الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( ثم ) إذا أراد السفر ( طاف للصد ) أي الوداع ( سبعة أشواط بلا رمل وسعي ، وهو واجب إلا على أهل مكة ) ومن في حكمهم فلا يجب بل يندب كمن مكث بعده ; ثم النية للطواف شرط ; فلو طاف هاربا أو طالبا لم يجز لكن يكفي أصلها ، فلو طاف بعد إرادة السفر ونوى التطوع أجزأه عن الصدر كما لو طاف بنية التطوع [ ص: 524 ] في أيام النحر وقع عن الفرض ( ثم ) بعد ركعتيه ( شرب من ماء زمزم وقبل العتبة ) تعظيما للكعبة ( ووضع صدره ووجهه على الملتزم وتشبث بالأستار ساعة ) كالمستشفع بها ، ولو لم ينلها يضع يديه على رأسه مبسوطتين على الجدار قائمتين والتصق بالجدار ( ودعا مجتهدا ويبكي ) أو يتباكى ( ويرجع قهقرى ) أي إلى خلف ( حتى يخرج من المسجد ) [ ص: 525 ] وبصره ملاحظ للبيت

التالي السابق


( قوله ثم إذا أراد السفر ) أتى بثم وما بعدها إشارة إلى ما في النهر وغيره من أن أول وقته بعد طواف الزيارة إذا كان على عزم السفر ، حتى لو طاف كذلك ثم أطال الإقامة بمكة ولم يتخذها دارا جاز طوافه ولا آخر له وهو مقيم ، بل لو أقام عاما لا ينوي الإقامة فله أن يطوف ، ويقع أداء ، نعم المستحب إيقاعه عند إرادة السفر . ا هـ .

وفي اللباب أنه لا يسقط بنية الإقامة ولو سنين ، ويسقط بنية الاستيطان بمكة أو بما حولها قبل حل النفر الأول : أي قبل ثالث أيام النحر ، ولو نوى الاستيطان بعده لا يسقط ، وإن نواه قبل النفر ثم بدا له الخروج لم يجب كالمكي إذا خرج . ا هـ . مطلب في طواف الصدر

( قوله أي الوداع ) بفتح الواو ، وهو اسم لهذا الطواف أيضا ، ويسمى أيضا طواف آخر العهد وأما الصدر فهو بفتحتين : رجوع المسافر من مقصده والشارب من مورده كما في القهستاني ( قوله بلا رمل وسعي ) أي إن كان فعلهما في طواف القدوم أو الصدر كما مر عن الخير الرملي ( قوله وهو واجب ) فلو نفر ولم يطف وجب عليه الرجوع ليطوف ما لم يجاوز الميقات فيخير بين إراقة الدم والرجوع بإحرام جديد بعمرة مبتدئا بطوافها ثم بالصدر ، ولا شيء عليه لتأخيره ، والأول أولى تيسيرا عليه ونفعا للفقراء نهر ولباب ( قوله إلا على أهل مكة ) أفاد وجوبه على كل حاج آفاقي مفرد أو متمتع أو قارن بشرط كونه مدركا مكلفا غير معذور فلا يجب على المكي ، ولا على المعتمر مطلقا ، وفائت الحج والمحصر والمجنون والصبي والحائض والنفساء كما في اللباب وغيره ( قوله ومن في حكمهم ) أي ممن كان داخل المواقيت ، وكذا من نوى الاستيطان قبل حل النفر كما مر ( قوله فلا يجب إلخ ) قال في النهر : والمنفي عنهم إنما هو وجوبه لا ندبه .

وقد قال الثاني أحب إلي أن يطوف المكي طواف الصدر لأنه وضع لختم أفعال الحج ، وهذا المعنى موجود في حقهم ( قوله كمن مكث بعده ) لأن المستحب إيقاعه عند إرادة السفر كما مر ( قوله فلو طاف ) أي دار حول البيت ولم تحضره النية أصلا ( قوله أو طالبا ) أي لغريم ونحوه ( قوله لكن يكفي أصلها ) أي أصل نية الطواف بلا لزوم تعيين كونه للصدر أو غيره ولا تعيين وجوب أو فرضية ( قوله فلو طاف إلخ ) الحاصل كما في الفتح وغيره أن من طاف طوافا في وقته وقع عنه ، نواه بعينه أولا أو نوى طوافا آخر ، ومن فروعه لو قدم معتمرا وطاف وقع عن العمرة ، أو حاجا وطاف قبل يوم النحر وقع للقدوم ، أو قارنا وطاف طوافين وقع الأول عن العمرة والثاني للقدوم ، ولو كان في يوم النحر وقع للزيارة [ ص: 524 ] أو بعدما حل النفر بعدما طاف للزيارة فهو للصدر ، وإن نواه للتطوع فلا تعمل النية في التقديم والتأخير إلا إذا كان الثاني أقوى ، كما لو ترك طواف الصدر ثم عاد بإحرام عمرة فيبدأ بطواف العمرة ثم الصدر ، وتمامه في اللباب ( قوله ثم بعد ركعتيه ) أي بعد صلاة ركعتي الطواف وتقدم الكلام عليهما ، وتقدم أيضا أنه قيل إنه يلتزم الملتزم أولا ثم يصلي الركعتين ثم يأتي زمزم ، وأنه الأسهل والأفضل وعليه العمل وأن ما ذكره هنا من الترتيب هو الأصح المشهور ، ومشى عليه في الفتح هناك .

