الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فلو حكما رجلا رضياه ليلاعن بينهما كان التحكيم في سائر الحقوق ما عدا الحدود واللعان جائزا ، فقداتفق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وأبي بن كعب - رضي الله عنه - على تحكيم زيد بن ثابت في منازعة بينهما فحكم عليهما .

                                                                                                                                            وروي أن وفدا قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيهم رجل يكنى أبا الحكم ، فقال : لم كنيت أبا الحكم ، فقال : لأن قومي يحكموني بينهم فأحكم ، فلم يرد عليه ، ولا نهاه عنه من بعد .

                                                                                                                                            [ ص: 134 ] وإذا صح التحكيم فالخصمان قبل الحكم مخيران في المقام على التحكيم أو الرجوع عنه ، فإذا حكم ففي لزوم حكمه قولان :

                                                                                                                                            أحدهما : أن حكمه نافذ عليهما ولازم لهما ، وغير موقوف على رضاهما .

                                                                                                                                            والقول الثاني : أنه غير لازم لهما إلا بعد الرضا بالتزامه ، والأول أشبه ؛ لأنه لو لم يلزم لكان وسيطا ولم يكن حكما .

                                                                                                                                            فأما التحكيم في اللعان ففي جوازه قولان ، بناء على اختلاف قوليه في لزوم حكمه في غير اللعان :

                                                                                                                                            أحدهما : يجوز إذا قيل : إن حكمه في غير اللعان لازم .

                                                                                                                                            والثاني : لا يجوز إذا قيل : إن حكمه لا يلزم إلا بالرضا ؛ لأن حكم اللعان لا يقع ولا يقف على التراضي ، ولا يصح فيه العفو والإبراء كالحدود ، وكان أبو القاسم الداركي يقول : يجوز التحكيم فيه عند عدم الحاكم ، ولا يجوز مع وجوده اعتبارا بالضرورة فيه ، فأما السيد إذا زوج عبده بأمته جاز له أن يلاعن بينهما ؛ لأنه يجوز له إقامة الحد عليهما ، فصار كالحاكم مع غيرهما .

                                                                                                                                            [ ص: 135 ] باب في الشهادة في اللعان .

                                                                                                                                            قال الشافعي - رحمه الله تعالى - : " وإذا جاء الزوج وثلاثة يشهدون على امرأته معا بالزنا لاعن الزوج فإن لم يلتعن حد ؛ لأن حكم الزوج غير حكم الشهود ؛ لأن الشهود لا يلتعنون ويكونون عند أكثر العلماء قذفة يحدون إذا لم يتموا أربعة ، وإذا زعم بأنها قد وترته في نفسه بأعظم من أن تأخذ كثير ماله أو تشتم عرضه أو تناله بشديد من الضرب بما يبقى عليه من العار في نفسه بزناها تحته وعلى ولده ، فلا عداوة تصير إليهما فيما بينها وبينه تكاد تبلغ هذا ونحن لا نجيز شهادة عدو على عدوه " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : إذا شهد الزوج مع ثلاثة عدول على امرأته بالزنا لم تقبل شهادته معهم ، وقال أبو حنيفة - رضي الله عنه - : تقبل استدلالا بقوله - عز وجل - : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت [ النساء : 15 ] فكان على عمومه في الزوج وغيره ، ولأنه حد فجاز أن تقبل فيه شهادة الزوج كسائر الحدود ، ولأنه من قبلت شهادته في حد غير الزنا قبلت شهادته في حد الزنا كالأجنبي .

                                                                                                                                            ودليلنا : قول الله تعالى : والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين [ النور : 6 ] فلم يجعل لشهادته عليها حكما ، ولا جعل قوله عليها مقبولا .

                                                                                                                                            روي عن قتادة ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال في أربعة شهدوا على امرأة أنها زنت وأحدهم زوجها فقال : يلاعن الزوج ويحد الثلاثة ، وهذا قول واحد من الصحابة لم يظهر له مخالف ، فإن كان منتشرا فهو إجماع لا يجوز خلافه ، وإن كان غير منتشر فهو على قول المخالف حجة يترك به القياس ، وكذلك على قول الشافعي - رضي الله عنه - في القديم ؛ ولأنه من انتصب خصما في حادثة لم يجز أن يكون شاهدا فيها ، أصله أولياء المقتول ؛ ولأنه لو شهد على خيانتها له لم تقبل شهادته عليها ، أصله إذا شهد عليها بإتلاف وديعة له في يدها ؛ ولأن كل من كان له تصديق نفسه باللعان لم تقبل شهادته فيما يصح فيه لعانه ، أصله نفي النسب ؛ ولأنه قد [ ص: 136 ] صار عدوا بما وتره في نفسه وخانته في حقه ، وأدخلت العار عليه وعلى ولده ، وهذا أبلغ في العداوة من مؤلم الضرب وفاحش السب ، وشهادة العدو على عدوه مردودة لرواية عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا تقبل شهادة خائن ولا خائنة ، ولا ذي غمر على أخيه " أي ذي جور .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قوله : فاستشهدوا عليهن أربعة منكم [ النساء : 15 ] فهو أن ذلك خطاب للأزواج ؛ لأنه تعالى قال : واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم [ النساء : 15 ] فاقتضى أن يكون الشهود غيرهم .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على سائر الحدود فالمعنى فيه أنه غير متهم فيها لا يستفيد به نفعا ولا يستدفع به ضررا وهو في الزنا متهوم ؛ لأنه يستدفع به ضررا ويستفيد به نفعا .

                                                                                                                                            وأما قياسهم على الأجنبي فالمعنى فيه ما ذكرناه من عدم التهمة في الأجنبي ووجودها في الزوج .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية