الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        31511 - قال مالك : ولا شفعة عندنا في عبد ولا وليدة ، ولا بعير ولا بقرة ولا شاة ، ولا في شيء من الحيوان ، ولا في ثوب ولا في بئر ليس لها بياض ، إنما الشفعة فيما يصلح أنه ينقسم وتقع فيه الحدود من الأرض ، فأما ما لا يصلح فيه القسم فلا شفعة فيه .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        31512 - قال أبو عمر : على هذا مذهب الشافعي ، والكوفيين ، وقد تقدم ذلك كله ، والحجة له ، والحمد لله كثيرا .

                                                                                                                        31513 - وقد شذت طائفة ، فأوجبت الشفعة في كل شيء وروت روايات في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

                                                                                                                        31514 - منها ما ذكره عبد الرزاق ، قال أخبرنا إسرائيل ، عن عبد العزيز بن [ ص: 308 ] رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " الشريك شفيع في كل شيء " .

                                                                                                                        31515 - أخبرنا أحمد بن عبد الله ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثني عبد الله بن يونس ، قال : حدثني بقي بن مخلد ، قال : حدثني أبو بكر بن أبي شيبة ، قال : حدثني أبو بكر بن عياش ، قال : حدثني عبد العزيز بن رفيع ، عن ابن أبي مليكة ، قال قضى : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء في الأرض والدار والدابة والجارية .

                                                                                                                        31516 - فقال عطاء : إنما الشفعة في الأرض والدار .

                                                                                                                        31517 - وقال ابن أبي مليكة : سمعتني - لا أم لك - أقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ! ويقول هذا .

                                                                                                                        31518 - قال أبو عمر : هذا الحديث مرسل ، وليس له إسناد غير هذا فيما علمت ، ومن قال : بمراسيل الثقات لزمه القول به .

                                                                                                                        31519 - وأما من جهة النظر ، فالمشتري مالك لما اشترى ، فلا يخرج ملكه عن يده إلا بكتاب ، أو سنة ثابتة ، أو إجماع ، ولا إجماع في هذا ، بل الأكثر [ ص: 309 ] على خلافه في هذا الحديث .

                                                                                                                        31520 - ذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قلت لأيوب : أتعلم أحدا كان يجعل في الحيوان شفعة ؟ قال : لا .

                                                                                                                        31521 - قال معمر : ولا أعلم أحدا جعل في الحيوان شفعة .

                                                                                                                        31522 - قال وأخبرنا ابن سمعان ، عن شهاب ; عن ابن المسيب قال : ليس في الحيوان شفعة .

                                                                                                                        31523 - قال : وأخبرنا أبو حنيفة ، عن حماد ، قال : لا شفعة إلا في ذلك : دار أو أرض .

                                                                                                                        31524 - قال : وأخبرنا إسرائيل ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : لا شفعة إلا في الأرض .

                                                                                                                        31525 - قال : وأخبرنا معمر ، عن ابن شبرمة ، قال : في الماء الشفعة .

                                                                                                                        [ ص: 310 ] 31526 - قال معمر : ولم يعجبني ما قال .

                                                                                                                        31527 - قال أبو عمر : قد رأى قوم من العلماء الشفعة في الدين ، وفي المكاتب يباع ما عليه ، فقالوا : المديان ، والمكاتب أولى بذلك إذا أعطى المشتري ما أري .

                                                                                                                        31528 - ذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري قال : لم أر القضاة إلا يقضون فيمن اشترى دينا على رجل ، فصاحب الدين أولى به .

                                                                                                                        31529 - وقال : وأخبرنا معمر ، عن رجل من قريش أن عمر بن عبد العزيز قضى في مكاتب اشترى ما عليه بعرض ، فجعل المكاتب أولى بنفسه ، وقال : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ابتاع دينا على رجل ، فصاحب الدين أولى إذا أدى مثل الذي أدى صاحبه " .

                                                                                                                        31530 - قال : وحدثني الأسلمي ، قال : أخبرني عبد الله بن أبي بكر ، عن عمر بن عبد العزيز أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بالشفعة في الدين ، وهو الرجل يبيع دينا له على رجل ، فيكون صاحب الدين أحق به .

                                                                                                                        [ ص: 311 ] 31531 - واختلف أصحاب مالك في ذلك :

                                                                                                                        31532 - فقال ابن القاسم : لا شفعة في الدين ، ولا يكون المديان أحق به .

                                                                                                                        31533 - وقال أشهب : هو أحق به بالضرر الداخل عليه ، ويأخذه بقيمة العرض إن كان الثمن عرضا أو بمثل العين إن كان عينا كالمكاتب ، وإنما ذلك في المكاتب ; لحرمة العتق ، ألا ترى أن التقويم ، والاستهام يجب على الشريك إذا أعتق نصيبه ، وأن العتق بيد أعلى سائر الوصايا .

                                                                                                                        31534 - قال : فإن قال قائل : إن البائع ممن دخل مدخله كالشريكين في العبد باع شريك ، ودخل شريك ، قيل له : إن العبد المشترك فيه إن رأى الشريك ما يضره دعا شريكه إلى البيع معه ، وليس كذلك الدين .

                                                                                                                        31535 - قال أبو عمر : قد ذكرنا أن الأصل المجتمع عليه أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس ، وأن التجارة لا تجوز إلا عن تراض ، فلا يخص منها في الأصل شيء إلا بمثله من الأصول التي يجب التسليم لها .

                                                                                                                        31536 - وحديث الشفعة للشريك في الدور ، والأرضين حديث متفق على [ ص: 312 ] القول والعمل به وسائر ما اختلف فيه .

                                                                                                                        31537 - وليس في الاختلاف حجة ، فالواجب الوقوف عند اليقين ، ولا يخرج عنه إلا بيقين مثله ، وبالله التوفيق .




                                                                                                                        الخدمات العلمية