وعبر عن الآخر بقيل لكن جزم بالقيل هنا ( قوله شرب من ماء زمزم ) أي قائما مستقبلا القبلة متضلعا منه متنفسا فيه مرارا ناظرا في كل مرة إلى البيت ماسحا به وجهه ورأسه وجسده صابا منه على جسده إن أمكن كما في البحر وغيره وقد عقد في الفتح لذلك فصلا مستقلا فارجع إليه وسيأتي بعض الكلام على زمزم آخر الحج ( قوله وقبل العتبة ) أي ثم قبل العتبة المرتفعة عن الأرض قهستاني ( قوله ووضع ) أي ثم وضع قهستاني ( قوله ووجهه ) أي خده الأيمن ويرفع يده اليمنى إلى عتبة الباب ( قوله وتشبث ) أي تعلق كما يتعلق عبد ذليل بطرف ثوب لمولى جليل قهستاني ( قوله ودعا ) أي حال تشبثه بالأستار متضرعا متخشعا مكبرا مهللا مصليا على النبي صلى الله عليه وسلم ( قوله ويرجع قهقرى ) كذا في الهداية والمجمع والنقاية وغيرها . وفي مناسك النووي أن ذلك مكروه لأنه ليس فيه سنة مروية ولا أثر محكي ، وما لا أثر له لا يعرج عليه ا هـ وتبعه ابن الكمال والطرابلسي في مناسكه ، لكنه قال وقد فعله الأصحاب يعني أصحاب مذهبنا . وقال الزيلعي : والعادة به جارية في تعظيم الأكابر ، والمنكر لذلك مكابر . قال في البحر : لكنه يفعله على وجه لا يحصل منه صدم أو وطء لأحد .

مطلب في حكم المجاورة بمكة والمدينة .

[ تنبيه ]

في كلامه إشارة إلى أنه لا يجاور بمكة ، ولهذا قال في المجمع ، ثم يعود إلى أهله ، والمجاورة بمكة مكروهة أي عنده خلافا لهما ، وبقوله قال الخائفون المحتاطون من العلماء كما في الإحياء ، قال ولا يظن أن كراهة القيام تناقض فضل البقعة لأن هذه الكراهة علتها ضعف الخلق وقصورهم عن القيام بحق الموضع . قال في الفتح . وعلى هذا فيجب كون الجوار في المدينة المشرفة كذلك يعني مكروها عنده ، فإن تضاعف السيئات أو تعاظمها إن فقد فيها فمخافة السآمة وقلة الأدب المفضي إلى الإخلال بوجوب التوقير والإجلال قائم . ا هـ . نهر .

مطلب في مضاعفة الصلاة بمكة .

[ تتمة ]

قال السيد الفاسي في شفاء الغرام : يتحصل من طرق حديث ابن الزبير ثلاث روايات : إحداها { أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل على الصلاة بمسجد المدينة بمائة صلاة } . الثانية { بألف صلاة } . الثالثة { بمائة ألف صلاة } كما في مسند الطيالسي وإتحاف ابن عساكر ، وعلى الثالثة حسب النقاش المفسر الصلاة بالمسجد الحرام فبلغت صلاة واحدة فيه عمر مائتي سنة وخمسين سنة وستة أشهر وعشرين ليلة ، والصلوات الخمس عمر مائتي سنة وسبع وسبعين سنة وتسعة أشهر وعشر ليال . [ ص: 525 ]

قال السيد : ورأيت لشيخنا بدر الدين بن الصاحب المصري أن الصلاة فيه فرادى بمائة ألف ، وجماعة بألفي ألف وسبعمائة ألف ، والصلوات الخمس فيه بثلاثة عشر ألف ألف وخمسمائة صلاة ، وصلاة الرجل منفردا في وطنه غير المسجدين المعظمين كل مائة سنة شمسية بمائة ألف وثمانين ألف صلاة ، وكل ألف سنة بألف ألف صلاة وثمانمائة ألف صلاة .

فتلخص أن صلاة واحدة جماعة في المسجد الحرام يفضل ثوابها على ثواب من صلى في بلده فرادى حتى بلغ عمر نوح عليه السلام بنحو الضعف ا هـ ثم ذكر أن للعلماء خلافا في هذا الفضل هل يعم الفرض والنفل ، أو يختص بالفرض ؟ وهو مقتضى مشهور مذهبنا : أي المالكية ومذهب الحنفية ، والتعميم مذهب الشافعية . واختلف في المراد بالمسجد الحرام ، قيل مسجد الجماعة وأيده المحب الطبري ، وقيل الحرم كله ، وقيل الكعبة خاصة ، وجاءت أحاديث تدل على تفضيل ثواب الصوم وغيره من القربات بمكة إلا أنها في الثبوت ليست كأحاديث الصلاة فيها ا هـ باختصار . وذكر ابن حجر في التحفة أنه صح في الأحاديث بتكرار الألف ثلاثا ، كذا كتبه بعض المحشين . وذكر البيري في شرح الأشباه في أحكام المسجد أن المشهور عند أصحابنا أن التضعيف يعم جميع مكة بل جميع حرم مكة الذي يحرم صيده كما صححه النووي .




الخدمات العلمية