الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                                                                        الطرف الثاني : في المياه ، وهي قسمان :

                                                                                                                                                                        أحدهما : المباحة النابعة في موضع لا يختص بأحد ، ولا صنع للآدميين في إنباطه وإجرائه كالفرات وجيحون وسائر أودية العالم والعيون في الجبال وسيول الأمطار ، فالناس فيها سواء ، فإن حضر اثنان فصاعدا ، أخذ كل ما شاء . فإن قل الماء أو ضاق المشرع ، قدم السابق . فإن جاءا معا ، أقرع . وإن أراد واحد السقي وهناك محتاج للشرب ، فالشارب أولى . قاله المتولي ، ومن أخذ منه شيئا في إناء أو جعله في حوض ، ملكه ولم يكن لغيره مزاحمته فيه ، كما لو احتطب . وفي " النهاية " [ ص: 305 ] وجه : أنه لا يملكه ، لكنه أولى به من غيره . والصحيح : الأول ، وبه قطع الجمهور . وإن دخل شيء منه ملك إنسان بسيل ، فليس لغيره أخذه ما دام فيه ، لامتناع دخول ملكه بغير إذنه . فلو فعل ، فهل يملكه ، أم للمالك استرداده ؟ وجهان . أصحهما الأول . فإذا خرج من أرضه ، أخذه من شاء .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        إذا أراد قوم سقي أرضيهم من مثل هذا الماء ، فإن كان النهر عظيما يفي بالجميع ، سقى من شاء متى شاء . وإن كان صغيرا ، أو كان الماء يجري من النهر العظيم في ساقية غير مملوكة ، بأن انخرقت بنفسها ، سقى الأول أرضه ، ثم يرسله إلى الثاني ، ثم الثاني إلى الثالث . وكم يحبس الماء في أرضه ؟ وجهان ، الذي عليه الجمهور : أنه يحبسه حتى يبلغ الكعبين .

                                                                                                                                                                        والثاني : يرجع في قدر السقي إلى العادة والحاجة . وقد قال الماوردي : ليس التقدير بالكعبين في كل الأزمان والبلدان ، لأنه مقدر بالحاجة ، والحاجة تختلف باختلاف الأرض ، وباختلاف ما فيها [ من ] زرع وشجر ، وبوقت الزراعة ، ووقت السقي . وحكي وجه عن الداركي : أن الأعلى لا يقدم على الأسفل ، لكن يسقون بالحصص ، وهذا غريب باطل . ولو كانت أرض الأعلى بعضها مرتفعا ، وبعضها منخفضا ، ولو سقيا معا لزاد الماء في المنخفضة على الحد المستحق ، أفرد كل بعض بالسقي بما هو طريقه .

                                                                                                                                                                        قلت : طريقه أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ، ثم يسده ، ثم يسقي المرتفع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        [ ص: 306 ] وإذا سقى الأول ، ثم احتاج إلى السقي مرة أخرى ، مكن منه على الصحيح فلو تنازع اثنان أرضاهما متحاذيتان ، أو أرادا شق النهر من موضعين متحاذيين يمينا وشمالا ، فهل يقرع ، أو يقسم بينهما ، أو يقدم الإمام من يراه ؟ فيه ثلاثة أوجه حكاها العبادي .

                                                                                                                                                                        قلت : أصحها : يقرع . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        ولو أراد رجل إحياء موات وسقيه من هذا النهر ، نظر ، إن ضيق على السابقين ، منع ، لأنهم استحقوا أرضهم بمرافقها ، والماء من أعظم مرافقها ، وإلا ، فلا منع .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        عمارة حافات هذه الأنهار ، من وظائف بيت المال .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        يجوز أن يبني عليها من شاء قنطرة لعبور الناس إن كان الموضع مواتا . وأما [ ما ] بين العمران ، فهو كحفر البئر في الشارع لمصلحة المسلمين . ويجوز بناء الرحى عليها إن كان الموضع ملكا له أو مواتا محضا . وإن كان بين الأرض المملوكة ، وتضرر الملاك ، لم يجز ، وإلا ، فوجهان . أحدهما : المنع كالتصرف في سائر مرافق العمارات . وأصحهما : الجواز ، كإشراع الجناح في السكة النافذة .

                                                                                                                                                                        [ ص: 307 ] فصل

                                                                                                                                                                        هذا الذي سبق ، إذا لم تكن الأنهار والسواقي مملوكة . أما إذا كانت مملوكة ، بأن حفر نهرا يدخل فيه الماء من الوادي العظيم ، أو من النهر المنخرق منه ، فالماء باق على إباحته ، لكن مالك النهر أحق به كالسيل يدخل ملكه ، فليس لأحد مزاحمته لسقي الأرضين . وأما للشرب والاستعمال وسقي الدواب ، فقال الشيخ أبو عاصم والمتولي : ليس له المنع ، ومنهم من أطلق أنه لا يدلي أحد فيه دلوا ، ويجوز لغيره أن يحفر فوق نهره نهرا إن لم يضيق عليه . وإن ضيق ، فلا ، فإن اشترك جماعة في الحفر ، اشتركوا في الملك على قدر عملهم ، فإن شرطوا أن يكون النهر بينهم على قدر ملكهم من الأرض ، فليكن عمل كل واحد على قدر أرضه . فإن زاد واحد متطوعا ، فلا شيء له على الباقين . وإن زاد مكرها ، أو شرطوا له عوضا ، رجع عليهم بأجرة ما زاد ، وليس للأعلى حبس الماء على الأسفل ، بخلاف ما إذا لم يكن النهر مملوكا . وإذا اقتسموا الماء بالأيام والساعات ، جاز ، ولكل واحد الرجوع [ متى شاء ] ، لكن لو رجع بعدما استوفى نوبته وقبل أن يستوفي الشريك ، ضمن له أجرة مثل نصيبه من النهر للمدة التي أجرى فيها الماء . وإن اقتسموا الماء نفسه ، فعلى ما سنذكره في القناة المشتركة . ولو أرادوا قسمة النهر وكان عريضا ، جاز ، ولا يجري فيها الإجبار كما في الجدار الحائل . ولو أراد الشركاء الذين أرضهم أسفل توسيع فم النهر ، لئلا يقصر الماء عنهم ، لم يجز إلا برضى الأولين ، لأن تصرف الشريك في المشترك لا يجوز إلا برضى الشريك ، ولأنهم قد يتضررون بكثرة الماء . وكذا لا يجوز للأولين تضييق فم النهر إلا برضى الآخرين ، وليس لأحد منهم بناء قنطرة أو رحى عليه ، ولا غرس شجرة على حافته إلا برضى [ ص: 308 ] الشركاء . ولو أراد أحدهم تقديم رأس الساقية التي يجري فيها الماء إلى أرضه ، أو تأخيره ، لم يجز ، بخلاف ما لو قدم باب داره إلى رأس السكة المنسدة ، لأنه يتصرف هناك في الجدار المملوك ، وهنا في الحافة المشتركة . ولو كان لأحدهم ماء في أعلى النهر ، فأجراه في النهر المشترك برضى الشركاء ليأخذه من الأسفل ويسقي به أرضه ، فلهم الرجوع متى شاءوا ، لأنه عارية ، وتنقية هذا النهر وعمارته يقوم بها الشركاء بحسب الملك . وهل على كل واحد عمارة الموضع المتسفل عن أرضه ؟ وجهان . أحدهما : لا ، وبه قطع ابن الصباغ ، لأن المنفعة فيه للباقين . والثاني : نعم ، وهو الأصح عند العبادي ، لاشتراكهم وانتفاعهم به .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        كل أرض أمكن سقيها من هذا النهر ، إذا رأينا لها ساقية منه ولم نجد لها شربا من موضع آخر ، حكمنا عند التنازع بأن لها شربا منه . ولو تنازع الشركاء في النهر في قدر أنصبائهم ، فهل يجعل على قدر الأرضين لأن الظاهر أن الشركة بحسب الملك ، أم بالسوية لأنه في أيديهم ؟ وجهان ، وبالأول قال الإصطخري رحمه الله تعالى .

                                                                                                                                                                        قلت : هو أصحهما . والله أعلم .

                                                                                                                                                                        فرع

                                                                                                                                                                        لو صادفنا نهرا تسقى منه أرضون ، ولم ندر أنه حفر أم انخرق ، حكمنا بأنه [ ص: 309 ] مملوك ، لأنهم أصحاب يد وانتفاع ، فلا يقدم بعضهم على بعض . وأكثر هذه المسائل يشتمل عليها كتاب " المياه " للعبادي رحمه الله تعالى .

                                                                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية