الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        فصل

                                                                                                                                                                        يجوز الاستئجار لاستيفاء الحد والقصاص ، ولنقل الميتة إلى المزبلة ، والخمر لتراق ، ولا يجوز لنقل الخمر من بيت إلى بيت ، ولا لسائر المنافع المحرمة ، كالزمر والنياحة ، وكما يحرم أخذ الأجرة في هذا ، يحرم إعطاؤها . وإنما يباح الإعطاء [ ص: 195 ] دون الأخذ في موضع ضرورة ، كفكاك الأسير ، وإعطاء الشاعر لئلا يهجو ، والظالم ليدفع ظلمه ، والجائر ليحكم بالحق .

                                                                                                                                                                        وهذه الأمثلة ، مذكورة في باب القضاء . النوع الثاني : العقار ، ويستأجر لأغراض .

                                                                                                                                                                        منها : السكنى ، فإذا استأجر دارا ، وجب معرفة موضعها ، وكيفية أبنيتها ، وفي الحمام ، يعرف البيوت والبئر التي يستقي منها ماءه ، والقدر التي يسخن فيها ، ومبسط القماش ، والأتون وهو موضع الوقود وما يجمع الأتون من السرقين ونحوه ، والموضع الذي يجمع فيه الزبل والوقود ، ومطرح الرماد ، والمستنقع الذي يجتمع فيه الماء الخارج من الحمام . وعلى هذا قياس سائر المسكن . وهذا الذي ذكرناه من اشتراط الرؤية في الحمام ونحوه ، تفريع على منع إجارة الغائب ، فإن جوزناها ، لم تعتبر الرؤية ، بل يكفي الوصف والبيان ، ولا يدخل الوقود في بيع الحمام وإجارته ، كما لا تدخل الأزر والأسطال والحبل والدلو .

                                                                                                                                                                        قال في " الشامل " : في رؤية قدر الحمام ، يكفي رؤية داخلها من الحمام ، أو ظاهرها من الأتون . والقياس : على اعتبار الرؤية أن يشاهد الوجهين إذا أمكن ، كما تعتبر مشاهدة وجهي الثوب .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        ذكر في شرح المفتاح أنه لا بد في إجارة الدار من ذكر عدد السكان من الرجال والنساء والصبيان ، ثم لا مانع من دخول زائر وضيف ، وإن بات فيها ليالي .

                                                                                                                                                                        قلت : هذا الاشتراط لا يعرف لغيره . والمختار : أنه لا يعتبر لكن يسكن فيها من جرت العادة به في مثلها ، وهذا مقتضى إطلاق الأصحاب ، فلا عدول عنه . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 196 ] فرع

                                                                                                                                                                        لا بد من تقدير هذه المنفعة بالمدة ، وفي تقدير المدة التي يجوز عقد الإجارة عليها ثلاثة أقوال ، المشهور والذي عليه جمهور الأصحاب أنه يجوز سنين كثيرة ، بحيث يبقى إليها ذلك الشيء غالبا ، فلا يؤجر العبد أكثر من ثلاثين سنة ، والدابة تؤجر عشر سنين ، والثوب سنتين أو سنة على ما يليق به ، والأرض مائة سنة وأكثر . وقال ابن كج : يؤجر العبد إلى تمام مائة وعشرين سنة من عمره .

                                                                                                                                                                        والقول الثاني : لا يجوز أكثر من سنة مطلقا . والثالث : لا يجوز أكثر من ثلاث سنين . وحكي وجه : أنه يجوز أن يؤجرها مدة لا تبقى فيها العين غالبا ، لأن الأصل الدوام ، فإن هلكت لعارض ، فكانهدام الدار ونحوه . وحكم الوقف في مدة الإجارة حكم الطلق . قال المتولي : إلا أن الحكام اصطلحوا على منع إجارته أكثر من ثلاث سنين لئلا يندرس الوقف ، وهذا الاصطلاح ، غير مطرد . وفي أمالي السرخسي : أن المذهب منع إجارة الوقف أكثر من سنة إذا لم تمس إليه حاجة لعمارة وغيرها ، وهو غريب . وإذا جوزنا إجارة أكثر من سنة ، فهل يجب تقدير حصة كل سنة ؟ قولان . أظهرهما : لا ، وتوزع الأجرة على قيمة منافع السنين ، ومنهم من قطع بهذا .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا قال : أجرتك شهرا ، أو قال : سنة ، صح على الأصح ، وحمل على ما يتصل بالعقد . وقيل : يشترط أن يقول : من الآن . ولو قال : أجرتك شهرا من السنة ، فالعقد باطل قطعا للإبهام .

                                                                                                                                                                        ولو قال : كل شهر بدرهم من الآن ، فباطل أيضا على المشهور والصحيح . وقال في " الإملاء " : يصح في الشهر الأول ، وبه قطع الإصطخري . ولو قال [ ص: 197 ] : كل شهر من هذه السنة بدرهم ، لم يصح على الأصح ، وصححه ابن سريج في شهر فقط ، ونقل الإمام عن الأصحاب ، أنهم قالوا : إذا قال : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، لم يصح البيع ، لأنه لم يضف إلى جميع الصبرة ، بخلاف ما لو قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ، قال : وكان ينبغي أن يفرق فيقال : إن قال : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، كان كقوله : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ، ويصح العقد في الجميع . وإن قال : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ، بطل على الأصح ، وعلى قول ابن سريج : يصح في صاع ، وكذلك يفرق في الإجارة . وقد قال بهذا الشيخ أبو محمد ، فسوى بين قوله : بعتك كل صاع من هذه الصبرة بدرهم ، وبين قوله : بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم ، فصحح البيع في جميع الصبرة باللفظين .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        مدة الإجارة ، كأجل المسلم فيه ، في أن مطلق الشهر والسنة يحمل على العربي ، وفي أنه إذا قيد بالعددية ، أو قال : سنة فارسية أو رومية أو شمسية ، كان الأجل ما ذكره ، وفي أن العقد إذا انطبق على أول الشهر ، كان ذلك الشهر وما بعده بالأهلة . وإن لم ينطبق ، تمم المنكسر بالعدد من الأخير ، ويحسب الباقي بالأهلة .

                                                                                                                                                                        وفي سائر المسائل المذكورة في السلم ، وفي التأجيل بالشمسية ، وجه : أنه لا يصح ، وهو شاذ .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        قال : أجرتك شهرا من هذه السنة ، فإن لم يكن بقي منها إلا شهر ، صح ، وإن بقي أكثر من شهر ، لم يصح ، قاله المتولي والبغوي .

                                                                                                                                                                        [ ص: 198 ]

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية