الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ولما أتم - سبحانه - الدليل على آية لقد حق القول على أكثرهم [ ص: 162 ] بأن التكذيب بالأصلين؛ التوحيد؛ والحشر؛ وبينهما غاية البيان؛ رجع إلى تثبيت الأصل الثالث؛ وهو أمر الرسول؛ والتنزيل؛ ولما كان من المعلوم أن الله (تعالى) أجرى العادة في النوع الآدمي أن من استوفى سن الصبا؛ والشباب؛ اثنين وأربعين سنة؛ حسمت غرائزه؛ فلم يزد فيه غريزة؛ ووقفت قواه كلها؛ فلم يزد فيها شيء؛ أما المعاني الحسية فمطلقا؛ وأما المعنوية فلا تزيد إلا بالتجربة والكسب؛ ولذلك قالوا:


                                                                                                                                                                                                                                      إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد



                                                                                                                                                                                                                                      وكان من المعلوم أن الأنبياء - عليهم السلام - تظهر عليهم غرائز العلوم؛ والحكم؛ وغير ذلك مما يجريه الله على أيديهم؛ ولا ينقص شيء من قواهم؛ بل تزاد؛ كما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمشي غير مكترث؛ وأن الصحابة - رضي الله عنهم - ليجهدون أنفسهم؛ فيكون جهدهم أن يدركوا مشية الهوينا؛ وأنه صارع ركانة الذي كان يضرب بقوته المثل؛ وكان واثقا من نفسه بأنه يصرع من صارعه؛ فلم يملكه النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه؛ وعاد إلى ذلك ثلاث مرات؛ كل ذلك لا يستمسك في يده؛ حتى شرع يقول: إن هذا لعجب يا محمد؛ أتصرعني؟ وحتى إنه دار على نسائه - وهن تسع - كل واحدة منهن؛ تسع مرات في طلق [ ص: 163 ] واحد؛ إلى غير ذلك مما يحكى من قواه التي فاق بها الناس؛ ولم يحك عن نبي من الأنبياء؛ ممن عاش منهم ألفا؛ ومن عاش دون ذلك؛ أنه نقص شيء من قواه؛ بل قد ورد في الصحيح من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ملك الموت - عليه السلام - أرسل إلى موسى - عليه السلام - ليقبض روحه؛ فلما جاءه صكه؛ ففقأ عينه؛ فقال لربه: "أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت"؛ قال: (ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور؛ فله بما غطت يده بكل شعرة سنة) ؛ قال: "أي رب؛ ثم ماذا؟" قال: (الموت) ؛ قال: "فالآن"؛ وفي آخر التوراة: (وقضى عبد الله موسى بأرض موآب بأمر الرب؛ فدفن حذاء بيت فاغورا؛ ولم يعرف أحد أين قضى إلى يومنا هذا؛ وكان موسى يوم قضى ابن مائة وعشرين سنة؛ لم يضعف بصره؛ ولم يشخ جدا).

                                                                                                                                                                                                                                      لما كان الأمر كذلك؛ وكان الله - سبحانه - قد جعل إرسالهم في سني الوقوف في الغرائز؛ والضعف في القوى؛ خرقا للعادة؛ إكراما لهم؛ وتنبيها للناس على صدقهم؛ علم من العطف على غير معطوف عليه ظاهر؛ ومن الإتيان بضميره - صلى الله عليه وسلم - من غير تقدم ذكر له؛ أن التقدير: "لكن نبينا - صلى الله عليه وسلم - عمرناه؛ وما [ ص: 164 ] نكسناه؛ بل منحناه غرائز من الفضائل؛ عجز عنها الأولون؛ والآخرون؛ فأتى بقرآن أعجز الإنس؛ والجن؛ وعلوم؛ وبركات فاتت القوى"؛ ومعلوم قطعا أن الذي أتى به ليس بشعر؛ خلافا لما رموه به بغيا؛ وعدوانا؛ وكذبا على جنابه؛ وافتراء وتجاوزا في البهت؛ وطغيانا؛ لأنه قد مضى عليه سن الصبا والشباب جميعا؛ ولم يقل بيت شعر؛ مع ما يرى لكم ولأمثالكم فيه من المفاخرة؛ وبه من المكاثرة؛ وقد وصل إلى سن الوقوف المعلوم قطعا أنه لا يحدث للإنسان فيه غريزة لم تكن أيام شبابه؛ لا شعرية ولا غيرها: وما علمناه ؛ أي: نحن؛ الشعر ؛ فيما علمناه؛ وهو أن يتكلف التقيد بوزن معلوم؛ وروي مقصود؛ وقافية يلتزمها؛ ويدير المعاني عليها؛ ويجتلب الألفاظ تكلفا إليها؛ كما كان زهير في قصائده الحوليات؛ وغيره من أصحاب التكلفات: وما أنا من المتكلفين لأن ذلك - وإن كنتم أنتم تعدونه فخرا - لا يليق بجنابنا؛ لأنه لا يفرح به إلا من يريد ترويج كلامه؛ وتحليته؛ بصوغه على وزن معروف؛ مقصود؛ وقافية ملتزمة؛ لكونه لا يقدر على الإتيان بأحسن منه؛ بما لا يقايس من غير التزام وزن ولا قافية؛ على أن فيه نقيصة أخرى؛ وهي أعظم ما يوجب النفرة منه؛ وهي أنه لا بد أن يوهي التزامه بعض المعاني؛ ولما لم نعلمه [ ص: 165 ] هذه الدناءة؛ طبعناه على جميع فنون البلاغة؛ ومكناه من سائر وجوه الفصاحة؛ ثم أسكنا قلبه ينابيع الحكمة؛ ودربناه على إلقاء المعاني الجليلة؛ وإن دقت في الألفاظ الجزلة؛ العذبة؛ السهلة؛ موزونة كانت؛ أو لا؛ وذلك بما ألهمناه إياه؛ ثم بما ألقاه إليه جبريل - عليه السلام -؛ مما أمرنا له به من جوامع الكلم؛ والكلام؛ فلا تكلف عنده أصلا؛ ما خير بين الأمرين إلا اختار أيسرهما؛ ما لم يكن إثما؛ أو قطيعة رحم؛ وهذا البيت الذي أوردته عزاه في الحماسة؛ في أوائل باب الأدب؛ إلى رجل من بني قريع لم يسمه؛ وقبله:


                                                                                                                                                                                                                                      متى ما يرى الناس الغني وجاره ...     فقير يقولوا عاجز وجليد


                                                                                                                                                                                                                                      وليس الغنى والفقر من حيلة الفتى ...     ولكن أحاظ قسمت وجدود


                                                                                                                                                                                                                                      إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ...     فمطلبها كهلا عليه شديد


                                                                                                                                                                                                                                      وكائن رأينا من غني مذمم ...     وصعلوك قوم مات وهو حميد



                                                                                                                                                                                                                                      والمعنى أن كثرة المال وقلته ليست من غريزة من الغرائز؛ وإنما هي أمر رباني؛ لا مدخل للغرائز - من جلادة؛ ولا غيرها - فيه؛ بدليل أنا كثيرا ما رأينا من فاته الغنى شابا جلدا؛ وناله شيخا ضعيفا؛ وما رأينا [ ص: 166 ] من أخطأته المروءة شابا نالها شيخا؛ وبدليل أنه كم من غني كانت غرائزه ذميمة؛ وكم من فقير كانت خلائقه محمودة؛ والمروءة هي الإنسانية؛ وهي كل أمر هنيء حميد المغبة؛ جميل العاقبة؛ وهذا هو السيادة؛ يعني أن من كانت المروءة في غريزته حمله طبعه على تعاطيها في شبابه؛ غنيا كان أو فقيرا؛ ومن لم يكن عنده لم يقدر على تكلفها في سن الاكتهال؛ فلله درهم! ما كان أحكمهم وأدراهم بالدقائق؛ وأعلمهم! ولذلك جعل هذا النبي الأمي منهم؛ فملأت معارفه الأكوان؛ وسمت في رتب المعاني صاعدة؛ فأين منها كيوان؟!

                                                                                                                                                                                                                                      ولما كان الشعر - مع ما بني عليه من التكلف؛ الذي هو بعيد جدا عن سجايا الأنبياء؛ فكيف بأشرفهم؟! - مما يكتسب به؛ مدحا؛ وهجوا؛ فيكون أكثره كذبا - إلى غير ذلك من معايبه؛ قال - سبحانه وتعالى -: وما ينبغي له ؛ أي: وما يصح؛ ولا يتطلب؛ ولا يتأتى أصلا؛ لأن منصبه أجل؛ وهمته أعلى من أن يكون مداحا؛ أو عيابا؛ أو أن يتقيد بما قد يجر إلى نقيصة في المعنى؛ وجبلته منافية لذلك غاية المنافاة. [ ص: 167 ] ولما تمت الدلالة على أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛ وتضمنت أن الشعر - وهو تعمد صوغ الكلام على وزن معلوم؛ وقافية ملتزمة - نقيصة؛ لما ذكر؛ ولما يلزمه التقيد بالوزن؛ والروي؛ والقافية؛ من التقديم؛ والتأخير؛ والتحويم على المعاني؛ من غير إفصاح ولا تبيين؛ فيصير عسر الفهم؛ مستعصي البيان؛ ونفى عنه - صلى الله عليه وسلم - تلك النقيصة؛ فتضمن ذلك تنزيه ما أنزل عليه عنها - كما أشارت إليه نون العظمة في "علمنا" - أثبت له ما ينبغي له؛ فقال - كالتعليل لما قبله -: إن ؛ أي: ما؛ هو ؛ أي: هذا الذي أتاكم به؛ إلا ذكر ؛ أي: شرف؛ وموعظة؛ وقرآن ؛ أي: جامع للحكم كلها؛ دنيا؛ وأخرى؛ يتلى في المحاريب؛ ويكرر في المتعبدات؛ وينال بتلاوته والعمل به فوز الدارين؛ مع الفصل بين الملبسات؛ مبين ؛ أي: ظاهر في ذلك؛ مظهر لكل ما فيه لمن يرومه حق رومه؛ ويسومه بأغلى سومه؛ بعد أن يشترك في مطلق فهمه؛ ومجرد اللذة به؛ الذكي؛ والغبي؛ والحديد؛ والبليد؛ وليس هو بشعر متكلف؛ يتقدم فيه - بحكم التزام الوزن؛ والروي؛ والقافية - الشيء عن حاق موضعه تارة؛ ويتأخر أخرى؛ ويبدل بما لا يساويه؛ فتنقص معانيه؛ وتتعقد؛ فتشكل؛ فلا يفهمه إلا ذاك؛ وذاك؛ [ ص: 168 ] مع أنه من همزات الشياطين فيا بعد ما بينهما! ويبين هذا المعنى غاية البيان آخر "ص": قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين ؛ أي: كلهم؛ ذكيهم؛ وغبيهم؛ بخلاف الشعر؛ فإنه مع نزوله عن بلاغته جدا إنما هو ذكر للأذكياء جدا.

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية