الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا سفيان بن وكيع حدثنا جميع ) بالتصغير ( ابن عمر ) صوابه عمير بالتصغير ( ابن عبد الرحمن العجلي ) بكسر العين وسكون الجيم ( حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة ) بفتح الواو واللام ويجوز بالضم والسكون أي من أولاد أبي هالة ( زوج خديجة ) بدل من أبي هالة ( يكنى أبا عبد الله ) بضم فسكون ويجوز فتح كافه وتشديد نونه من كنى ستر ، سمى الكنية بذلك لما فيها من ترك التصريح بالاسم والاكتفاء بالكناية ، ( عن ابن لأبي هالة ) قيل فيه انقطاع لابن أبي هالة من قدماء الصحابة ، وأبو عبد الله هذا من الطبقة السادسة ، وأهلها لم يدركوا أحدا من الصحابة ( عن الحسن بن علي ) روى عن جده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر حديثا ، وأخوه الحسين روى عنه - صلى الله عليه وسلم - ثمانية أحاديث كما قال بعضهم : ( قال ) أي الحسن ( سألت خالي ) أي أخا أمه من أمها ( هند بن أبي هالة وكان ) أي هند ( وصافا ) أي كثير الوصف ، وفي القاموس الوصاف العارف بالوصف انتهى ، ( عن حلية رسول الله ) وفي نسخة النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) أي وصفا صادرا عنها والتقدير وصافا بحاثا عنها وهذه الجملة كجملة ( وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا ) إما معترضتان بين السؤال والجواب لبيان كمال الوثوق والضبط لما يرويه حتى يتلقى عنه بالقبول ، أو حاليتان مترادفتان ، أو متداخلتان عن الفاعل أو المفعول ، أو الأولى عن المفعول والثانية عن الفاعل ، وفي هذا خفاء وتكلف فالأول أولى ( فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخما ) بسكون المعجمة وكسرها ، أي عظيما في ذاته ، ( مفخما ) أي معظما في صفاته ، وفي النهاية أي عظيما معظما في الصدور والعيون ، وإن لم تكن خلقته في جسمه الضخامة ( يتلألأ وجهه ) أي يظهر لمعان نوره ويلمع كاللؤلؤ ( تلألأ القمر ) بالنصب على المفعول المطلق أي : لمعان نور القمر ( ليلة البدر ) أي : وقت نهاية نوره وغاية ظهوره ( فذكر الحديث بطوله ) أي : كما مر في أول الكتاب وقد مر الكلام عليه من كل باب ( قال الحسن : فكتمتها ) أي : هذه الحلية ذكره ابن حجر ، والأظهر هذه الرواية ( الحسين ) أي : عنه فنصبه بنزع الخافض ، وإيصال الفعل على حد : ( واختار موسى قومه ) ولو ثبت تشديد ( كتمتها ) فهو المفعول الثاني ( زمانا ) أي : مدة مديدة أو قليلة عديدة ، قيل : الإخبار اجتهاده وجده في تحصيل العلم بحلية جده ( ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه ) أي : إلى السؤال عنها من عند خاله ، ( فسأله ) أي : الحسين ( عما سألته ) أي : عنه ( ووجدته ) أي : الحسين زائدا علي في تحصيل هذا المعنى ( قد سأل أباه ) أي : علي بن أبي طالب ، وفي نسخة أبي قال الحنفي : هذا من قبيل رواية الأكابر عن الأصاغر ؛ لأن الحسن فيه راو عن الحسين انتهى ، والصواب أنه من رواية الأقران كما هو مقرر في علوم الحديث مع أن ما بينهما لم يكمل سنة ( عند مدخله ) أي : طريق سلوكه حال كونه داخل [ ص: 172 ] بيته ( وعن مخرجه ) أي : عن أطوار خارج بيته ( وشكله ) بفتح أوله في النسخ الصحيحة والأصول المعتمدة أي : وعن طريقته المسلوكة بين أصحابه في مجلسه ، فهو أخص من مخرجه ، وقال ابن حجر : بكسر أوله أي : حسن طريقته وهيئته ويجوز فتحه ، ومعناه حينئذ : المثل والمذهب انتهى . ولا معنى للمثل والمذهب هنا اللهم إلا أن يقال : المراد بالمذهب المقصد كما فسره صاحب النهاية ، وقال ابن الأنباري : شكله معناه عما يشاكل أفعاله فهو أعم من المدخل والمخرج كليهما ، وفي النهاية الشكل بالكسر الدل ، وبالفتح المثل والمذهب وفيه ما سبق ، وقال صاحب القاموس : الشكل الشبه والمثل ويكسر وما يوافقك وما يصلح لك ، يقال : هذا من هواي ومن شكلي ، وواحد الأشكال للأمور المختلفة المتشكلة ، وصورة الشيء المحسوسة والمتوهمة والشاكلة والشكل والناحية والطريقة والمذهب قال ميرك : وإنما احتيج إلى هذه التأويلات ؛ لأنه ليس في هذا الحديث ذكر صفة شكله مع قوله ( فلم يدع ) أي : لم يترك علي - رضي الله عنه - ( منه ) أي : مما سأله عنه ( شيئا ) أو فلم يدع الحسين منه ، أي : من السؤال عن أحواله شيئا ، والعجب من شارح ؛ حيث قال : الظاهر جعل ضمير منه لعلي ( قال الحسين : فسألت أبي عن دخول رسول الله ) وفي نسخة النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) وهذا بيان لمدخله ( فقال : كان إذا آوى ) بفتح الهمزة ويجوز مده أي : إذا راجع ( إلى منزله ) ودخله ( جزأ ) بتشديد الزاي وفتح الهمز أي : قسم ووزع ( دخوله ) أي : زمان دخوله ( ثلاثة أجزاء جزأ ) أي : حصة ( لله ) أي : لعبادته من طهارة وصلاة وتلاوة ونحوها ، وهو بدل بعض من كل إن كان ما عطف عليه بعد الإبدال ، وكل من كل إن كان قبله ( وجزأ لأهله ) أي : للالتفات إلى معرفة أحوالهم وسماع أقوالهم ورؤية أفعالهم مما يتعلق بحسن المعاشرة والمخالطة والمكالمة والملايمة والمداعبة والمصاحبة وقد صح أنه كان يرسل لعائشة بنات الأنصار يلعبن معها وأنها إذا شربت من إناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها فشرب ، وعند أحمد وغيره عن عائشة : ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت للنبي - صلى الله عليه وسلم - إناء من طعام فما ملكت نفسي أن كسرته ، فقلت يا رسول الله ما كفارته ؟ قال : إناء كإناء ، وطعام كطعام ، وفي رواية : فأخذتها من بين يديه ، فضربتها وكسرتها فقام يلتقط اللحم والطعام ويقول غارت أمكم ، وهذا من خلقه العظيم ، وحلمه الكريم ، وفي الحديث أن الغيرى لا تؤاخذ لحجب عقلها بما يثور عن الغيرة ، وفي رواية : أن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه ( وجزأ لنفسه ) أي : ويفعل فيه ما يعود عليها بالتكميل الدنيوي والأخروي ، وفصله عن الجزء الأول ؛ لأنه لمحض الشهود بجمال واجب الوجود وصاحب الكرم والجود في مرتبة جمع الجمع ، والبقاء بعد الفناء ، فكان الجزء الأول مختصا بحال الفناء المناسب لمقام التضرع والثناء ، والجزء الثاني مختصا ببقاء الحظ النفساني ، والجزء الثالث هو مقام الجمع الأكمل ، وهو حال الأصفياء الكمل الذين رتبتهم التكميل المناسب لقوله ( ثم جزأ جزأه ) أي : المختص بنفسه الشريفة في المرتبة المنيفة المحيطة بالطرفين من الحالين ( وبينه وبين [ ص: 173 ] الناس ) أي : عموما وخصوصا من الواردين عليه الملتجئين إليه ، وهذا معنى قوله ( فرد ) وفي نسخة فيرد أي فيصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ( ذلك ) أي : الجزء الذي بينه وبين الناس ( بالخاصة ) أي : بسببهم ( على العامة ) متعلق بـ ( رد ) قال ابن الأنباري : فيه ثلاثة أقوال : الأول : أن الخاصة تدخل عليه في ذلك الوقت دون العامة فتستفيد ثم تخبر العامة بما سمعت من العلوم فكان - صلى الله عليه وسلم - يوصل الفوائد إلى العامة بواسطة الخاصة ، ويدل عليه قوله فيما بعد ( يدخلون روادا ويخرجون أدلة ) . والثاني : أن الباء فيه بمعنى من أي : يرد على العامة من جزء الخاصة . والثالث : أن يجعل العامة مكان الخاصة فيرد ذلك على العامة بدلا من الخاصة . كذا نقله ميرك عن المنتقى وأما قول ابن حجر ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس فصيره جزأين لا ينافي قوله ثلاثة أجزاء ؛ لأن كلا من هذين لما عاد لشيء واحد هو نفسه الشريفة كانا بمنزلة شيء واحد فاتضح قوله ( ثلاثة أجزاء ) فغير مضبوط مع أنه ليس بمربوط ( ولا يدخر ) بتشديد الدال المهملة على ما في النسخ المعتمدة والأصول المصححة وإن جوز في اللغة إعجام الذال فقول ابن حجر هو بذال معجمة أو مهملة إذ أصله يذتخر فقلبت التاء ذالا معجمة ثم هي مهملة ، وهذا هو الأكثر أو مهملة ثم هي معجمة ، وأدغمت ليس في محله مع أن قلب التاء ذالا معجمة غير معروف فالصواب أن يقال في الإعلال : إن أصله لا يذتخر بالذال المعجمة على أنه افتعال من الذخيرة فقلبت تاؤه دالا للقاعدة المقررة في علم الصرف ، ثم قلبت المعجمة مهملة لقرب المخرج ، ثم أدغمت في الأخرى للمماثلة ، وجوز بعضهم أن يقلب الدال المهملة المنقلبة عن التاء ذالا معجمة فتدغم ، والحاصل أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يخفي ( عنهم ) أي : عن العامة أو عن الخاصة ثم تصل إلى العامة أو عنهما أو عن الناس ( شيئا ) أي : مما يتعلق بهم وفيه نفع لخصوصهم أو عمومهم ( وكان من سيرته ) أي : من ( طريقته في جزء الأمة ) أي : في حصتهم من الداخلين عليه والواصلين إليه . ( إيثار أهل الفضل ) أي : اختيار أهل الفضلة الزائدة حسبا أو نسبا أو سبقا أو صلاحا فيقدمهم على غيرهم في الدخول والتوجه والإقبال والإفادة وإبلاغ أحوال العامة ( بإذنه ) أي : بإذنه - صلى الله عليه وسلم - لهم في ذلك فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله وأبعد الحنفي حيث جعل الضمير لأهل الفضل ، والإضافة إلى المفعول وهو خلاف المعقول ، وفي بعض الروايات بفتح أوليه وأصله صغار الإبل والغنم ونحوهما ، فالمعنى أنه كان يخص أهل الفضل بأشباه ذلك ويقسمه على قدر فضلهم كما يشير إليه قوله ( وقسمه ) أي : فيهم كما في نسخة ( على قدر فضلهم في الدين ) وهو بفتح القاف مصدر قسمه ، ورفعه على الابتداء والضمير راجع إليه - صلى الله عليه وسلم - والمفعول مقدر أي : ما عنده من خيري الدنيا [ ص: 174 ] والآخرة وجوز أن يكون الضمير للجزء الذي بينه وبين الناس والظاهر أن قوله ( فضلهم ) في الدين احترازا عن فضلهم في أحسابهم وأنسابهم لقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم كما أنه قد يقال كما ورد ( خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ) ( فمنهم ) الفاء لتفصيل ما أجمله أولا أي : فبعض أهل الفضل أو الأصحاب والناس ( ذو الحاجة ) أي : الواحدة ( ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج ) والحاجات أعم من الدنيوية والأخروية ( فيتشاغل بهم ) أي : يجعل نفسه مشغولة بذي الحاجة ومن بعده أو فيشغل بهم ويشغلون به على قدر الحاجة ، والأول أظهر لقوله ( بهم ) وإن كان المتبادر هو الثاني للتفاعل ( ويشغلهم ) من الإشغال وفي نسخة بفتح الياء والغين من الشغل أي : يجعلهم مشغولين ( فيما يصلحهم ) قال الحنفي : وهذا أولى مما وقع في بعض النسخ ويشغلهم من الإشغال ؛ لأنه قال في التاج : الإشغال لغة رديئة في الشغل انتهى . وقال ميرك : في النسخ الحاضرة المسموعة المصححة بضم الياء من الإشغال ، وقال الجوهري : قد شغلت فلانا شاغل ولا تقل أشغلت ؛ لأنها لغة رديئة انتهى . فعلى هذا ينبغي أن تقرأ هذه الكلمة بفتح الياء من المجرد وإن صحت الرواية بالضم فلا ينبغي إطلاق الرداءة على تلك اللغة وقد قال صاحب القاموس : أشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة ، قلت : لو صحت الرواية لكفر من قال بالرديئة ، والحاصل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجعل الداخلين عليه مشغولين بما يصلحهم وفي نسخة : أصلحهم وفي أخرى بما يصلحهم ، وما مصدرية أو موصولة أي : يشغلهم بالأمر الذي يصلحهم في دينهم ودنياهم وأخراهم ثم قوله ( والأمة ) بالنصب عطف على الضمير المنصوب في يصلحهم وهو من قبيل عطف العام على الخاص سواء كانت الأمة أمة الدعوة والإجابة أو أعم منهما ( من مسألتهم عنه ) قال الحنفي : من بيان لما في قوله ما يصلحهم يعني أن ما يصلحهم والأمة هو مسألتهم عنه وهذا أولى مما وقع في بعض النسخ عنهم بدل عنه ، وتعقبه ابن حجر بأن الأصوب أن " من " تعليلية ، والمعنى من أجل سؤالهم إياه عنه أي : عن ما يصلحهم وفي نسخة عنهم أي : عن أحوالهم انتهى ، ووقع في كتاب ( الوفاء ) لابن الجوزي فيشغلهم فيما أصلحهم من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم انتهى ( وإخبارهم ) بكسر الهمزة مجرورا على ما في الأصول عطف على مسألتهم ، والإضافة إما إلى الفاعل أي : إخبارهم إياه - صلى الله عليه وسلم - ( بالذي ينبغي لهم ) فحينئذ هذا من قبيل عطف التفسير ، أو المعنى : إخبارهم بالذي ينبغي لهم أي : لمن هو ليس بحاضر بل هو غائب فعلى هذا قوله ( ويقول ) أي : بعد الإفادة لهم ( ليبلغ الشاهد منكم الغائب ) كالمبين له أو إلى المفعول يعني إخباره - صلى الله عليه وسلم - إياهم فهو عطف على مسألتهم بالذي ينبغي لهم فيكون هذا إشارة إلى جواب مسألتهم ، وهذا الوجه أفيد ، كذا أفاده الحنفي ، وقال ابن حجر : وإخبارهم مضاف للمفعول وفاعله النبي - صلى الله عليه وسلم - أي : ومن أجل إخباره إياهم فهو عطف على مسألتهم وزعم عطفه على ما يصلحهم تكلف غير مرضي وفي نسخة بإخبارهم عطف على بهم وهو ظاهر [ ص: 175 ] بل لو حمل عليه النسخة الأولى لكان أوضح انتهى ، وبعده لا يخفى .

ثم قوله ( ليبلغ ) بتشديد اللام من التبليغ ويجوز تخفيفها من الإبلاغ ويساعده قوله ( وأبلغوني ) أي : يقول لهم أيضا أوصلوا إلي ( حاجة من لا يستطيع إبلاغها ) أي : من الضعفاء كالنساء والعبيد والإماء ( فإنه ) أي : الشأن ( من أبلغ سلطانا ) أو واليا أو قادرا ( حاجة من لا يستطيع إبلاغها ) أي : دينية أو دنيوية ( ثبت الله قدميه يوم القيامة ) أي : على الصراط ؛ لأنه لما حركهما في إبلاغ حاجة هذا الضعيف ومشى بهما في مساعدة الضعيف جوزي بعود صفة كاملة تامة لهما وهي ثباتهما على الصراط يوم تزل فيه الأقدام جزاء وفاقا ( ولا يذكر ) بصيغة المجهول أي : لا يحكى ( عنده إلا ذلك ) أي : ما يذكر من الناس والمحتاج إليه ، وقال الحنفي : أي ما يصلحهم وهو بعيد جدا ثم الحصر غالبي أو إضافي ، والمعنى لا يذكر عنده إلا ما يفيدهم في دينهم أو دنياهم دون ما لا ينفع فيهما كالأمور المباحة التي لا فائدة فيها فإنها كانت لا تذكر عنده غالبا ؛ لأنه وإياهم في شغل شاغل عن ذلك ( ولا يقبل من أحد ) أي : من كلام أحد شيئا ( غيره ) أي : غير ما يتعلق بحاجة أحد فهذه الجملة كالمؤكدة بما قبلها ( يدخلون ) أي : الناس عليه ( روادا ) بضم فتشديد : جمع رائد بمعنى طالب أو طالبين للمنافع والحكم المشتملة على النعم ملتمسين للحاجات الدافعة عن النقم ، والرائد في الأصل من يتقدم القوم لينظر لهم الكلاء ومساقط الغيث ، واستعير هنا لتقدم أفاضل أصحابه في الدخول عليه ليستفيدوا أو يفيدوا سائر الأمة ويكون سببا لوقايتهم من الوقوع في المهالك ومواقع الظلمة ( ولا يفترقون إلا عن ذواق ) بفتح أوله فعال بمعنى مفعول من الذوق ويقع على المصدر والاسم أي : عن مطعوم حسي على ما هو الأغلب أو معنوي من العلم والأدب فإنه يقوم لأرواحهم مقام الطعام لأجسادهم وعن بمعنى بعد كقوله تعالى طبقا عن طبق وقال ميرك : الأصل في الذواق الطعام إلا أن المفسرين كلهم حملوه على العلم والخير ؛ لأن الذوق قد يستعار كما في القرآن فأذاقها الله لباس الجوع والخوف أي : لا يقومون من عنده إلا وقد استفادوا علما جزيلا وخيرا كثيرا ويلائمه قوله ( ويخرجون ) أي : من عنده ( أدلة ) جمع [ ص: 176 ] دليل أي هداة للناس كما ورد ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) قال ميرك : الرواية المشهورة المسموعة المصححة بالدال المهملة ، والمراد : أنهم يخرجون من عنده بما قد علموه فيدلون الناس وينبئونهم به ، وهو جمع دليل مثل شحيح وأشحة وسرير وأسرة ، وذكر في المنتقى للعلامة سعد الدين الكازروني وبالذال المعجمة أي : يخرجون متعظين بما وعظوا متواضعين من قوله تعالى أذلة على المؤمنين وهو حسن إن ساعدته الرواية انتهى .

وأقول : فعلى هذا لا يناسب قوله ( يعني على الخير ) إلا أن يقال المعنى : كائنين على الخير ، قلت : الأظهر حينئذ أن يكون على بمعنى مع كقوله تعالى وآتى المال على حبه ، والمراد بالخير العلم والعمل أو إرادة الخير فيقصده لأهله والحاصل أنه كان لا يزيدهم زيادة العلم إلا تواضعا واستصغارا لا عتوا واستكبارا كما رواه الديلمي في مسنده الفردوس عن علي - كرم الله وجهه - مرفوعا ( من ازداد علما ولم يزدد في الدنيا زهدا لم يزدد من الله إلا بعدا ) ( قال ) أي : الحسين ( فسألته ) أي : أبي ( عن مخرجه ) أي : عن أطوار زمان خروج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( كيف كان يصنع فيه ، قال : ) أي : علي ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخزن ) بضم الزاي وكسرها أي : يحفظ ( لسانه إلا فيما يعنيه ) بفتح أوله أي : يهمه وينفعه ( ويؤلفهم ) عطف على يعنيه أو على يخزن ، وهو الأظهر ، وهو بفتح الهمزة ويجوز إبداله واوا بتشديد اللام من الألفة أي : يجعلهم رحماء ويجمعهم كأنهم نفس واحدة من ألفت بين الشيئين تأليفا ويقال أيضا : ألف مؤالفة أي : مكملة أي : ويكملهم في مرتبة الألفة وأغرب الحنفي حيث قال أي : يعطيهم الوفاء مع عدم ملائمته لقوله ( ولا ينفرهم ) بتشديد الفاء أي : لا يلقيهم في فعله ، وقوله بما يحملهم على النفور كما قال تعالى في حقه : ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك وقد ورد بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا وأبعد الحنفي في قوله ، والمعنى لا يفضل بعضهم على بعض في الحسب مع أنه ينافيه قوله ( ويكرم ) من الإكرام أي : يعظم ( كريم كل قوم ) أي : بما يناسبه من التعظيم والتكريم وقد جاء في حديث له طرق كثيرة كاد أن يكون متواترا ( إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه ، وهو أفضلهم دينا ونسبا وحسبا ) فالمعنى كما قاله ابن حجر أي : يجعلهم ألفين مقبلين عليه بكليتهم أو يؤلف بعضهم على بعض حتى لا يبقى بينهم تباغض بوجهه ومن ثمة امتن الله تعالى بقوله فألف بين قلوبكم وما قيل أن معنى يؤلفهم يعطيهم الوفاء فهو لا يوافق اللغة ولا المراد ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يتألف بالمال جفاة أصحابه ممن لم يتمكن الإسلام فيهم تمكنه في غيرهم ومن ثمة قال - صلى الله عليه وسلم - : إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله على وجهه في نار جهنم . [ ص: 177 ] ( ويوليه ) بتشديد اللام أي : يجعل كريمهم واليا ( عليهم ) وهذا من تمام حسن نظره وعظيم تدبيره فإن القوم طوع لكبيرهم مع ما فيه من الكرم المقتضي لأن يتقدم ( ويحذر الناس ) بفتح الذال من الحذر بمعنى الاحتراس وأبعد الحنفي في جعله بمعنى الاتقاء وفي نسخة من التحذير أي : يخوفهم قال ميرك : أكثر الرواة على فتح الياء والذال وتخفيفها على أن يكون معناه معنى قوله ( ويحترس منهم ) أي : يحفظ نفسه من أذاهم أو من نفورهم وإن روي بضم الياء وتشديد الذال وكسرها فيكون متعديا لمفعولين ، والمرجو أن لا يكون به بأس ؛ لأنه مهما أمكن حمل كل لفظ على حدة كان أولى فيكون معناه أنه يحذر الناس بعضهم من بعض ويأمرهم بالحزم ويحذر هو أيضا منهم ويحتمل أن يكون المعنى على هذه الرواية أنه يحذر الناس من عذاب الله وعقابه فيكون التحذير بمعنى الإنذار ووقع في بعض الروايات ويحذر الناس الفتن فإن صح فهو وجه آخر ، قلت : بل يقال : المراد بالتحذير المعنى الأعم ، والله أعلم ، وأما قول ميرك شاه أن التحذير بمعنى الإنذار معنى حسن لكن لا يلائم المقام فلا يظهر وجه نفي المرام ، والمراد : أنه يحترس منهم احتراسا ( من غير أن يطوي ) بكسر الواو يمنع ( على أحد منهم ) أي : من الناس ، وهو ظاهر وفي نسخة منه أي : من الإنسان وفي أخرى من أحدهم ( بشره ) بكسر فسكون أي : طلاقة وجهه وبشاشة بشرته وفيه دفع توهم نشأ من قوله يحترس ولذا أكده بقوله ( ولا خلقه ) بضمتين أو ضم أوله أي : ولا حسن خلقه ( ويتفقد أصحابه ) أي : يطلبهم ويسأل عنهم حال غيبتهم فإن كان أحد منهم مريضا يعوده أو مسافرا يدعو له أو ميتا فيستغفر له ( ويسأل الناس ) أي : عموما أو خصوصا ( عما في الناس ) أي : عما وقع فيهم من المحاسن والمساوئ الظاهرة ليدفع ظلم الظالم عن المظلوم أو عما هو متعارف فيما بينهم وليس المعنى أنه يتجسس عن عيوبهم ويتفحص عن ذنوبهم ( ويحسن الحسن ) بتشديد السين من التحسين أي : يحكم بحسن الحسن أو ينسبه إليه ( ويقويه ) من التقوية أي : ويظهر تقويته بدليل منقول أو معقول ( ويقبح القبيح ) بتشديد الباء من التقبيح ( ويوهيه ) بتشديد الهاء وتخفيفها من التهوية والإيهاء أي : يضعفه وفي بعض النسخ بالوجهين من الوهن ، والمآل واحد وقيل المعنى يقبل الحسن ويثنيه ويرد [ ص: 178 ] القبيح ويعيبه ( معتدل الأمر ) بالرفع على أنه خبر مقدر هو ، وهو قوله ( غير مختلف ) عطف عليه ، وقد صرح الحنفي بأن الرواية فيهما بالرفع مع أن ظاهر السياق نصبه عطفا على خبر كان وما عطف عليه بحذف حرف العاطف ولعل وجه العدول عن النصب إلى الرفع أن تلك الأخبار المتعاطفة أمور تطرأ عليه تارة وأضدادها أخرى ، ككونه يخزن لسانه وما عطف عليه ، وأما كونه معتدل الأمر وما بعده فهي أمور لازمة له لا ينفك عنها أبدا فتعين لإفادة ذلك قطعها عما قبلها وذكرها على هذا الوجه البديع ، وقد غفل عنه بعضهم فقال : وكان جملة ( معتدل الأمر ) معترضة أي : بناء على ما في بعض النسخ ( ولا يغفل ) بالعطف لكن الذي في الأصول المصححة حذف الواو فتعين ما تقدم ، والله أعلم .

ثم ما ذكره ابن حجر أن قوله غير مختلف حال مخالف للنسخ المصححة وحاصل معناه أن جميع أفعاله وأقواله على غاية من الاعتدال ، وهي مع ذلك محفوظة عن أن يصدر عنها أمور متخالفة المحامل متعارضة الأواخر والأوائل فإن ذلك ينشأ عن خفة العقل وسوء الأخلاق والشمائل ، وأما من كملت له المحاسن فجميع أموره منتظمة وأحواله ملتئمة ومآل اعتدال الأمر وعدم اختلافه واحد فكان الثاني مؤكدا للأول .

ثم اعلم أن قوله ولا يغفل بسكون الغين المعجمة وضم الفاء هو المضبوط في الأصول والمعنى لا يغفل عن مصالحهم من تذكيرهم وإرشادهم ونصيحتهم وإمدادهم ( مخافة أن يغفلوا ) أي : عنها بناء على مراعاة المتابعة ، وإن الناس على دين ملوكهم وإن المريدين على دأب شيوخهم والتلاميذ على طريقة أستاذيهم أو خشية أن يغفلوا عن الاستفادة فيقعوا في عدم الاستقامة ، قال الحنفي : وفي بعض النسخ بالفاء والعين المهملة على وزن يعلم ومخافة أن يفعلوا كذلك ، ولعل المراد أنه كان لا يفعل في بعض العبادات فيما بين الناس مخافة أن يكتب عليهم ( ويملوا ) بفتح الميم وتشديد اللام من الملالة لقوله - عليه السلام - ( خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا ) .

وفي نسخة ( أو يملوا ) بكلمة " أو " للتنويع ، وقال الحنفي : للشك ، وهو غير صحيح لثبوت أصل الفعل في جميع الأصول وفي نسخة ( أو يميلوا ) من الميل أي : يميلوا إلى الدعة والرفاهية ، وهو يؤيده نفي الغفلة وأغرب ابن حجر حيث جعله أصلا والباقي نسخا ( لكل حال ) أي : من أحواله وغيره ( عنده عتاد ) بفتح أوله ، وهو العدة والتأهب مما يصلح لكل ما يقع يعني أنه - صلى الله عليه وسلم - قد أعد للأمور أشكالها ونظائرها كذا ذكره ميرك والأظهر أنه - عليه الصلاة والسلام - أعد لكل أمر من الأمور حكما من الأحكام ودليلا من أدلة الإسلام ، أو المعنى أنه - عليه السلام - كان مستعدا لجميع العبادات من الجهاد وغيره ( لا يقصر ) من التقصير وفي بعض النسخ بضم الصاد من القصور ، وهو العجز ومآلهما واحد ، وفي نسخة بالواو العاطفة والمعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - ما كان يقع منه تقصير عمدا ولا قصور خطأ ( عن الحق ) أي : عن إقامة الحق في سائر أحواله حتى يستوفيه لصاحبه إن علم منه شحا فيه ولا يعطي فيه [ ص: 179 ] رخصة ولا تهاونا وزعم أن لا يقصر إذا كان مخففا صفة ( عتاد ) ليس في محله ؛ لأن المقام ينبو عنه بكل وجهه كما هو جلي عند أهله ( ولا يجاوزه ) أي : لا يجاوز الحق ولا يتعدى عنه وحاصله أنه لم يكن في فعله إفراط ولا تفريط كذا ذكره الحنفي وتعقبه ابن حجر بأنه لا مجال هنا لذكر إفراط ولا تفريط إثباتا ولا نفيا انتهى ، ولا يخفى أن هذا هو حد الاعتدال وعدم الاختلاف السابق في المقال ، ولذا يعاقب اثنان في حد واحد زاد أحدهما واحدا من الأعداد والآخر نقص واحدا منها عن المراد ويعاقب الأول بأن غضبك وحكمك وتدبيرك أزيد منا والثاني بأن علمك وحلمك ورحمتك أكثر منا ( الذين يلونه ) من الولي بمعنى القرب أي المقربون له ( من الناس خيارهم ) أي : خيار الناس ، وهو خبر الموصول ومن بيان له ( أفضلهم عنده أعمهم نصيحة ) أي : للمسلمين ، وهي إرادة الخير للمنصوح له ، وقد ورد في حديث صحيح ( ألا إن الدين النصيحة ) وكرره ثلاثا ( وأعظمهم عنده منزلة ) أي : مرتبة ( أحسنهم مواساة ) أي : بالنفس والمال لقوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ( وموازرة ) أي : معاونة في مهمات الأمور لقوله تعالى وتعاونوا على البر والتقوى وكلاهما بالواو فإن المواسلة بمعنى المساواة في الأمور كالمعاش والرزق يقال : آسيته بمال مواساة أي : جعلته أسوتي فيه فأصلها بالهمز فقلبت واوا تخفيفا كما قرأ ورش " لا تواخذنا " بالواو مع أن المؤاخذة مهموزة لا غير على ما صرح به صاحب القاموس ويمكن أن يكون للازدواج أو بناء على أنه لغة ضعيفة فيه ، وأما الموازرة فهو من الوزير ، وهو الذي يوازر الأمر أي : يعاونه أو يحمل عنه وزره وثقله بمساعدته له فيما يثقل عليه من الرأي ( قال ) أي : الحسين ( فسألته ) أي : عليا ( عن مجلسه ) أي : عن أحواله - صلى الله عليه وسلم - في وقت جلوسه ( فقال ) أي : علي ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقوم ) أي : من مجلسه ( ولا يجلس ) أي : في موضعه ( إلا على ذكر ) أي : على ذكر الله كما في نسخة ، وفي عدم ذكره دلالة على كمال ذكره والجار متعلق بكلا الفعلين على سبيل التنازع ( وإذا انتهى ) أي : وصل ( إلى قوم ) أي : جالسين وأغرب الحنفي حيث قال أي : إذا بلغهم يقال : أنهيت إليه الخبر فانتهى ، وتناهى أي : بلغ ، ذكره الجوهري ووجه غرابته أن انتهى حينئذ مطاوع فكيف يكون متعديا بنفسه ( جلس حيث ينتهي به ) أي : بالنبي صلى الله [ ص: 180 ] عليه وسلم خلافا لمن توهم أن الضمير للجلوس ( المجلس ) وهو بكسر اللام : موضع الجلوس وبفتح اللام المصدر على ما ذكره الجوهري لكن الرواية هنا بالكسر ، والمعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في المكان الخالي ، أي مكان كان ؛ لأن شرف المكان بالمكين أو لم يكن يطلب الصدارة بناء على التواضع وحسن المعاشرة ويؤيده قوله ( ويأمر بذلك ) أي : الجلوس عند منتهى المجلس ، وقد روى الطبراني والبيهقي عن شيبة بن عثمان مرفوعا .

إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فإن وسع له فليجلس وإلا فلينظر إلى أوسع مكان يراه فليجلس فيه ( يعطي كل جلسائه ) أي : كل واحد من مجالسيه ( بنصيبه ) أي : بحظه ، والباء دخلت على المفعول الثاني من باب أعطيت تأكيدا وقيل إنه لغة قليلة وجوز أن المفعول مقدر ، وقوله بنصيبه صفته أي : شيئا بقدر نصيبه وأفرد الضمير ؛ لأن ( كل ) إذا أضيف إلى جمع دلت على أن المراد كل فرد من أفراد الجمع ، وأبعد الحنفي في قوله : والضمير في نصيبه ليس للكل ولا لجلسائه بل لما يفهم ضمنا فهذا مثل قولهم : الترتيب جعل كل شيء في مرتبته واحفظه فإنه ينفعك في مواضع عديدة انتهى ، وبعده لا يخفى ( لا يحسب ) بفتح السين وكسره وبهما قرئ في السبعة أي : لا يظن ( جليسه ) أي : مجالسه - صلى الله عليه وسلم - والإضافة للجنس ( أن أحدا ) أي : من أمثاله ( أكرم عليه ) عليه السلام ( منه ) أي : من نفسه ( من جالسه ) أي : جلس معه ، وفي نسخة فمن جالسه بالفاء ( أو فاوضه ) أي : راجعه ( في حاجة ) و ( أو ) للتنويع ، وأبعد الحنفي في تجويزها للشك ( صابره ) أي : غلبه في الصبر ذكره الحنفي ، وهو غير صحيح ؛ لأن المفاعلة لم تجئ للغلبة بل مجردة ، نعم المفاعلة إذا لم تكن للمغالبة فهي للمبالغة ، فالمعنى : بالغ في الصبر معه وعلى ما يصدر عنه حيث لا يبادر بالقيام ولا يقطع له الكلام بل يستمر معه ( حتى يكون هو ) أي : المجالس أو المفاوض ( المنصرف ) أي : عنه - صلى الله عليه وسلم - لا الرسول - عليه السلام - عنه وهذا مستفاد من تعريف المسند مع ضمير الفصل ، وقال ابن حجر : وهذا يتعلق بجالسه ، وأما فاوضه فالمراد بمصابرته فيه أنه يصبر لمفاوضته حتى ينقضي كلامه أقول : والأظهر أنه - صلى الله عليه وسلم - من كمال خلقه وحسن معاشرته يصابره أيضا حتى ينصرف لاحتمال عروض حاجة أخرى له ، والله سبحانه أعلم ( ومن سأله حاجة لم يرده ) بفتح الدال المشددة ، ويجوز ضمها وسبق تخفيفها أي : لم يصرفه ( إلا بها ) أي : بتلك الحاجة عينها ( أو بميسور ) أي : حسن لا بمعسور خشن ( من القول ) أي : بالوعد أو بالشفاعة أو بالرهبة عن الدنيا والرغبة في العقبى ، وهذا [ ص: 181 ] مستفاد من قوله تعالى وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا ( قد وسع ) بكسر السين المخففة أي : وصل ( الناس ) أي : أجمعين حتى المنافقين لكونه رحمة للعالمين ( بسطه ) أي : جوده وكرمه أو انبساطه ( وخلقه ) أي : وحسن خلقه ، فالمراد : إمداداته الظاهرة والباطنة ( فصار لهم أبا ) أي : في الشفقة كما قرئ في قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم ( وصاروا ) أي : أصحابه أو أمته ( عنده في الحق سواء ) أي : مستوين ؛ لأنهم كالأبناء قال صاحب النهاية : وفي حديث علي - رضي الله عنه - كان يقول حبذا أرض الكوفة سواء أي : مستوية ( مجلسه مجلس علم ) وفي نسخة مجلس حلم ( وحياء وصبر وأمانة ) أي : منهم على ما يقع في ذلك المجلس ( لا ترفع فيه ) أي : في مجلسه ( الأصوات ) لقوله تعالى لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي الآية ( ولا تؤبن ) بضم التاء وسكون الهمزة ، ويجوز إبداله واوا أو فتح الموحدة من الأبن ، وهو العيب أو التهمة أي : لا تقذف ولا تعاب كذا في الفائق وقيل أي : لا تعرف ولا تذكر بقبيح ( فيه ) أي : في مجلسه ( الحرم ) بضم الحاء وفتح الراء ، جمع [ ص: 182 ] الحرمة ، وهو ما لا يحل انتهاكه ، وقيل المراد بها القبائح وروي بضمتين ، فالمراد به النساء وما يحمى على ما في القاموس ، والحاصل أن مجلسه - صلى الله عليه وسلم - كان يصان من رفث القول وفحش الكلام وما لا يليق بمقام الكريم ، يقال : أبنت الرجل إذا رميته بخلة سوء ، ورجل مأبون أي : مقذوف بها ، وفي المنتقى : لا توصف بشر والحرم النساء ذكره ميرك ، وفي القاموس أبنه بشيء يأبنه ويأبنه اتهمه فهو مأبون بخير أو بشر فإن أطلقت فقلت مأبون فهو للشر وآبنه عابه في وجهه ( ولا تنثى ) بضم أوله وسكون نون وفتح مثلثة أي : لا تشاع ولا تذاع ( فلتاته ) بفتح الفاء واللام أي : ذلاته ومعائبه على تقدير وجود وقوعها جمع فلتة ، وهي ما يبدر من الرجل من سقطة ، وفي الفائق الفلتة الهفوة أي : القول على غير روية والضمير في فلتاته راجع إلى المجلس الذي تقدم السؤال عنه أي : إن سقط عن أحد جلسائه سقطة سترت عليه فلم يحك عنه كذا ذكره في المنتقى ، وذكر في النهاية أن الفلتات الزلات جمع فلتة ، والمعنى لم يكن في مجلسه زلات فتحفظ فتحكى انتهى ، فالنفي توجه إلى القيد والمقيد جميعا كما في قوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع وكقوله سبحانه لا يسألون الناس إلحافا فكأن الحنفي ما بلغه هذه الفائدة من جملة القاعدة ، ولذا قال بعد نقل ما في النهاية : هذا حسن من حيث المعنى ، وكأنه لم يحافظ فيه القاعدة القائلة بأن النفي إنما يتوجه في الكلام على القيد ثم رأيت شارحا قال نقلا عن ابن الأعرابي : إنه لم يكن في مجلسه فلتات فتنثى فالنفي واقع على الفلتات لا على الذكر وإذا انتفى الموصوف انتفت الصفة كذا في العجيب ، وفي القاموس نثا الحديث حدث به وأشاعه والنثاء ما أخبرت به عن رجل من حسن أو سوء ونثيت الخبر نثوته انتهى ، فهي واوية أو يائية ، وفي النهاية نثوت الحديث أظهرته ، وأما ما ذكره ابن حجر من قوله نثا ينثو إذا تكلم بقبيح فلم أر لنقله مساعدا صريحا ( متعادلين ) أي : متوافقين كأنه خبر لكان المقدر أي : كانوا متعادلين فيه ، كذا ذكره الحنفي ولا يبعد أن يكون حالا ، والمعنى : حال كون أهل مجلسه متعادلين أي : متساوين لا يتكبر بعضهم على بعض بالحسب والنسب بل كانوا كما قال ( يتفاضلون ) أي : يفضل بعضهم على بعض ( فيه ) أي : في مجلسه ( بالتقوى ) أي : وما يتعلق بها علما وعملا ، وفي نسخة : يتعاطفون بدل يتفاضلون ، وهو قريب منه في المعنى وملائم لقوله ( متواضعين ) وهو حال من فاعل الفعل المتقدم أو خبر لكانوا مقدرا ( يوقرون فيه الكبير ) أي : عمرا أو قدرا ( ويرحمون فيه الصغير ) بناء على ما ورد ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا كما رواه المص عن أنس في جامعه ( ويؤثرون ) من الإيثار بمعنى الاختيار ، وهو مهموز ، ويجوز إبداله أي : يختارون ( ذا الحاجة ) أي : على من ليس بذي حاجة ضرورية ( ويحفظون الغريب ) أي : يراعونه ويكرمونه ويتقربون إليه لما يعلمون من مواساته - صلى الله عليه وسلم - مع الغريب أو يعتنون بحفظ الغريب من الفوائد المذكورة في [ ص: 183 ] مجلسه - عليه السلام - .

التالي السابق


الخدمات العلمية