الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                صفحة جزء
                                                347 ص: قال أبو جعفر : -رحمه الله-: فثبت بهذه الآثار التي رويناها صحة قول من ذهب إلى وجوب الغسل بالتقاء الختانين ، فهذا وجه هذا الباب من طريق الآثار.

                                                وأما وجهه من طريق النظر: فإنا رأيناهم لم يختلفوا أن الجماع في الفرج الذي لا إنزال معه حدث، فقال قوم: هو أغلظ الأحداث فأوجبوا فيه أغلظ الطهارات، وهو الغسل.

                                                وقال قوم: هو كأخف الأحداث، فأوجبوا فيه أخف الطهارات، وهو الوضوء، فأردنا أن ننظر إلى التقاء الختانين; هل هو أغلظ الأشياء فنوجب فيه أغلظ ما يجب في ذلك؟ فوجدنا أشياء يوجبها الجماع، وهي: فساد الصوم والحج، فكان ذلك بالتقاء الختانين وإن لم يكن معه إنزال، ويوجب ذلك في الحج ، الدم وقضاء الحج، ، ويوجب في الصيام القضاء والكفارة في قول من يوجبها.

                                                ولو كان جامع فيما دون الفرج وجب عليه في الحج دم فقط، ولم يجب عليه في الصيام شيء إلا أن ينزل، وكل ذلك محرم عليه في حجه وصيامه.

                                                وكان من زنى بامرأة حد وإن لم ينزل، ولو فعل ذلك على وجه شبهة فسقط بها الحد عنه وجب عليه المهر.

                                                وكان لو جامعها فيما دون الفرج لم يجب في ذلك عليه حد ولا مهر، ولكنه يعزر إذا لم تكن هناك شبهة.

                                                [ ص: 509 ] وكان الرجل إذا تزوج امرأة فجامعها جماعا لا خلوة معه في الفرج، ثم طلقها، كان عليه المهر، أنزل أو لم ينزل، ووجبت عليها العدة، وأحلها ذلك لزوجها الأول، ولو جامعها فيما دون الفرج لم يجب [عليه] في ذلك شيء، وكان عليه في الطلاق نصف المهر إن كان سمى لها مهرا، أو المتعة إذا لم يكن سمى لها مهرا، فكان يجب في هذه الأشياء التي وصفنا التي لا إنزال معها أغلظ ما يجب في الجماع الذي معه الإنزال من الحدود والمهور وغير ذلك.

                                                فالنظر على ذلك أن يكون كذلك هو في [حكم] الأحداث، أغلظ الأحداث، ويجب فيه أغلظ ما يجب في الأحداث، وهو الغسل.

                                                التالي السابق


                                                ش: ملخص وجه النظر والقياس: أنه مبني على مقدمة مسلمة عند الكل، وهي أن الجماع في الفرج بلا إنزال حدث، ولكن الخلاف في صفته، فقال قوم وهم الأئمة الأربعة ومن تبعهم: هو حدث غليظ; فيجب فيه طهارة غليظة وهو الغسل.

                                                وقال قوم وهم عطاء ، والأعمش ، وهشام ، وداود: هو حدث خفيف، فتجب فيه طهارة خفيفة، وهو الوضوء.

                                                ثم نظرنا فيه فوجدنا أشياء تتعلق به كما تتعلق بالجماع في الفرج بالإنزال، وهي: فساد الصوم والحج، ووجوب الحد والمهر عند سقوطه بالشبهة، ووجوب العدة، والتحليل للزوج الأول، فإذا تساويا في هذه الأشياء فالنظر عليه تساويهما في أغلظ الطهارات، وهي الغسل.

                                                ويؤيد ذلك ما روي عن عكرمة : "توجب القتل والرجم، ولا توجب إناء من ماء ؟!".

                                                [ ص: 510 ] رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": عن ابن علية عنه.

                                                وروى أيضا: عن وكيع ، عن ابن عون ، عن الشعبي قال: قال شريح : "أتوجب أربعة آلاف، ولا توجب إناء من ماء ؟! يعني في الذي يخالط ثم لا ينزل" وفي رواية عبد الرزاق : "ولا توجب قدحا من ماء ؟! ".




                                                الخدمات العلمية