الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                  177 43 - حدثنا سعد بن حفص ، قال: حدثنا شيبان ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، أن عطاء بن يسار ، أخبره أن زيد بن خالد ، أخبره أنه سأل عثمان بن عفان رضي الله عنه قلت: أرأيت إذا جامع فلم يمن قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره. قال عثمان: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألت عن ذلك عليا والزبير وطلحة وأبي بن كعب رضي الله عنهم فأمروه بذلك.

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  قال الكرماني : فإن قلت : ما وجه مناسبته للترجمة؟ قلت: هو مناسب لجزء من الترجمة; إذ هو يدل على وجوب الوضوء من الخارج من المخرج المعتاد نعم لا يدل على الجزء الآخر وهو عدم الوجوب في غيره، ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل الترجمة، بل لو دل البعض على البعض بحيث لا يدل كل ما في الباب على كل الترجمة لصح التعبير بها قلت: نعم لا يلزم أن يدل كل حديث في الباب إلى آخره لكن الحديث منسوخ بالإجماع فلا يناسبه الترجمة; لأن الباب معقود فيمن لم ير الوضوء إلا من المخرجين، وهاهنا لا خلاف فيه.

                                                                                                                                                                                  ( بيان رجاله المذكورين فيه ) وهم أحد عشر رجلا: الأول سعد بن حفص أبو محمد الطلحي بالمهملتين الكوفي. الثاني شيبان بن عبد الرحمن النحوي أبو معاوية . الثالث يحيى بن أبي كثير البصري التابعي. الرابع أبو سلمة بفتح اللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف التابعي، وكل هؤلاء تقدموا في باب كتابة العلم. الخامس عطاء بن يسار بفتح الياء آخر الحروف وبالسين المهملة المدني، مر في باب كفران العشير. السادس زيد بن خالد الجهني المدني الصحابي تقدم في باب الغضب في الموعظة. السابع عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه تقدم في باب الوضوء ثلاثا، والأربعة الباقية هم الصحابة المشهورون.

                                                                                                                                                                                  ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والإخبار والسؤال والقول، ومنها أن فيه ثلاثة من التابعين اثنان من كبار التابعين، وهما أبو سلمة وعطاء والثالث تابعي صغير وهو يحيى بن أبي كثير، والثلاثة على نسق واحد، ومنها أن فيه صحابيين يروي أحدهما عن الآخر وهما زيد بن أبي خالد وعثمان بن عفان، ومنها أن رواته ما بين كوفي وبصري ومدني .

                                                                                                                                                                                  ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن سعد بن حفص، عن شيبان، وأخرجه أيضا عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن حسين المعلم كلاهما عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عطاء بن يسار عنه به. زاد في حديث حسين عن يحيى قال: وأخبرني أبو سلمة أن عروة بن الزبير أخبره أن أبا أيوب الأنصاري أخبره أنه سمع ذلك من رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأخرجه مسلم في الطهارة أيضا عن زهير بن حرب وعبد بن حميد وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث ثلاثتهم عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن حسين المعلم به، وذكر الزيادة التي في آخره عن عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن أبيه، عن جده.

                                                                                                                                                                                  ( بيان المعنى والإعراب ) قوله: قلت بصيغة المتكلم وإنما لم يقل قال كما قال إنه سأل; لأن فيه نوع التفات، وهو نوع من محاسن الكلام; لأن فيه اعتبارين وهما عبارتان عن أمر واحد، ففي الأول نظر إلى جانب الغيبة، وفي الثاني إلى جانب المتكلم.

                                                                                                                                                                                  قوله: "أرأيت" معناه أخبرني، ومفعوله محذوف تقديره أرأيت أنه يتوضأ. قوله: "فلم يمن" بضم الياء آخر الحروف من الإمناء وعليه الرواية، وفيه لغة ثانية فتح الياء، وثالثة ضم الياء مع فتح الميم وتشديد النون يقال: منى وأمنى ومنى ثلاث لغات والوسطى أشهر وأفصح، وبها جاء القرآن قال الله تعالى: أفرأيتم ما تمنون قوله: "يتوضأ" أمره بالوضوء احتياطا; لأن الغالب خروج المذي من المجامع وإن لم يشعر به. قوله: كما يتوضأ للصلاة احترز به عن الوضوء اللغوي.

                                                                                                                                                                                  قوله: "ويغسل ذكره" أمره بذلك لتنجسه بالمذي، ولا يقال: الغسل مقدم على التوضؤ فلم أخره لأنا نقول الواو لا تدل على الترتيب، بل للجمع المطلق، فلو توضأ قبله يجوز ولا ينتقض وضوءه. قوله: سمعت أي سمعت المذكور كله من رسول الله عليه الصلاة [ ص: 56 ] والسلام قوله: "فسألت عن ذلك" مقول زيد لا مقول عثمان رضي الله تعالى عنه. قوله: فأمروه الضمير المرفوع فيه راجع إلى هؤلاء الصحابة الأربعة علي والزبير وطلحة وأبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم، والضمير المنصوب فيه راجع إلى المجامع، فإن قلت : لم يمض ذكر المجامع قلت: قوله إذا جامع أي الرجل يدل على المجامع ضمنا من قبيل قوله تعالى: اعدلوا هو أقرب للتقوى أي العدل أقرب، دل عليه اعدلوا. قوله: بذلك أي بأنه يتوضأ ويغسل ذكره.

                                                                                                                                                                                  ( بيان استنباط الأحكام ) الأول فيه وجوب الوضوء على من يجامع امرأته ولا ينزل. الثاني فيه وجوب غسل ذكره، واختلفوا هل يجب غسل كل الذكر أو غسل ما أصابه المذي، فقال مالك بالأول، وقال الشافعي بالثاني. قلت: اختلف أصحاب مالك منهم من أوجب غسل الذكر كله لظاهر الخبر، ومنهم من أوجب غسل مخرج المذي وحده. وعن الزهري لا يغسل الأنثيين من المذي إلا أن يكون أصابهما شيء. وقال الأثرم: وعلى هذا مذهب أبي عبد الله سمعته لا يرى في المذي إلا الوضوء ولا يرى فيه الغسل، وهذا قول أكثر أهل العلم.

                                                                                                                                                                                  وفي المغني لابن قدامة المذي ينقض الوضوء، وهو ما يخرج لزجا متسبسبا عند الشهوة، فيكون على رأس الذكر. واختلفت الرواية في حكمه فروي أنه لا يوجب الاستنجاء والوضوء، والرواية الثانية يجب غسل الذكر والأنثيين مع الوضوء.

                                                                                                                                                                                  وقال الطحاوي : لم يكن قوله عليه الصلاة والسلام: "يغسل مذاكيره" لإيجاب الغسل ولكنه ليتقلص أي ليرتفع وينزوي المذي فلا يخرج، والدليل عليه ما جاء في صحيح مسلم "توضأ وانضح فرجك" وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وبه قال الشافعي ومالك في رواية وأحمد في رواية.

                                                                                                                                                                                  فائدة: اعلم أن حديث علي رضي الله تعالى عنه: "كنت رجلا مذاء" وهو المذكور قبل هذا الحديث، وفي موضع آخر من صحيح البخاري : "فكنت أستحي أن أسأل رسول الله عليه الصلاة والسلام لمكان ابنته فقال: ليغسل ذكره ويتوضأ".

                                                                                                                                                                                  وقال ابن عباس : قال علي رضي الله تعالى عنه: "أرسلنا المقداد إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فسأله عن المذي الذي يخرج من الإنسان كيف يفعل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: توضأ وانضح فرجك".

                                                                                                                                                                                  وفي صحيح ابن حبان من حديث أبي عبد الرحمن، عن علي: "كنت رجلا مذاء فسألت النبي عليه الصلاة والسلام فقال: إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك". ورواه الطبراني في الأوسط من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن حصين بن قبيصة عنه " كنت رجلا مذاء فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال " الحديث.

                                                                                                                                                                                  قال أبو القاسم : لم يروه عن حصين إلا زائدة تفرد به إسماعيل بن عمرو، ورواه غير إسماعيل، عن أبي حصين، عن حصين بن قبيصة، وعند ابن ماجه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المذي".

                                                                                                                                                                                  وفي مسند أحمد عن عبد الله، حدثني أبو محمد شيبان، حدثنا عبد العزيز بن مسلم القسملي، حدثنا يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن، عن علي "كنت رجلا مذاء فسألت النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك" الحديث. وفيه أيضا من حديث هانئ بن هانئ، عن علي "فأمرت المقداد فسأل النبي عليه الصلاة والسلام فضحك فقال: فيه الوضوء".

                                                                                                                                                                                  وفي سنن الكجي : كل فحل يمذي وليس فيه إلا الطهور. وفي صحيح ابن خزيمة من حديث الركين، عن حصين عنه بلفظ فذكرت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، أو ذكر له. وفي صحيح الحافظ أبي عوانة من حديث عبيدة عنه "يغسل أنثييه وذكره ويتوضأ وضوءه للصلاة". وفي هذا رد لما ذكره أبو داود، عن أحمد : ما قال غسل الأنثيين إلا هشام بن عروة في حديثه، وأما الأحاديث كلها فليس فيها ذا.

