الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              مخاطر التجسيم..

              وفي الجهة المقابلة نجد صنفا آخر يدعي التفويض والسلفية، ويتتبع الأخبار التافهة ذات الأسانيد المظلمة، ويستقي منها العقائد (!) ويجري وراء نص هـنا ونص هـناك، فيطوي المسافة بينهما ليخرج آخر الأمر بضرب من التجسيم لا يعرفه المسلمون من سلف أو خلف.

              ولا تغرنك العناوين والأسماء فإن بعضهم زعم أن ابن خزيمة ، وابن الإمام أحمد ممن حطبوا في هـذا الحبل، وكونوا بما صنفوا فرقة من الرعاع أحدثت بعض الشغب في بغداد ، ثم انتهى أمرها.

              ورد في الكامل لابن الأثير أن الخليفة العباسي الراضي بالله أصدر مرسوما في شأنهم جاء فيه:

              .. تزعمون أن صورة وجوهكم القبيحة السمجة على مثال رب العالمين، [ ص: 132 ] وهيئتكم الرذيلة على هـيئته، وتذكرون الكف والأصابع والرجلين المذهبتين(!) والشعر القطط، والصعود إلى السماء والنزول إلى الأرض، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبير.. إلخ.

              وكان ذلك في القرن الرابع سنة 323هـ.

              وذكر ابن عساكر في كتابه ((تبيين كذب المفتري على الإمام أبي الحسن الأشعري)): أن هـؤلاء المجسمة أبوا إلا التصريح بأن المعبود ذو قدم وأضراس ولهوات وأنامل، وأنه ينزل بذاته في صورة شاب .. إلخ.

              ووصفهم أئمة الشافعية الذين أبلغوا عنهم السلطان بأنهم جماعة من الأوباش الرعاع المتسمين بالحنبلية (!) وطلبوا الضرب على أيديهم!

              والإمام ابن حنبل رضي الله عنه بريء من هـذا النسب، فما كان مشبها يوما ولا زائغا عن الصراط، وسنقرأ لابن الجوزي من كتابه ((صيد الخاطر)) تعليقا على مسلك هـؤلاء الحمقى.. قال: عجبت من أقوام يدعون العلم ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظواهرها، فلو أنهم أمروها كما جاءت لسلموا، لأن من أمر ما جاء من غير اعتراض ولا تعرض فما قال شيئا لا له ولا عليه!

              ولكن أقواما قصرت في علومهم فرأوا أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل، ولو فهموا سعة اللغة ما ظنوا هـذا، وما هـم إلا بمثابة قول الحجاج لكاتبه وقد مدحته الخنساء ، فقالت:


              إذا هـبط الحجاج أرضا سقيمة تتبع أقصى دائها فشفاها     شفاها من الداء العضال الذي بها
              غلام إذا هـز القناة سقاها



              فلما أتمت القصيدة قال لكاتبه: اقطع لسانها! فجاء ذلك الكاتب المغفل بالموسى! فقالت له الخنساء: ويلك، إنما قال: أجزل لها العطاء!! ثم [ ص: 133 ] ذهبت إلى الحجاج ، فقالت: كاد والله يقطع مقولي.

              فكذلك الظاهرية الذين لم يقفوا عند التسليم بما ورد، فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد لا يلام، وهذه طريقة السلف.

              فأما من قال: الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استوى على العرش بذاته، وينزل إلى السماء الدنيا بذاته! فهذه زيادة فهمها قائلها من حسه هـو لا من النقل!! ولقد عجبت لرجل أندلسي يقال له: ابن عبد البر -من أكابر العلماء، ولا تعجبنا طريقة ابن الجوزي في تناول الرجل بهذا الأسلوب- صنف كتاب ((التمهيد)) فذكر فيه حديث النزول إلى السماء الدنيا، فقال: هـذا يدل على أنه سبحانه على العرش لأنه لولا ذلك لما كان لقوله ((ينزل)) معنى! وهذا كلام جاهل بمعرفة الله عز وجل، لأن هـذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الأجسام، فقاس صفة الحق عليه، فأين هـؤلاء واتباع الأثر؟ لقد تكلموا بأقبح ما يتكلم به المتأولون ثم عابوا المتكلمين..

              واعلم أيها الطالب للرشاد أنه قد سبق إلينا من العقل والنقل أصلان عليهما مر الأحاديث كلها.

              أما النقل، فقوله سبحانه:

              ( ليس كمثله شيء )

              ومن فهم هـذا لم يحمل صفة له على ما يوجب الحس.

              وأما العقل، فإنه قد علم مباينة الصانع للمصنوعات، واستدل على حدوثها بتغيرها، ودخول الانفعال عليها، فثبت له قدم الصانع.

              ومضى ابن الجوزي يشرح وجهة نظره، ويرد على المشبهة، ويتأول النصوص التي قد توهم ذلك (أليس في الحديث الصحيح أن الموت يذبح بين الجنة والنار؟ ثم يسأل: كيف يتصور عقلا ذبح الموت؟ وكيف تفسر [ ص: 134 ] الحديث؟ الجواب أن الكلام من باب التمثيل، والصورة المحكية هـي تقريب لمعنى موت الموت وخلود أهل الجزاء فيما نالوا.

              وكذلك ما صح أنه تأتي سورة البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان، إن الكلام لا يكون سحابا! وإنما المراد إتيان ثواب التلاوة.

              ما الدليل الصارف لهذه النصوص عن ظواهرها؟ إنه علمنا بأن الكلام لا يشبه الأجسام، وأن الموت لا يذبح ذبح الأنعام!!

              فإذا كنا صرفنا عن الموت والكلام ما لا يليق بهما أفلا نصرف عن ذات الله سبحانه وتعالى ما يجعله شبيها بخلقه؟ ومعنا في ذلك أدلة العقل والنقل؟

              ربما فهم من هـذا السياق أن ابن الجوزي من محبذي التأويل ودعاته، وأنه إن لم ينتم إلى الخلف فقد انتهج نهجهم وسار على دربهم! وهذا غير صحيح! وسننقل له هـنا جملة عنيفة على المئولين، إن الرجل يرفض التشبيه وما يؤدي إليه، ويريد التمشي مع النصوص في نطاق الأصلين: النقلي والعقلي، اللذين ذكرناهما آنفا، قال رحمه الله: من أضر الأشياء على العوام: كلام المتأولين والنفاة للصفات... فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالغوا في الإثبات ليتقرر في نفوس العوام وجود الخالق، فإن النفوس تأنس بالإثبات، وإذا سمع العامي ما يوجب النفي طرد عن قلبه ما ثبت عنده!

              بيان ذلك أن الله تعالى أخبر باستوائه على العرش، فأنست النفوس إلى إثبات الإله ووجوده.

              قال تعالى:

              ( ويبقى وجه ربك ) (الرحمن: 27).

              وقال:

              ( بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء ) (المائدة: 64 [ ص: 135 ]

              ( غضب الله عليهم ) (المجادلة: 14).

              ( رضي الله عنهم ) (المائدة: 119).

              وأخبر أنه ينزل إلى السماء الدنيا، وقال: ( قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن )

              وقال: ( كتب التوراة بيده، وكتب كتابا فهو عنده فوق العرش ) إلى غير ذلك مما يطول ذكره، فإذا امتلأ العامي والصبي من الإثبات، وكاد يأنس من الأوصاف بما يقود إليه الحس، قيل له: ( ليس كمثله شيء ) (الشورى: 11).

              فمحي من قبله ما توهمه الخيال.

              قال ابن الجوزي : وأكثر الخلق لا يعرفون الإثبات إلا على ما يألفون من الحس، فيقنع الشارع منهم بذلك إلى أن يفهموا التنزيه، فأما إذا ابتدأنا بالعامي.. فقلنا ليس في السماء ولا على العرش ولا يوصف بيد، والكلام صفة قائمة بذاته ليس عندنا منه شيء، وأنه لا يتصور نزوله... امحى من نفسه تعظيم المصحف، بل لم يتحقق في سره إثبات إله، وهذه جناية عظمى على الأنبياء...

              يعني أن هـذا المسلك العقلي المحض يهدم ما اجتهد الأنبياء في تأسيسه، وأخذ الناس به، والأمر لا يحتاج إلى تأويل اليد بالنعمة أو القدرة، ولا أن نشرح حديث القلوب بين أصبعين بأن القلوب بين أثرين من آثار الربوبية، هـما: الإقامة على الحق أو الإزاغة عنه.. إلى آخر ما ذكره أصحاب التأويل في المتشابهات، وأصلح ما يقال: أمرا هـذه الأشياء كما جاءت، ولا تتمحلوا لها تأويلا. [ ص: 136 ]

              قال ابن الجوزي بعد شرح لرأيه:

              ومن فهم هـذا الفصل سلم من تشبيه المجسمة، وتعطيل المعطلة، ووقف على جادة السلف الأول..

              إن نقاد ابن الجوزي اتهموه بالتناقض! وهذا ظلم للرجل، فهو شديد الحرص على حقائق الدين، وعلى تنزيه الله وتمجيده، وقد كان لزاما عليه أن ينقذ الإسلام من صنفين خطيرين:

              أصحاب التصوير المادي الساذج الذي يفهمون الألوهية بخيال الأطفال.

              وأصحاب التجريد العقلي الذين يصورون الألوهية مفهوما يرتفع ويرتفع، ولا يزال يرتفع حتى يغيب عن الأنظار والأفكار..

              وما دام التأويل ضرورة في شرح بعض النصوص، وما دام السلف والخلف قد اضطروا إليه جميعا، فنحن مع السلف نفوض رافضين التجسيم، ومع الخلف نئول رافضين التعطيل...!

              التالي السابق


              الخدمات العلمية