الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا أبو كريب ) بالتصغير ( محمد بن العلاء ) بفتح العين ( ومحمد بن طريف ) بفتح المهملة ( الكوفي قالا ) أي المحمدان ( أنبأنا ابن الفضيل ) بالتصغير وفي نسخة بالتكبير ( عن الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة ) بفتح ميم فسكون موحدة تحتية ففتحات ، ( عن النزال ) بفتح نون وتشديد زاي ، ( بن سبرة ) بفتح سين مهملة فسكون موحدة ، فراء فتاء تأنيث ، ( قال : أتي علي ) أي جيء ( بكوز من ماء وهو في الرحبة ) بفتح الراء وفتح الحاء المهملة ويسكن ، وفي الصحاح الرحبة بفتح الحاء المهملة المكان المتسع ، والرحبة بالسكون أيضا المكان المتسع ومنه أرض رحبة بالسكون أي متسعة ، ورحبة المسجد بالتحريك هي ساحته ، قال ابن التين : فعلى هذا يقرأ في الحديث بالتحريك ، وهذا هو الصحيح ذكره العسقلاني وقال في المغرب : أما في حديث علي أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم في رحبة الكوفة ، فإنه مكان وسط مسجد الكوفة ، وكان علي رضي الله عنه يقعد فيه ويعظ ( فأخذ منه ) أي من الماء أو الكوز ( كفا ) أي قدر كف من الماء ( فغسل يديه ) أي إلى رسغيه ( ومضمض ) عطف على أخذ لا على غسل ، كذا ذكره الحنفي ، وكذا قوله : ( واستنشق ) إلخ وقال العصام : الظاهر عطف مضمض على غسل ، فيكون المضمضة والاستنشاق وغسل اليدين ومسح الوجه والذراعين والرأس من كف واحد ، ولا صارف عنه ، ومنهم من تحرر عن لزوم ذلك فجعله عطفا على أخذ ، انتهى .

وقلت : لا صارف أقوى من استبعاد غسل هذه الأعضاء ، ومسح بعضها من كف واحد ، من طريق النقل الشرعي والعقل العرفي ، ( ومسح وجهه وذراعيه ) أي غسلها غسلا خفيفا ، فالمراد بالوضوء في كلامه الوضوء الشرعي ، ويؤيد ما وقع في بعض الروايات الصحيحة أنه غسلها ، أو لم يغسلها ، فالمراد به الوضوء العرفي ، وهو مطلق التنظيف ، ويؤيده ترك ذكر الرجلين في الأصل ، فيحمل خلاف الروايتين على تعدد الواقعة في الرحبة [ ص: 310 ] أو ترجيح إحداهما ( ورأسه ) أي ومسح رأسه كله أو بعضه ، ووقع في رواية ورجليه ، أي ومسحهما أي غسلهما غسلا خفيفا ، وفي رواية وغسل رجليه والله أعلم ، ( ثم شرب ) أي منه كما في نسخة أي من فضل ماء وضوئه ، ( وهو قائم ) حال ( ثم قال هذا ) أي ما ذكر ، الإشارة لما عدا الشرب ، ( وضوء من لم يحدث ) أي من لم يرد طهر الحدث ، بل أراد التجديد أو التنظيف ، وإلا فوضوء المحدث معلوم بشرائط معروفة ، ( هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ) ومن بعض المشار إليه الشرب قائما ، وهذا هو سبب إيراد الحديث في هذا الباب .

قال ميرك : الظاهر أن صنيعه صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ، لا لبيان الاستحباب ; ليعلم أن الشرب من فضل الوضوء والشرب قائما جائزان .

قلت : لا خلاف في جواز الشرب من فضل الوضوء ; ليكون فعله دليلا على جوازه ، نعم شربه صلى الله عليه وسلم قائما يحتمل أن يكون لبيان الجواز ، وأن يكون للاستحباب بخصوص هذا الماء المتبرك عقيب هذا الفعل المعظم ، وهو مختار مشايخنا ، ومما يدل عليه عمل علي بعده صلى الله عليه وسلم ; لأنه لو كان فعله صلى الله عليه وسلم لبيان الجواز ، كان تركه أفضل .

ثم الحديث برواية البخاري مذكور في المشكاة ، بأبسط من هذا ، وقد شرحناه شرحا بينا .

التالي السابق


الخدمات العلمية