الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
( حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا محمد بن جعفر ، أنبأنا ) وفي نسخة أخبرنا ( شعبة ، عن عمرو بن مرة ) بضم ميم وتشديد راء ( عن أبي حمزة رجل من الأنصار ) بالجر ولو رفع له وجه ( عن رجل من بني عبس ) بفتح فسكون موحدة قال المؤلف : في جامعه أبو حمزة عندنا طلحة بن زيد انتهى .

وقال النسائي : أبو حمزة عندنا طلحة بن يزيد قال ميرك : وهذا قول الأكثر قال الحافظ المنذري : طلحة بن يزيد أبو حمزة الأنصاري مولاهم الكوفي وثقه النسائي ، واحتج به البخاري والرجل شيخه هو صلة بن زفر العبسي الكوفي احتج به الشيخان ( عن حذيفة بن اليمان ) ورواه عنه أيضا الشيخان ، وأبو داود ، والنسائي مع تخالف في بعضه عن حذيفة بن اليمان ( أنه صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الليل ) من للتبعيض أو بمعنى في ، ولفظ أحمد والنسائي : أنه صلى معه في ليلة من رمضان بالصلاة ( قال ) أي : حذيفة ( فلما دخل ) الفاء تفصيلية قال الحنفي : وقال ابن حجر أي : أراد الدخول ( في الصلاة قال الله أكبر ) إلخ . والأظهر أن هذا بعد تكبيرة التحريمة كما يدل عليه زيادة الكلمات الآتية ، وكذا رواية أبي داود قال : الله أكبر ثلاثا ، والمعنى : أنه أعظم من كل شيء كما درجوا عليه ، وتفسير بعضهم إياه بالكبير ضعيف كما قاله صاحب المغرب ، وقيل معناه أكبر من أن يعرف كنه كبريائه ، وإنما قدر له ذلك ; لأنه أفعل فعلى يلزمه الألف واللام ، أو الإضافة كالأكبر وأكبر القوم كذا في النهاية ، ولعل وجه تجريده عن المتعلقات لاتصافه سبحانه بالأكبرية أيضا قيل حدوث الموجودات ، وظهور المخلوقات ، أو للإشارة إلى جواز كل من الاستعمالات ( ذو الملكوت ) أي : مالك الملك وصيغة " فعلوت " للمبالغة والكثرة كما في رحموت ورهبوت وأما ما ورد من قوله : ذو الملك والملكوت ، فيفرق بينهما بأن المراد من الأول ظاهر الملك ، ومن الثاني باطنه كما يعبر عنهما بعالم الغيب والشهادة ( والجبروت ) فعلوت من الجبر وهو القهر قال تعالى : وهو القاهر فوق عباده فسبحان من قهر العباد بالموت ، وغيره مما قضى عليهم ، فهو الجبار الذي يقهر عباده على ما أراده ( والكبرياء ) أي : الترفع ، والتنزه عن كل نقص ( والعظمة ) أي : تجاوز القدر عن الإحاطة ، والكبرياء عبارة عن كمال الذات ، والعظمة إشارة إلى جمال الصفات ( قال ) أي : حذيفة ( ثم قرأ البقرة ) أي : مع فاتحتها وهي فاتحة الكتاب ، وفي رواية أبي داود : ثم استفتح فقرأ البقرة ، أو بعد قراءة أم القرآن ، وليس كما يتوهمه بعض الناس من أنه افتتح بالبقرة من غير قراءة الفاتحة ; فإن من عادته دوام مواظبته - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقرأ الفاتحة في كل صلاة ، وقد قال : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " على خلاف بين الأئمة من أن المراد به نفي الكمال أو الصحة ، وإنما لم يذكرها الراوي لما عرف من عادته - صلى الله عليه وسلم - ( ثم ركع فكان ركوعه نحوا ) أي : قريبا ( من قيامه ) والمراد أن ركوعه كان متجاوزا عن المعهود كالقيام ، وأغرب من زعم أن ( من ) هذه للبيان حيث قال : هذا بيان لقوله نحوا أي : مثلا ، وأبعد من قال [ ص: 94 ] من قيامه بعد الركوع ( وكان يقول ) قيل هو حكاية للحال الماضية استحضارا ، وكأنه لم يستحضر أن " كان " يحول " يقول " من معنى الحال إلى المضي ، وإنما عدل عنه ليدل على الاستمرار المشعر بالكثرة ، فهو في قوة وقال : ( سبحان ربي العظيم ) بفتح ياء الإضافة ، ويجوز إسكانها ( سبحان ربي العظيم ) كرره لإفادة التكثير ( ثم رفع رأسه وكان قيامه ) أي : بعد الركوع ( نحوا من ركوعه ، وكان يقول لربي الحمد ) بتقديم الجار لإفادة الحصر والاختصاص ( لربي الحمد ) التكرار لبيان الإكثار ( ثم سجد فكان سجوده نحوا من قيامه ) أي : اعتداله من الركوع ( وكان يقول سبحان ربي الأعلى ) اختير التسبيحات في الركوع ، والسجود بقوله تعالى : فسبح باسم ربك العظيم و سبح اسم ربك