الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب

                                                                                                                                                                                  التالي السابق


                                                                                                                                                                                  أي، وقال الله عز وجل: إن الذين توفاهم الملائكة إلخ. هكذا وقع في بعض النسخ، وفيه تغيير لأن قوله إن الذين توفاهم الملائكة إلى قوله في الأرض وتمامها قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا قوله: واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا من آية أخرى متقدمة على الآية المذكورة، وأولها قوله: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا والصحيح هو الذي وقع في بعض النسخ ونسب إلى أبي ذر ، وهو إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض إلى قوله: عفوا غفورا وقال والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا هاتان آيتان الأولى هي قوله: إن الذين توفاهم الملائكة إلى قوله: عفوا غفورا وهي أيضا آيتان، الثانية قوله: والمستضعفين من الرجال إلى قوله من لدنك نصيرا وهي متقدمة على الآية الأولى، وأولها قوله: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين الآية، أشار إليه بقوله: وقال، أي وقال الله تعالى المستضعفين إلى آخره.

                                                                                                                                                                                  وقد اختلف الشراح في هذا الموضع حتى خرج بعضهم عن مسلك الصواب، فقال ابن بطال : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله عسى الله أن يعفو عنهم وقال " إلا المستضعفين " إلى " الظالم أهلها " انتهى. قلت: ذكر هنا آيتين متواليتين أولاهما هي قوله: إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى قوله يعفو عنهم وتمامها قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا والأخرى هي قوله: إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا وليس فيه تغيير للتلاوة، وقال بعضهم: إلا أن فيه تصرفا فيما ساقه المصنف. قلت: فيما ساقه أيضا نظر لا يخفى، وقال ابن التين : قوله: إن الذين توفاهم الملائكة إلى قوله: واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا ليس التلاوة كذلك ; لأن قوله: واجعل لنا من لدنك نصيرا قبل هذا قال، ووقع في بعض النسخ إلى قوله: غفورا رحيما وفي بعضها فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وقال إلا المستضعفين من الرجال إلى قوله: من لدنك نصيرا وهذا على سبيل التنزيل، وقال بعضهم: كذا قال فأخطأ، فالآية التي آخرها " نصيرا " أولها " والمستضعفين " بالواو لا بلفظ إلا، وقال صاحب التوضيح: ووقع في الآيتين تخليط في شرح ابن التين . قلت: والصواب ما ذكرنا، ثم نذكر شرح الآيات المذكورة.

                                                                                                                                                                                  "فقوله:" إن الذين توفاهم الملائكة روى ابن حاتم بإسناده إلى عكرمة ، عن ابن عباس قال: كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يخفون إسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم، قال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت: إن الذين توفاهم الملائكة الآية .

                                                                                                                                                                                  قوله: ظالمي أنفسهم أي بترك الهجرة.

                                                                                                                                                                                  قوله: قالوا فيم كنتم أي مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة قالوا كنا مستضعفين في الأرض [ ص: 97 ] ، أي لا نقدر على الخروج من البلد ولا الذهاب في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة الآية، وقال أبو داود بإسناده إلى سمرة بن جندب : أما بعد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من جاء مع المشرك وسكن معه فإنه مثله .

                                                                                                                                                                                  قوله: إلا المستضعفين من الرجال والنساء الآية، عذر من الله عز وجل لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك لأنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق ; ولهذا قال لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا وقال عكرمة : يعني نهوضا إلى المدينة ، وقال السدي : يعني مالا ، وقال الضحاك : يعني طريقا .

                                                                                                                                                                                  قوله: فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم أي يتجاوز عنهم تركهم الهجرة، و (عسى) من الله موجبة.

                                                                                                                                                                                  قوله: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله أي في الجهاد.

                                                                                                                                                                                  قوله: والمستضعفين أي، وفي المستضعفين أي في استنقاذهم.

                                                                                                                                                                                  قوله: من الرجال كلمة (من) بيانية.

                                                                                                                                                                                  قوله: من هذه القرية يعني مكة ، ووصفها بقوله الظالم أهلها .

                                                                                                                                                                                  قوله: " وليا " أي ناصرا.




                                                                                                                                                                                  الخدمات العلمية