنصاري، وأنس، وجابر، وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهم، ومن التابعين عطاء، وطاوس، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور.

                                                                                                                                                                                  والثاني: يحرم خليط كل نوعين مما ينتبذ في الانتباذ، وبعد الانتباذ لا يخص شيء من شيء، وهو قول بعض المالكية.

                                                                                                                                                                                  والثالث: أن النهي محمول على التنزيه، وأنه ليس بحرام ما لم يصر مسكرا، وقال شيخنا زين الدين: حكاه النووي عن مذهبنا، وأنه قول جمهور العلماء.

                                                                                                                                                                                  والرابع: روي عن الليث أنه قال: لا بأس أن يخلط نبيذ الزبيب ونبيذ التمر، ثم يشربان جميعا، وإنما [ ص: 184 ] جاء النهي عن أن ينتبذا جميعا; لأن أحدهما يشد صاحبه.

                                                                                                                                                                                  والخامس: أنه لا كراهة في شيء من ذلك، ولا بأس به، وهو قول أبي حنيفة في رواية عن أبي يوسف. قال النووي: أنكر عليه الجمهور، وقالوا: هذه منابذة لصاحب الشرع، فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الصريحة في النهي عنه، فإن لم يكن حراما كان مكروها.

                                                                                                                                                                                  قلت: هذه جرأة شنيعة على إمام أجل من ذلك، وأبو حنيفة لم يكن قال ذلك برأيه، وإنما مستنده في ذلك أحاديث، منها ما رواه أبو داود، عن عبد الله الحربي، عن مسعر، عن موسى بن عبد الله، عن امرأة من بني أسد، عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينبذ له زبيب فيلقى فيه تمر، أو تمر فيلقى فيه زبيب .

                                                                                                                                                                                  وروي أيضا عن زياد الحساني، حدثنا أبو بحر، حدثنا عتاب بن عبد العزيز، حدثتني صفية بنت عطية قالت: دخلت مع نسوة من عبد القيس على عائشة رضي الله عنها، فسألنا عن التمر والزبيب، فقالت: كنت آخذ قبضة من تمر وقبضة من زبيب، فألقيه في الإناء فأمرسه، ثم أسقيه النبي صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                  وروى محمد بن الحسن في كتاب الآثار: أخبرنا أبو حنيفة، عن أبي إسحاق، وسليمان الشيباني، عن ابن زياد أنه أفطر عند عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فسقاه شرابا، فكأنه أخذ منه، فلما أصبح غدا إليه فقال له: ما هذا الشراب؟! ما كدت أهتدي إلى منزلي؟! فقال ابن عمر: ما زدناك على عجوة وزبيب .

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: قال ابن حزم : في الحديث الأول لأبي داود امرأة لم تسم، وفي الثاني أبو بحر لا يدرى من هو، عن عتاب، وهو مجهول، عن صفية، ولا يدرى من هي.

                                                                                                                                                                                  قلت: هذه ثلاثة أحاديث يشد بعضها بعضا على أن ابن عدي قال: أبو بحر مشهور معروف، وله أحاديث غرائب عن شعبة وغيره من البصريين، وهو ممن يكتب حديثه. وفي كتاب الساجي قال يحيى بن سعيد: هو صدوق صاحب حديث، وهو عبد الرحمن بن عثمان بن أمية بن عبد الرحمن بن أبي بكرة البكراوي، وذكره ابن شاهين، وابن حبان في كتاب الثقات، وقال البخاري: لم يستبن لي طرحه، وقال أبو عمر وأحمد بن صالح العجلي: هو ثقة بصري، وفي كتاب الصيرفيين: ذكره ابن حبان في كتاب الثقات، وخرج حديثه في صحيحه، كذلك الحاكم.

                                                                                                                                                                                  وعتاب بن عبد العزيز روى عنه يزيد بن هارون، وأحمد بن سعيد الدارمي، وآخرون، وذكره ابن حبان في الثقات.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية