الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            معلومات الكتاب

                                                                                                                                            الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي

                                                                                                                                            الماوردي - أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي

                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            مسألة : قال الشافعي - رضي الله عنه - : " وقال قائل : كيف لاعنت بينه وبين منكوحة نكاحا فاسدا بولد والله يقول : والذين يرمون أزواجهم فقلت له : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الولد للفراش وللعاهر الحجر فلم يختلف المسلمون أنه مالك الإصابة بالنكاح الصحيح أو ملك اليمين ، قال : نعم ، هذا الفراش . قلت : والزنا لا يلحق به النسب ولا يكون به مهر ولا يدرأ فيه حد ؟ قال نعم . قلت : فإذا حدثت نازلة ليست بالفراش الصحيح ولا الزنا الصريح وهو النكاح الفاسد ، أليس سبيلها أن نقيسها بأقرب الأشياء بها شبها ؟ قال : نعم . قلت : فقد أشبه الولد عن وطء بشبهة الولد عن نكاح صحيح في إثبات الولد وإلزام المهر وإيجاب العدة ، فكذلك يشتبهان في النفي باللعان ، وقال بعض الناس : لا يلاعن إلا حران مسلمان ليس واحد منهما محدودا في قذف ، وترك ظاهر القرآن واعتل بأن اللعان شهادة وإنما هو يمين ، ولو كان شهادة ما جاز أن يشهد أحد لنفسه ولكانت المرأة على النصف من شهادة الرجل ولا كان على شاهد يمين ولما جاز التعان الفاسقين ؛ لأن شهادتهما لا تجوز ، فإن قيل : قد يتوبان فيجوزان . قيل : فكذلك العبدان الصالحان قد يعتقان فيجوزان مكانهما ، والفاسقان لو تابا لم يقبلا إلا بعد طول مدة يختبران فيها فلزمهم أن يجيزوا لعان الأعميين النحيفين ؛ لأن شهادتهما عندهم لا تجوز أبدا كما لا تجوز شهادة المحدودين " .

                                                                                                                                            قال الماوردي : وهذا كما قاله ، يجوز أن يلاعن من المنكوحة نكاحا فاسدا والموطوءة بشبهة إذا أراد أن ينفي بلعانه نسبا ، ولا يجوز أن يلاعن بينهما إن لم ينف نسبا .

                                                                                                                                            [ ص: 42 ] وقال أبو حنيفة : لا يجوز أن يلاعن إلا في نكاح صحيح يقع فيه طلاقه ويصح فيه ظهاره ، ولا يلاعن في نكاح فاسد ، ولا في موطوءة بشبهة وإن كانت ذات نسب يلحقه ؛ استدلالا بقوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم وليست هذه زوجته ، ولأنه قذف من غير زوج فلم يجز فيه اللعان كالأجنبي ، ولأن اللعان موضوع للفرقة فلم يصح في النكاح الفاسد كالطلاق ، ولأن من انتفى عنها أحكام النكاح من الطلاق والظهار ، والإيلاء انتفى عنها أحكام اللعان كالأجنبية ، وكغير ذات الولد .

                                                                                                                                            ودليلنا قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم ، وهذه في حكم الأزواج في درء الحد ، ووجوب المهر ولحوق النسب ، فاقتضى أن تكون مثلهن في جواز اللعان ، ولأنها ذات فراش لا يقدر على نفي نسبه بغير اللعان ، فجاز له نفيه باللعان كالزوجة ، وخالفت الأمة التي يقدر على نفي ولدها بالاستبراء ، ولأن لحوق النسب في النكاح الصحيح أقوى ؛ لأنه يلحق بالعقد ، ولحوقه في النكاح الفاسد أضعف ؛ لأنه لا يلحق إلا بالإصابة ، فلما جاز أن ينفي باللعان - أقوى السببين - كان أن ينفي أضعفهما أولى ؛ ولأن المستفاد باللعان شيئان : رفع الفراش ونفي النسب ، فلما جاز أن ينفرد برفع الفراش جاز أن ينفرد بنفي النسب ؛ لأن ما قدر على رفع شيئين قدر على رفع أحدهما ، ولأن أصول الشرع مستقرة على أن أحكام العقود الفاسدة معتبرة بأحكامها في الصحة ، فلما جاز نفي النسب في صحيح المناكح كان نفيه في فاسدها أولى .

                                                                                                                                            فأما الجواب عن الآية فهو ما استدللنا به منها .

                                                                                                                                            وأما الجواب عن قياسهم على الأجنبي بأنه قذف من غير زوج : فهو أنه في حكم الأزواج في لحوق النسب ، وإن لم يكن زوجا . فلذلك خالف فيه الأجنبي لاختصاصه بنسب يضطر فيه إلى نفيه بلعان ، وأما قياسهم على الطلاق ؛ لأنه موضوع للفرقة ، فالجواب عنه من وجهين :

                                                                                                                                            أحدهما : أن الطلاق يملك بالعقد ، فلم يثبت إلا في صحيحه دون فاسده ، واللعان يملك بحدوث الزنا ، فجاز أن يملك به في صحيح العقد وفاسده .

                                                                                                                                            والثاني : أن الطلاق مختص بالفرقة ، والنكاح الفاسد لا يحتاج فيه إلى وقوع الفرقة ، واللعان موضوع لنفي المعرة ، ووقوع الفرقة ، ونفي لحوق النسب ، فصح فيه اللعان لبقاء سببه ، ولهذا المعنى منعناه أن يلاعن من غير ذات ولد النسب لزوال أسبابه كلها .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية