الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        38073 - قال مالك ، في الرجل يقتل الرجل عمدا ، أو يفقأ عينه عمدا ، فيقتل القاتل أو تفقأ عين الفاقئ قبل أن يقتص منه : أنه ليس عليه دية ولا قصاص ، وإنما كان حق الذي قتل أو فقئت عينه في الشيء ، بالذي ذهب وإنما ذلك بمنزلة الرجل يقتل الرجل عمدا ، ثم يموت القاتل ، فلا يكون لصاحب الدم ، إذا مات القاتل ، شيء ، دية ولا غيرها .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        38074 - قال أبو عمر : قول مالك هذا صحيح ، لأن ولي المقتول عمدا ، لا يملك نفس المقتول ، فيطلب بدلها من قاتله ، وإنما له حق استيفاء القصاص .

                                                                                                                        38075 - وكذلك الذي فقئت عينه عمدا ، فإذا ذهب ما يستحقه بالقصاص ، بطل الدم .

                                                                                                                        38076 - وهذا قول ابن القاسم .

                                                                                                                        38077 - وروايته عن مالك ، أن ولي المقتول ليس مخيرا في القصاص أو أخذ [ ص: 262 ] الدية ، وإنما له القصاص فقط ، إلا أن يصطلحوا على شيء .

                                                                                                                        38078 - وأما رواية المدنيين عنه ، في تخيير ولي المقتول ، إن شاء قتل ، وإن شاء أخذ الدية ، فقياسه أن يكون له الدية إن شاء ، على القاتل الثاني ، وإن شاء قتله .

                                                                                                                        38079 - وروى ابن القاسم ، عن مالك ، قال : لو قتل رجل عمدا ، فجاء رجل فقتل القاتل عمدا ، قيل لأولياء المقتول الآخر : أرضوا أولياء المقتول الأول ، وخذوا قاتل قاتلكم ، فاصنعوا به ما شئتم ، فإن أرضوا أولياء المقتول الأول ، وإلا دفع الثاني إلى أولياء المقتول الأول : يصنعوا به ما أحبوا .

                                                                                                                        38080 وقال الحسن بن حي : إذا قتل القاتل الأول ، فلا حق لأولياء المقتول الأول على القاتل الثاني .

                                                                                                                        38081 - وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد : ولو قتله رجل عمدا ، وجب عليه القود ، قتل بحق ، أو بغير حق ، ولا شيء لولي المقتول الأول .

                                                                                                                        38082 - وهو قول عثمان البتي .

                                                                                                                        38083 - وقال سفيان الثوري : يقتل الذي قتله ، وبطل دم الأول .

                                                                                                                        38084 - وهو قول الحسن البصري ، كقول الشافعي فيها ، كرواية المدنيين عن مالك ، أن لأولياء المقتول على الأجنبي القاتل القصاص ، إلا أن يشاؤوا أخذ الدية .

                                                                                                                        38085 - وروى ابن القاسم ، عن مالك فيمن فقأ عين رجل عمدا ، فذهبت عينه من السماء ، أو قطع يد رجل ، فشلت يده ، أو قطعت في سرقة ، أنه لا شيء [ ص: 263 ] للذي فقئت عينه ، ولا للذي قطعت يده من مال أو قصاص .

                                                                                                                        38086 - قال أبو عمر : اختصار هذا الباب ، أن نقول : لو قتل رجل رجلا ، فقتل قاتله في حرابة ، أو ردة ، أو مات ، فلا شيء لوليه ، ولو قطع رجل يد رجل ، فقطعت يده في سرقة ، أو ذهبت بآفة من الله - عز وجل - ، فلا حق للمجني عليه ، من مال ولا قصاص .

                                                                                                                        38087 - ووافق أبو حنيفة مالكا في النفس ، وخالفه في الأعضاء .

                                                                                                                        38088 - وقال الشافعي : له الدية في الوجهين جميعا ، في النفس والأعضاء .

                                                                                                                        38089 - وقال مالك : فإن قطع رجل يد القاطع عمدا ، كان للمقطوع الأول القصاص على القاطع الثاني ، لأنه كان أحق بيده من نفسه ، وإن قطعها خطأ ، فعلى القاطع الثاني دية اليد ، ويكون ذلك للمقطوع الأول .

                                                                                                                        38090 - قال أبو عمر : هذا إنما يخرج على رواية المدنيين عنه ، والله أعلم .

                                                                                                                        38091 - وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو قطع رجل يد رجل ، فوجب عليه القصاص ، فقطعت يده في سرقة أو في قصاص لآخر ، فللآخر عليه أرش يده ، وإن قطعها إنسان بغير حق ، لم يكن للمقطوع الأول شيء .

                                                                                                                        38092 - وهو عند الشافعي مخير ، إن شاء قطع الثاني ، وإن شاء أخذ الدية .

                                                                                                                        38093 - وروى قتادة ، وفرقة ، في رجل قتل رجلا عمدا ، فحبس القاتل للقود ، فجاء رجل ، فقتله عمدا ، قال : لا يقاد منه ، لأنه قتل من وجب عليه القتل .

                                                                                                                        38094 - قال أبو عمر : من قال هذا ، قاسه على من وجب القتل لله [ ص: 264 ] عز وجل - عليه ، كالمرتد ، أو كالمحصن الزاني ، إذا حبس أحدهما للقتل أو الرجم ، فقتله رجل عمدا .

                                                                                                                        38095 - وهذا قياس فاسد ، لأن من وجب عليه حق الله - عز وجل - ليس لأحد فيه خيار .

                                                                                                                        38096 - وأما إذا وجب الحق للأولياء ، فلهم العفو ، والقصاص ، ولهم أيضا أخذ الدية ، عند جماعة من العلماء .

                                                                                                                        38097 - واختلفوا في الذي فقأ عين رجل عمدا ، فذهبت عينه تلك ، قبل أن يقتص منه ، أو قطع يد رجل ، فذهبت تلك اليد منه ، هل للمجني عليه أن يأخذ عينه الأخرى ، أو يده الأخرى ؟

                                                                                                                        38098 - فقال مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهم : لا تؤخذ اليمنى باليسرى ، ولا اليسرى باليمنى ، لا في العين ، ولا في اليد ، ولا تؤخذ السن إلا بمثلها من الجاني .

                                                                                                                        38099 - وقال ابن شبرمة : تفقأ العين اليمنى باليسرى ، واليسرى باليمنى ، وكذلك اليد ، وتؤخذ الثنية بالضرس ، والضرس بالثنية ، لأن الله - عز وجل - يقول : ( والعين بالعين والسن بالسن ) [ المائدة : 45 ] .

                                                                                                                        38100 - وقال الحسن بن صالح بن حي : إذا قطع أصبع من كف ، فلم يكن للقاطع من تلك الكف مثل تلك الأصبع ، قطع من تلك الكف أصبع مثلها تليها ، ولا تقطع أصبع كف بأصبع كف أخرى .

                                                                                                                        [ ص: 265 ] 38101 - قال : وكذلك تقلع السن التي تليها ، إذا لم تكن للقاطع سن مثلها ، وإن بلغ ذلك الأضراس .

                                                                                                                        38102 - قال : وتؤخذ العين اليمنى باليسرى ، واليسرى باليمنى ، ولا تؤخذ اليد اليمنى باليسرى ، ولا اليسرى باليمنى .

                                                                                                                        38103 - قال أبو عمر : أجمعوا على أن عين الفاقئ إذا كانت صحيحة ، لم يكن للمفقأ عينه أن يأخذ غيرها ، فدل على أن قوله - عز وجل : ( والعين بالعين ) [ المائدة : 45 ] ما قابلها . والله أعلم .




                                                                                                                        الخدمات العلمية