                                                                                                                                                                                  وفي صحيح ابن حبان من حديث رافع بن خديج "أن عليا أمر عمارا أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يغسل مذاكيره". وفي صحيح ابن خزيمة أخبرنا يونس، عن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب أن مالكا حدثه عن سالم بن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد "أنه سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يدنو من امرأته فلا ينزل قال: إذا وجد أحدكم ذلك فلينضح فرجه". زاد ابن حبان، عن عطاء أخبرني عايش بن أنس قال: تذاكر علي وعمار والمقداد المذي، فقال علي: إني رجل مذاء فسألا عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال عايش: فسأله أحد الرجلين عمار أو المقداد قال عطاء: وسماه عايش فنسيته قال أبو عمر: رواية يحيى عن مالك : "فلينضح فرجه". وفي رواية ابن بكير والقعنبي وابن وهب "فليغسل فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة" وهذا هو الصحيح، وبه رواه عبد الرزاق، عن مالك كما رواه يحيى "ولينضح فرجه" ولو صحت رواية يحيى ومن تابعه كانت مجملة تفسرها رواية غيره; [ ص: 57 ] لأن النضح يكون في لسان العرب مرة الغسل ومرة الرش، وفيه نظر لما تقدم من عند ابن ماجه، وكذلك رواه أبو داود في سننه عن القعنبي، وذكر الدارقطني في كتاب أحاديث الموطإ ، أن أبا مصعب وأحمد بن إسماعيل المدني وابن وهب وعبد الله بن يونس ويحيى بن بكير، والشافعي وابن القاسم وعتبة بن عبد الله، وأبا علي الحنفي وإسحاق بن عيسى، والقاسم بن يزيد رووه عن مالك بلفظ "فلينضح" إلا ابن وهب فإن في بعض ألفاظه "فليغسل" فلو كان أبو عمر عكس قوله لكان صوابا من فعله، وقال ابن حبان : قد يتوهم بعض المستمعين لهذه الأخبار أن بينها تضادا وتهاترا، وليس كذلك لأنه يحتمل أن يكون علي أمر عمارا أن يسأله فسأله ، ثم أمر المقداد أن يسأله فسأله ، ثم سأل هو بنفسه، والدليل على صحة ما ذكرت أن متن كل خبر بخلاف متن الآخر، ففي خبر عبد الرحمن "إذا رأيت الماء فاغسل ذكرك، وإذا رأيت المني فاغتسل" وفي خبر إياس بن خليفة، عن عمار "يغسل مذاكيره ويتوضأ" وليس فيه ذكر المني.

                                                                                                                                                                                  وخبر المقداد مستأنف ينبئك أنه ليس بالسؤالين اللذين ذكرناهما; لأن فيه سؤالا عن الرجل إذا دنا من أهله فخرج منه المذي ماذا عليه، فإن عندي ابنته فذلك ما وصفنا على أن هذه أسئلة متباينة في مواضع مختلفة لعلل موجودة.

                                                                                                                                                                                  وقال صاحب التلويح : وقد ورد في حديث حسن الإسناد أن النبي عليه الصلاة والسلام هو السائل له ، ثم رواه بإسناده إلى أن قال علي رضي الله تعالى عنه: " رآني النبي عليه الصلاة والسلام وقد شحبت، فقال: يا علي قد شحبت قلت: شحبت من اغتسال الماء وأنا رجل مذاء، فإذا رأيت منه شيئا اغتسلت قال: لا تغتسل يا علي " ثم قال صاحب التلويح : فيحتمل أن يكون علي رضي الله عنه لما بعث من بعث رآه عليه الصلاة والسلام في غضون البعثة شاحبا، ونزل على جوابه عن ذلك بمنزلة السؤال ابتداء تجوزا وفي سنن البيهقي الكبير من حديث ابن جريج، عن عطاء أن عليا رضي الله تعالى عنه كان يدخل في إحليله الفتيلة من كثرة المذي. وفي حديث حسان بن عبد الرحمن الضبعي عند أبي موسى المديني في معرفة الصحابة بسند لا بأس به. قال عليه الصلاة والسلام: " لو اغتسلتم من المذي كان أشد عليكم من الحيض ". وفي حديث ابن عباس عند الدارقطني وقال: لا يصح " أن رجلا قال: يا رسول الله إني كلما توضأت سال فقال: إذا توضأت فسال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك ".




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية