الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        37570 - قال مالك : والأمر عندنا أن الدية لا تجب على العاقلة ، حتى تبلغ الثلث فصاعدا ، فما بلغ الثلث فهو على العاقلة ، وما كان دون الثلث فهو في مال الجارح خاصة .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        37571 - قال أبو عمر : قد تقدم ذكر إجماع العلماء ، على أن العاقلة تحمل الدية كاملة في قتل المؤمن الحر خطأ ، ذكرا كان أو أنثى .

                                                                                                                        37572 - واختلفوا في مبلغ ما تحمله العاقلة من ديات الجراحات في الدماء ، بعد إجماعهم أن العاقلة تحمل دية المؤمن المقتول خطأ ، ذكرا أو أنثى ، وبعد إجماعهم [ ص: 182 ] على أنها لا تحمل شيئا من جنايات الأموال .

                                                                                                                        37573 - وقول مالك ما ذكره في موطئه .

                                                                                                                        37574 - وعليه جمهور جماعة أصحابه ، أن العاقلة لا تحمل إلا الثلث فما زاد .

                                                                                                                        37575 - وهو قول سعيد بن المسيب ، والفقهاء السبعة من المدينة ، وابن أبي ذئب وابن أبي سلمة .

                                                                                                                        37576 - وقال أبو سلمة وأصحابه : إذا بلغ من المرأة عشر ديتها ومن الرجل نصف عشر ديته ، حملته العاقلة ، وما دونها ففي مال الجاني ، لا تحمله العاقلة .

                                                                                                                        37577 - وقال الثوري ، وابن شبرمة : الموضحة ، فما زاد ، على العاقلة فدل على أنهما اعتبرا من الرجال والمرأة مقدار موضحة الرجل .

                                                                                                                        37578 - وهو قول عمر بن عبد العزيز .

                                                                                                                        37579 - وقال عثمان البتي ، والشافعي : تحمل العاقلة القليل والكثير من أروش الدماء في الخطأ ، من قتل وجرح ، من حر وعبد ، وذكر وأنثى .

                                                                                                                        37580 - قال الشافعي : لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما حمل العاقلة الأكثر ، دل على تحملها الأيسر .

                                                                                                                        37581 - قال أبو عمر : قول الشافعي يحتج والحجة له إجماع علماء المسلمين ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سن وشرع حمل العاقلة الدية كاملة ، ومعلوم أن ذلك حمل لجميع الأجزاء لها ، فمن زعم أن جزءا منها عشر ألف ، أو نصف عشر أو ثلثا ، [ ص: 183 ] لا تحمله ، وتحمل ما فوقه ، فقد قال بما لا يعضده أصل ، ولا شيئا سن ، ولا جاء به توقيف عمن يجب التسليم له .

                                                                                                                        37582 - وأما وجه قول مالك ، والحجة له ، أن الأصل ألا يحمل أحد جناية غيره ، بأن الله تعالى يقول في كتابه : ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) [ الأنعام : 164 ] .

                                                                                                                        37583 - وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل في ابنه : " إنك لا تجني عليه ، ولا يجني عليك " ، فلا تكسب كل نفس إلا عليها في دم ، ولا مال ، إلا أن تخص ذلك سنة قائمة ، أو إجماع .

                                                                                                                        37584 - وقد أجمع أن ما بلغ الثلث من الدية فما زاد ، منحته العاقلة .

                                                                                                                        37585 - خرج من معنى ما تلونا ، وبقي ، ما اختلف فيه على الأصل المعلوم في ألا تزر وازرة وزر أخرى ، ( ولا تكسب كل نفس إلا عليها ) [ الأنعام : 164 ] .

                                                                                                                        37586 - وكان استثناء مجتمعا عليه ، من أصل مجتمع عليه ، لأن من قال : [ ص: 184 ] تحمل العاقلة العشر ، ونصف العشر فصاعدا ، ومن قال : تحمل القليل والكثير قد اجتمعوا في تحمل الثلث فصاعدا ، فوجب أن يكون ما نقص من الثلث مردودا إلى الإجماع في أنه لا يحمل أحد إلا ما جنت يده ، لا ما جنى غيره .

                                                                                                                        37587 - قال أبو عمر : قد تجاوز الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان ، قال الله - عز وجل : ( وليس عليكم جناح فيما أخطأتم ) [ الأحزاب : 5 ] .

                                                                                                                        37588 - وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .

                                                                                                                        37589 - وما تجاوز الله عنه ، فلا وزر فيه .

                                                                                                                        37590 - ولا معنى لقول من احتج في هذا الباب ، بقول الله تعالى : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) [ الأنعام : 164 ] .

                                                                                                                        37591 - وقد سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قتل المؤمن خطأ ، أن لا يطل دمه ، وأن يحمله غيره الذي أخطأ فيه ، ولم يرد قتله ، وأن يتعاون قبيله ورهطه .

                                                                                                                        37592 - وما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذلك هدى الله ، قال الله تعالى : ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) [ النساء : 65 ] .




                                                                                                                        الخدمات العلمية