الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  158 26 - وعن إبراهيم قال: قال صالح بن كيسان: قال ابن شهاب: ولكن عروة يحدث عن حمران ، فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثا لولا آية ما حدثتكموه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه ويصلي الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها. قال عروة: الآية إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  قالت جماعة من الشراح: هذا من تعليقات البخاري عن إبراهيم بصيغة التمريض. وقال أبو نعيم الحافظ: لم يذكر البخاري شيخه فيه، ولا أدري هو معقب بحديث إبراهيم بن سعيد، عن الزهري نفسه أو أخرجه عن إبراهيم بلا سماع وقال [ ص: 12 ] بعضهم: وزعموا أنه معلق وليس كذلك فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد بالإسنادين معا، وإذا كانا جميعا عند يعقوب فلا مانع أن يكونا عند الأويسي ، ثم وجدت الحديث الثاني عند أبي عوانة في صحيحه من حديث الأويسي المذكور فصح ما قلته. قلت: لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد موصولا أن يكون كذلك عند البخاري، غاية ما في الباب أنه يحتمل أن يكون معقبا بحديث إبراهيم الأول فيكون موصولا، وبمجرد الاحتمال لا يتعين نفي كونه معلقا .

                                                                                                                                                                                  والحال أن صورته صورة التعليق وإليه أقرب، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة من حديث الأويسي أن يكون موصولا عند البخاري لاحتمال عدم السماع منه في هذا على ما لا يخفى. وأما مسلم فقد قال: حدثنا زهير، حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا أبي عن صالح به، وأما الإسماعيلي فأخرجه عن ابن ناجية: حدثنا فضيل بن سهل وعبيد الله بن سعد قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم فذكره.

                                                                                                                                                                                  وزعم الدارقطني أن عثمان رضي الله عنه رواه عنه أيضا عمرو بن سعيد بن العاصي وابن أبي مليكة، وأبو علقمة وأبو أنس وشقيق وسلمة، ورواه مالك والليث عن هشام، عن أبيه، عن حمران . ورواه حسين بن محمد المروزي عن شعبة، عن هشام، عن أبيه، عن سليمان بن يسار، عن عثمان . ورواه حمزة بن زياد عن شعبة، عن أبان أبيه، عن أبيه.

                                                                                                                                                                                  ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول إبراهيم بن سعد المذكور في الحديث السابق، الثاني صالح بن كيسان بفتح الكاف مر ذكره في آخر قصة هرقل، الثالث محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، الرابع عروة بن الزبير بن العوام تقدم في أول كتاب الوحي، الخامس حمران بن أبان

                                                                                                                                                                                  ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه العنعنة وليس فيه صيغة التحديث ولا الإخبار، وإنما فيه الإخبار بلفظ قال. ومنها أن هؤلاء كلهم مدنيون، ومنها أن فيه أربعة تابعين وهم صالح وابن شهاب وعروة وحمران، ومنها أن فيه رواية الأكابر عن الأصاغر; فإن صالحا أكبر سنا من الزهري، ومنها أن إبراهيم هاهنا يروي عن ابن شهاب بالواسطة وهو صالح، وروى عنه في أول الباب بلا واسطة .

                                                                                                                                                                                  قوله: "ولكن عروة يحدث" استدراك من ابن شهاب، وأشار به إلى أن شيخي ابن شهاب في هذا الحديث وهما عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير اختلفا في روايتهما عن حمران، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه فحدث به عطاء على وجه وعروة على وجه، وليس ذلك باختلاف لأنهما حديثان متغايران وقد رواهما معا عن حمران معاذ بن عبد الرحمن فأخرج البخاري من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه.

                                                                                                                                                                                  ( بيان الإعراب والمعاني ) قوله: "عن حمران فلما توضأ". وفي بعض النسخ عن حمران قال: فلما توضأ". وقوله: "فلما توضأ" عطف على محذوف، تقديره عن حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه إلى أن قال: "ثم غسل رجليه إلى الكعبين"، فلما توضأ قال إلى آخره. قوله: "لأحدثنكم" جواب قسم محذوف قوله: "حديثا" نصب على أنه مفعول ثان لقوله: " لأحدثنكم ". قوله: "لولا" لربط امتناع الثانية لوجود الأولى نحو لولا زيد لأكرمتك أي: لولا زيد موجود لأكرمتك. قوله: "آية" مبتدأ وخبره محذوف، وحذفه هاهنا واجب كما علم في موضعه، والتقدير لولا آية ثابتة في القرآن، وفي رواية مسلم : "لولا آية في كتاب الله تعالى".

                                                                                                                                                                                  وقال عياض : لولا آية هكذا هو بالمد وبالياء المثناة من تحت، ورواه الباجي : لولا أنه بالنون يعني لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله تعالى ما حدثتكم. وفي المطالع قول عثمان رضي الله تعالى عنه: لولا أنه في كتاب الله تعالى بالنون في رواية يحيى وجماعة معه، ذكره ابن ماهان في مسلم، وعند ابن مصعب وابن وهب وآخرين من رواة الموطإ "لولا آية" وهي رواية الجلودي في مسلم قال مالك : الآية إن الحسنات يذهبن السيئات وقال عروة في كتاب مسلم : إن الذين يكتمون الآية والصواب قول عروة يعني لئلا يتكل الناس، فكأن النهي عن الكتمان أوجب عليه التحديث به مخافة الكتمان.

                                                                                                                                                                                  قوله: "ما حدثتكموه" جواب لولا واللام محذوفة منه، ومعناه لولا أن الله تعالى أوجب على من علم علما إبلاغه لما كنت حريصا على تحديثكم، ولما كنت متكثرا بتحديثكم. قوله: [ ص: 13 ] "يقول" جملة في محل النصب على الحال قوله: "فيحسن" من الإحسان ومعنى إحسان الوضوء الإتيان به تاما بصفته وآدابه وتكميل سننه، وهو بالرفع عطف على قوله: "لا يتوضأ" وكلمة الفاء هاهنا بمعنى ثم; لأن إحسان الوضوء ليس متأخرا عن الوضوء حتى يعطف عليه بالفاء التعقيبية، وإنما موقعها موقع ثم التي لبيان المرتبة وشرفها دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة من محافظة السنن ومراعاة الآداب أفضل وأكمل من أداء ما وجب مطلقا، ولا شك أن الوضوء المحسن فيه أعلى رتبة من الغير المحسن فيه قوله: "ويصلي الصلاة المكتوبة". وفي رواية لمسلم : "فيصلي هذه الصلوات الخمس".

                                                                                                                                                                                  قوله: "إلا غفر له" التقدير لا يتوضأ رجل إلا رجل غفر له فالمستثنى محذوف; لأن الفعل لا يقع مستثنى، أو التقدير: لا يتوضأ رجل في حال إلا في حال المغفرة فيكون الاستثناء من أعم عام الأحوال. قوله: "وبين الصلاة" أي التي يليها كما صرح به مسلم في رواية هشام بن عروة . قوله: "حتى يصليها" معناه حتى يفرغ منها. وقال بعضهم: أي يشرع في الصلاة الثانية قلت: هذا معنى فاسد; لأن قوله: "ما بينه وبين الصلاة" يحتمل أن يراد به بين الشروع في الصلاة وبين الفراغ عنها.

                                                                                                                                                                                  ولما كان المراد الفراغ عنها أشار إليه بقوله: "حتى يصليها" ولهذا لم يكتف بقوله: "بين الصلاة" لأنه لا يغني عن ذكر حتى يصليها لما ذكرنا، فإن قلت: لفظة حتى غاية لماذا؟ قلت: لحصول المقدر العامل في الظرف إذ الغفران لا غاية له. قوله: "قال عروة الآية" أراد أن الآية في سورة البقرة إلى قوله: " اللاعنون "، كما صرح به مسلم .

                                                                                                                                                                                  وقد روى مالك هذا الحديث في الموطإ عن هشام بن عروة ولم يقع في روايته تعيين الآية، فقال من قبل نفسه: أراه يريد وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات

                                                                                                                                                                                  ( بيان استنباط الأحكام ) الأول: فيه أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم; لأن الله تعالى قد توعد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة، والآية وإن كانت نزلت في أهل الكتاب ولكن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فدخل فيها كل من علم علما تعبد الله العباد بمعرفته لزمه من عدم تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه.

                                                                                                                                                                                  الثاني فيه أن الإخلاص لله تعالى في العبادة، وترك الشغل بأسباب الدنيا يوجب من الله عليه الغفران ويتقبلها من عبده.

                                                                                                                                                                                  الثالث فيه أن ظاهر الحديث يدل على أن المغفرة المذكورة لا تحصل إلا بالوصف المذكور وإحسانه والصلاة، وفي الصحيح من حديث أبي هريرة : "إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه" ففيه أن الخطايا تخرج من أول الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيا من الذنوب ، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يحمل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم من حديث عثمان: "وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة".

                                                                                                                                                                                  ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء وآخر عند تمام الصلاة.

                                                                                                                                                                                  الرابع أن المراد بهذا وأمثاله غفران الصغائر كما مر فيما مضى، وجاء في صحيح مسلم : "ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخضوعها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة".

                                                                                                                                                                                  وفي الحديث الآخر: "الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر". لا يقال إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان، وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه; لأن المراد أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجي أن يخفف منها، وقال النووي : رجونا أن يخفف من الكبائر والله تعالى أعلم.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية