الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            فصل : فأما الجواب عن استدلالهم بفرق ما بين ولد الأمة والحرة من الضعف والقوة ، فهو أن هذا الفرق يقتضي اختلافهما في سبب اللحوق ، وقد اختلفا فيه لأن ولد الحرة يلحق بالعقد مع إمكان الوطء ، وولد الأمة لا يلحق إلا بعد ثبوت الوطء فأغنى هذا الفرق عن افتراقهما في الإقرار به . وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لو لحق به من غير إقرار لم ينتف عنه إلا باللعان ، فهو أن أحمد بن حنبل قد روى عن الشافعي رضي الله عنه أنه لاعن من ولد الأمة ، وقال : ألا تعجبون من قول الشافعي : إن الرجل يلاعن من الأمة ، وبه قال أبو العباس بن سريج وأبو علي الطبري ، وله عندي وجه إن لم يدفعه نص ، واختلف أصحابنا في تخريجه قولا ثانيا للشافعي رضي الله عنه ؛ فمنهم من خرجه قولا للشافعي أن ولد الأمة لا ينتفي إلا باللعان كولد الحرة ، فعلى هذا قد استويا وسقط الاستدلال به ، وهل يستغني بإنكاره عن القذف في لعانه ؟ على وجهين : أحدهما : يغنيه إنكاره عن القذف ويكون لعانه أن يقول : أشهد بالله أن هذا الولد ليس مني ، ولا تحتاج الأمة بعده إلى أن تلتعن ؛ لأن ما ثبت عليها الزنا ، ولم يجب عليها بلعانه حد . والوجه الثاني : أنه لا يغنيه إنكاره عن القذف ، فيلتعن كما يلتعن من الحرة ، وعليها الحد بلعانه إلا أن تلتعن ، فهذا إذا قيل بتخريجه قولا ثانيا ، ومن أصحابنا من أنكره وامتنع من تخريجه قولا للشافعي وتأويله : أن يلتعن من الأمة إذا كانت زوجة . فعلى هذا يكون الفرق بين ولد الأمة وولد الحرة في اللعان أن ولد الأمة لما انتفى بالاستبراء لم يحتج إلى نفيه باللعان ، وولد الحرة لما لم ينتف بالاستبراء احتاج إلى نفيه باللعان . وأما الجواب عن استدلالهم بأنها لو صارت بالوطء فراشا كالحرة لارتفع بالطلاق زوال الملك ، ولم يرتفع بالاستبراء كما لا يرتفع بالاستبراء فراش الحرة ، فهو أنهما مستويان في أن فراش كل واحدة منهما يرتفع بارتفاع ما ثبت به فراشها ، فإن فراش الحرة ثبت بالعقد فارتفع بارتفاع العقد ، وفراش الأمة ثبت بالوطء فارتفع بارتفاع الوطء ولم يحتج إلى رفعه بالطلاق ، لأن الطلاق لا يكون إلا في النكاح ولم يحتج فيه إلى زوال الملك ؛ لأن وجود الملك لا يمنع من عدوم الفراش في الابتداء ، وكذلك لا يمنع بقاء الملك في ارتفاع الفراش في الانتهاء وبعكسها تكون الحرة ، وإذا كان كذلك ، فالاستبراء واجب في ارتفاع فراش الأمة ونفي ولدها عن السيد ، وحكى ابن أبي هريرة فيه وجها عن بعض أصحابنا : أنه استظهار مستحب وليس بواجب ، ويكفي في نفي الولد أن يدعي الاستبراء ، وهذا وجه لا يتحصل ؛ لأنه إذا كانت دعوى الاستبراء شرطا [ ص: 158 ] في نفيه لم يجز أن يكون كاذبا في دعواه ، فاقتضى أن يكون الاستبراء شرطا واجبا في رفع الفراش ونفي الولد ، فإن جاءت بولد بعد الاستبراء لأقل من ستة أشهر ، فهو لاحق به للعام بتقدمه على استبرائه سواء استبرأها بالأقراء أو بالولادة ، وإن جاءت بولد لستة أشهر فصاعدا من وقت استبرائها نظر في الاستبراء ، فإن كان بولد وضعته لم يلحق به الثاني باتفاق أصحابنا ؛ لأنه إن كان بين الولدين ستة أشهر فصاعدا كانا من حملين فصار الثاني حادثا من وطء بعد الاستبراء يقينا فلذلك لم يلحق به ، وإن كان قد استبرأها بالأقراء فمذهب الشافعي أنه لا يلحق به .

                                                                                                                                            وقال أبو العباس بن سريج : إن وضعته لأقل من أربع سنين لحق به كالحرة والمطلقة يلحق به ولدها بعد العدة إذا وضعته لأقل من أربع سنين وهذا هو القياس عندي ، وإن كان نص الشافعي على خلافه في ولد الأمة ، وقال : إنها إذا وضعته بعد الاستبراء لستة أشهر فصاعدا لم يلحق به بخلاف ولد الحرة ، وفرق أصحابنا بينهما بأن ولد الحرة يلحقه بالإمكان ، والإمكان موجود فيما دون أربع سنين فلذلك لحق به ، وولد الأمة يلحق بالعلم بالوطء ، والعلم غير موجود فيما زاد على ستة أشهر فلذلك لم يلحق به ، وفي هذا الفرق وهاء إذا استبرأ ، فعلى هذا لو ادعى السيد الاستبراء لنفي الولد وأنكرته الأمة ، ففي وجوب إحلافه وجهان : أحدهما : لا يمين عليه ، وهذا على الوجه الذي حكاه ابن أبي هريرة أن نفيه معتبر بدعوى الاستبراء لا بفعله . والوجه الثاني : وهو قول الجمهور : أن اليمين عليه واجبة إذا قيل إن نفيه معتبر بفعل الاستبراء لا بدعواه ، فعلى هذا في كيفية يمينه وجهان : أحدهما : يحلف بالله لقد استبرأها قبل ستة أشهر من ولادته . والوجه الثاني : يحلف بالله لقد ولدته لستة أشهر بعد استبرائه ، فإن حلف انتفى عنه ، وإن نكل فعلى وجهين مضيا : أحدهما : يكون لاحقا به له . والوجه الثاني : أن اليمين ترد على الأمة ، فإن حلفت لحق به وكانت صفة يمينها على ما ذكرنا من الوجهين في يمين السيد ، وإن نكلت عن اليمين كانت موقوفة على بلوغ الولد ، فيحلف بالله أنه ولده وجها واحدا ، فإن حلف لحق به ، وإذا نكل انتفى عنه وقد مضى في هذا الاتصال من شرح المذهب ما لم نجد بدا منه ، فلذلك أطنبت وإن كنت للإطالة كارها وبتوفيق الله مستعينا .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية