الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  5426 73 - حدثنا سعيد بن عفير، حدثنا الليث قال: حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها، فاختصموا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة، فقال ولي المرأة التي غرمت: كيف أغرم يا رسول الله من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يطل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنما هذا من إخوان الكهان.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  مطابقته للترجمة في قوله: "إنما هذا من إخوان الكهان".

                                                                                                                                                                                  وسعيد بن عفير بضم العين المهملة وفتح الحاء وسكون الياء آخر الحروف وبالراء، وهو سعيد بن كثير بن عفير المصري.

                                                                                                                                                                                  والحديث من أفراده.

                                                                                                                                                                                  قوله: "هذيل" بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وهو ابن مدركة بن إلياس بن مضر، قبيلة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "اقتتلتا" أي: تقاتلتا.

                                                                                                                                                                                  قوله: "وهي حامل" جملة حالية.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فاختصموا" مثل قوله: هذان خصمان اختصموا .

                                                                                                                                                                                  قوله: "غرة" بضم الغين المعجمة وتشديد الراء، وهي بياض في الوجه، وعبر بالغرة عن الجسم كله إطلاقا للجزء وإرادة الكل، ولفظ "غرة" بالتنوين، ولفظ "عبد أو أمة" بدل منه، ويروى بالإضافة، وكلمة أو هنا للتقسيم لا للشك.

                                                                                                                                                                                  قوله: "فقال ولي المرأة" هو حمل بفتح الحاء المهملة وتخفيف الميم ابن مالك بن النابغة الهذلي الصحابي، نزل البصرة، وكنيته أبو فضلة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "ولا استهل" يقال: استهل الصبي إذا صاح عند الولادة.

                                                                                                                                                                                  قوله: "يطل" بضم الياء آخر الحروف وفتح الطاء وتشديد اللام، هكذا في رواية الأكثرين، ومعناه يهدر، يقال: طل الدم بضم الطاء وبفتحها، وحكي أطل، وأنكره الأصمعي، وقال أبو زيد: طل دمه فهو مطلول، وأطل دمه وطله الله وأطله، قال: ولا يقال: طل دمه بالفتح، وأبو عبيدة والكسائي يقولانه، وفي رواية الكشميهني بطل بالباء الموحدة من البطلان.

                                                                                                                                                                                  [ ص: 276 ] وقال عياض: إنه وقع هنا للجميع بالباء الموحدة، قال: وبالوجهين في الموطأ، وقد رجح الخطابي أنه من البطلان، وأنكره ابن بطال، فقال: كذا يقول أهل الحديث من طل الدم إذا هدر، قيل: لا وجه لإنكاره بعد ثبوت الرواية، ومعناه يرجع إلى الرواية الأخرى.

                                                                                                                                                                                  قوله: "إنما هذا من إخوان الكهان" شبهه بهم; إذ الأخوة تقتضي المشابهة، وذلك بسبب السجع، وقال الخطابي: لم يرده رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأجل السجع نفسه، لكنه إنما أعاب منه رد الحكم وتزيينه بالسجع على مذهب الكهان في ترويج أباطيلهم بالأسجاع التي يروجون بها الباطل، ويوهمون الناس أن تحتها طائلا، والسجع هو تناسب آخر الكلمة لفظا، والجمع أسجاع وأساجيع، وقال ابن بطال: فيه ذم الكهان ومن تشبه بهم في ألفاظهم حيث كانوا يستعملونه في الباطل، كما أراد هو بسجعه دفع ما أوجبه - صلى الله عليه وسلم - فاستحق بذلك الذم، إلا أنه - صلى الله عليه وسلم - جبل على الصفح عن الجاهلين.

                                                                                                                                                                                  فإن قلت: قد وقع في كلامه - صلى الله عليه وسلم – الأسجاع، مثل: صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وغير ذلك؟

                                                                                                                                                                                  قلت: الفرق أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله، وأيضا أنه تكلف فيه بخلاف ما في كلام الرسول - صلى الله عليه وسلم -.

                                                                                                                                                                                  وفيه وجوب الغرة عند كافة العلماء، وخالف فيه قوم، فقالوا: لا شيء فيه، حكاه في المعونة، وهو منابذة للنص فلا يلتفت إليه، وفيه أن الغرة عبد أو أمة، وقال مالك: الحمران أحب إلي من السودان، يريد البيض، فإن لم يكن في البلد فالسود، قاله الأبهري، وقال أبو عمرو بن العلاء: لا يؤخذ إلا من البيض لقوله: "غرة" وإلا لقال: "عبدا ووليدة" وقال مالك، عن ربيعة: يقوم بخمسين دينارا أو ستمائة درهم.

                                                                                                                                                                                  واختلف فيمن يرث الجنين، فقال مالك: هو موروث على فرائض الله، وقال أيضا: هو كبضعة من أمه ترثه وحدها، وقال أيضا: هو بين أبويه، الثلثان للأب وللأم الثلث، وبه قال أبو حنيفة والشافعي.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية