الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
              أصبع الاتهام..

              وأقول في إيجاز وصراحة: إن أصابع الاتهام تشير إلى صنفين من الحكام والعلماء جروا على أمتنا هـذا التخلف المهين خلال قرون متطاولة، وكانوا السبب في الأمراض التي أقعدتها في وقت انطلق فيه أهل الأرض ينسفون العقبات، فلم يكفهم أن بلغوا السحاب حتى غزوا الفضاء، ولم يكفهم أن بنوا الجواري في البحر كالأعلام حتى غاصوا في أجواف البحار يحملون معهم ((الرءوس النووية)) ذات الدمار الشامل.

              في رأيي أن الاستبداد السياسي من أول أسباب الشلل الفكري عند المسلمين، إنه ليس هـينا أن يسير الإنسان في الطريق خائفا يترقب، فقد تهوي عصا على أم رأسه تودي بحياته، أو تناله صفعة على قفاه تودي بكرامته، أو يؤخذ بتلابيبه فيرمى في السجن لا يدري شيئا عن أهله وولده!!

              إن الحاجة إلى الاستقرار النفسي كالحاجة إلى القوت، وكان الخليل إبراهيم بقدر حقوق الإنسان الأدبية والمادية معا عندما جأر - قبيل إنشاء مكة - ( رب اجعل هـذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات ) (البقرة: 126).

              والجندي المأمور بضرب الناس لا يبالي أن يسحق تحت حذائه أكبر مخ في العالمين، لأنه لا يميز بين مخ ومخ، ولا يدري إلا أنه مكلف بالضرب، إنه آلة بشرية في يد جبار..

              وعندما يصف القرآن الكريم سياسة الفراعنة يسلك الآمر والمأمور في نظام واحد ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) (القصص: 8).

              وقد يضفي على الجميع الطابع العسكري القاسي ( هل أتاك حديث الجنود ) [ ص: 58 ] ( فرعون وثمود * بل الذين كفروا في تكذيب * والله من ورائهم محيط ) (البروج: 17،18،19،20). والمستبد لا يرى إلا نفسه، ولا يبصر إلا مصلحته، ولا يقرب منه إلا من يتملقه ويترضاه، وأذكر أنه في بقعة ما من أرض مصر - لا أقدر على تحديدها - ركب وزير مع رئيسه، الذي كان يقود سيارته للتسلية، فاصطدمت السيارة بشجرة على جانب الطريق، ونزل الوزير مسرعا ليقول لسيده: إن قيادتك للسيارة صحيحة ولكن الشجرة كانت تقف خطأ..!!

              في هـذا الجو الكالح من الزلفى والاستعلاء تموت المواهب النفسية، فإذا انضم إلى الاستبداد الأعمى تضييق في الرزق، وأضحى المال عطاء يمر من بين أصابع الفرد الحاكم، فهو يقبض ويبسط، فعفاء على الأخلاق والذمم..

              عندما كنت أقرأ قصة اختراع الآلة البخارية كنت أرى الشاب الانكليزي يتابع ببصره رفع البخار لغطاء الآنية، ويفكر بأناة في استغلال هـذه القوة لمصلحة البشر، كان مطمئن البال وهو يتأمل ويستنتج، إن أحدا لن يجره إلى دار العمدة ليضرب مائة سوط على تصرفه، إنه لن يقف أمام ضابط يقول له: فكر فيما ينفعك ((يا روح أمك)) كما يجري على كثير من الألسنة في الشرق الإسلامي (!) كانت الكرامة الأدبية والمادية قد تقررت للجماهير في بلده بثمن رهيب، دفعه ملك انجلترا من رأسه..!!

              ولا أستطيع التوسع في هـذا البحث، وحبذا لو تولت لجنة جامعية استقصاء آثار الحكم الفردي على الفكر الإسلامي في شتى العصور..

              أما دور المتحدثين في الدين الذين وقفوا النشاط العلمي، فيظهر أولا في البحوث الكلامية الغيبية، والفروع الفقهية الوهمية، والكراسات التي حفلت بحشو لا آخر له، ثم عدت ذلك كله هـو العلم الذي لا علم معه. [ ص: 59 ]

              وبذلك قطعت الطريق على طب ابن سينا، وكيمياء جابر ، وبصريات ابن الهيثم ، ولوغاريتمات الخوارزمي ، بل إن معرفة التقدم العلمي عند العرب لا تجد مراجعه إلا في مكتبات الغرب، وعند المنصفين من المؤلفين الأوربيين!

              أما جهود آبائنا في علوم الكون والحياة والطب والفنون الحربية فهي أقل من أن تذكر أو يؤرخ لها..!!

              إن الجهاز العصبي للإنسان يضنيه ما اخترعه الغلاة والمخرفون من عبادات وأوراد، ولا يبقى له وقت يستجم فيه، ويعكف بعده على التأمل والاختراع..

              عندما يكلف مسلم - بعد ما ورد من أذكار اليوم والليلة - أن يقول: يا لطيف عشرة آلاف مرة، فماذا يبقى له من فكر يكتشف به المجهول أو يخترع شيئا..؟

              لو استراح في نومه، وقام يتدرب على عمل عسكري في البر أو البحر أو الجو، لكان ذلك أجدى عليه وعلى الإسلام، إن ربنا تبارك اسمه أعفى المجاهدين من قيام الليل حتى يوفر لهم القدرة على جهاد النهار، وكذلك أعفى التجار حتى يتفوقوا في الميدان الاقتصادي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة كفتاه.. ) .

              لكن الفكر العام عند جمهور المسلمين أن علوم الكون والحياة نافلة، ونحن نستميت في تفهيم الشباب الآن أن كلمة التوحيد مهددة ما لم نبرع في هـذه العلوم..!!

              وقد رأيت أحد طلاب الطب يقتني أسفارا ضخمة في الفقه والحديث فأشحت عنها قائلا:

              أولى بك أن تقتني هـذه الأسفار الضخام في المعرفة التي تخصصت لها، [ ص: 60 ] لماذا لا تنافسون أطباء (( لندن )) و(( باريس )) في رسوخهم وشموخهم بالمزيد من الاطلاع والتعمق؟

              وذكرت أن طبيبا شابا من أصدقائي كان يتحدث مع أستاذ له في ((الخلية)) فإذا الأستاذ يمد يده إلى رف قريب ويتناول مجلدا كبيرا ويناوله الطبيب الدارس، وإذا المجلد كله عن ((الخلية)) الحية وما أودع الله فيها من أسرار...

              إن ألوفا مؤلفة من الكتب العلمية تساند الحضارة الحديثة، وتضمن لها هـيمنة على شئون الدنيا في كل ناحية من نواحي الحياة، والقوم يدرسون بعشق هـذه المواد كلها في الوقت الذي أجد فيه طالبا جامعيا في إحدى الكليات العملية مشغولا بالرد على الجهمية !! [ ص: 61 ]

              التالي السابق


              الخدمات العلمية