الأعلى على ما ورد في حديث أنه اختارهما بعد نزولهما ، ولا يخفى وجه مناسبة العظمة للركوع المشير إلى نهاية الخضوع ، والأعلى للخفض الدال على كمال الخشوع ( ثم رفع رأسه فكان ما بين السجدتين نحوا من السجود ، وكان يقول ) أي : في جلوسه بين السجدتين ( رب اغفر لي ، رب اغفر لي ) وهذا إنما يستحب عندنا في النوافل ، وقوله ( حتى ) غاية لمحذوف أي : لا يزال يطول الصلاة التي صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك الزمان حتى ( قرأ ) فيهن ( البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام . شعبة ) أي : من بين الرواة هو ( الذي شك في المائدة والأنعام ) وفي نسخة ضعيفة أو الأنعام ، قال ميرك : ظاهر هذا الحديث يقتضي أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة البقرة في ركعة لكن لم يتبين في هذه الرواية أن قرأ آل عمران والنساء والمائدة هل هن في الركعة الثانية أم في ثلاث ركعات أخر ؟ قلت : الظاهر هو الثاني [ ص: 95 ] لئلا يلزم إطالة الثانية قال : وقد بينه أبو داود في رواية ; فإنه قال : بعد قوله : رب اغفر لي فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ، والأنعام شك شعبة فيحمل رواية الترمذي عليها بأن يقال المراد حتى قرأ البقرة ، وآل عمران والنساء ، والمائدة في أربع ركعات بقرينة رواية أبي داود ، قلت : روايته غير صريحة في المقصود ، وإن كانت نصا في المعدود ، ثم قال : لكن قال الشيخ ابن حجر : في شرح البخاري روى مسلم من حديث حذيفة أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة فقرأ البقرة ، وآل عمران ، والنساء في كل ركعة وكان إذا مر بآية فيها تسبيح يسبح الله أو سؤال سأل الله أو تعويذ تعوذ ثم ركع نحوا مما قام ، ثم قام نحوا مما ركع ، ثم سجد نحوا مما قام ، قلت : فيحتمل أنه قرأ المائدة أو الأنعام في ركعة أخرى ، أو في ثلاث أخر ، قال ميرك : ورواه النسائي أيضا من طريق الأعمش ، عن سعد بن عبيدة ، عن المستورد بن الأحنف ، عن صلة بن زفر ، عن حذيفة قال : صليت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة فافتتح البقرة ، فقلت : يركع عند المائة فمضى ، فقلت يركع عند المائتين ، فمضى فقلت : يصلي بها في ركعة ، فمضى فافتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح ، وإذا مر بسؤال سأل ، وإذا مر بتعوذ تعوذ ثم ركع ، الحديث . قلت : تقديم النساء على ما هو المعروف المستقر من أحواله - صلى الله عليه وسلم - وما استقر عند الصحابة من الإجماع على ترتيب السور على خلاف في أنه توقيفي بخلاف ترتيب الآي ; فإنه قطعي قال ميرك : فهاتان الروايتان صريحتان في قراءة السور الثلاث في ركعة واحدة . قال ميرك : وأظن أن في رواية أبي داود تقديما وتأخيرا ، والصواب ثم قرأ البقرة ، وآل عمران والنساء ، والمائدة ثم ركع ، ولذلك حذف الترمذي قوله : فصلى أربع ركعات قرأ فيهن البقرة إلى آخره ، فإما أن يحمل على تعدد الواقعة ، وتكون صلاة حذيفة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقعت في ليلتين في إحداهما قرأ السور الثلاث في ركعة ، وفي الأخرى قرأ السور الأربع في أربع ركعات أو يقال أن في رواية أبي داود والترمذي ، وهما والصواب رواية مسلم والنسائي ; فإن فيهما التفصيل والتبيين حيث ذكر فيهما ، " فقلت : يركع عند المائة " حتى قال : " يصلي بها في ركعة " فمضى إلى آخره ، ويؤيده اتحاد المخرج ، وهو صلة بن زفر ، ولعل البخاري لأجل هذا الاختلاف ، والاضطراب لم يخرجه في صحيحه أصلا انتهى .

وبه يعلم أن قول ابن حجر المكي لكن رواية الشيخين : " فافتتح البقرة " إلى آخره ظاهرهما أنه قرأ الكل في ركعة خطأ منه من وجوه أما أولا ، فلما علمت أن البخاري ليس له رواية في هذا الحديث وأما ثانيا فلأن قوله : " فافتتح " إنما هو رواية النسائي لا رواية مسلم ، وأما ثالثا فلأن مفهوم رواية مسلم والنسائي أنه قرأ السور الثلاث الأول في ركعة لا أنه قرأ الكل في ركعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية