الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        1631 1630 - مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، أنه أخبره : أن عبد الله بن سهل الأنصاري ، ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر ، فتفرقا في حوائجهما ، فقتل عبد الله بن سهل ، فقدم محيصة ، فأتى هو ، وأخوه حويصة ، وعبد الرحمن بن سهل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذهب عبد الرحمن ليتكلم ، لمكانه من أخيه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " كبر كبر " فتكلم حويصة ومحيصة ، فذكرا شأن عبد الله بن سهل ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " أتحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم ؟ " قالوا : يا رسول الله ، لم نشهد ولم نحضر ، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " فتبرئكم يهود بخمسين يمينا ؟ " فقالوا : يا رسول الله ، كيف نقبل أيمان قوم كفار ؟ قال يحيى بن سعيد : فزعم بشير بن يسار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وداه من عنده .

                                                                                                                        [ ص: 301 ]

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        [ ص: 301 ] 38292 - قال أبو عمر : لم يختلف الرواة عن مالك لهذا الحديث عن يحيى بن سعيد ، في إرساله عن بشير بن يسار ، وأنه ليس فيه لسهل بن أبي حثمة ذكر .

                                                                                                                        38293 - وإن كان غيره من رواة يحيى بن سعيد ، جعلوه : عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة .

                                                                                                                        38294 - وذكر جماعة منهم سماع بشير بن يسار له من سهل بن أبي حثمة فإن مالكا في حفظه وإتقانه وعلمه بحديث أهل بلده ، قد أرسل هذا الحديث عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، لم يتجاوز به بشير بن يسار .

                                                                                                                        38295 - وما أظن البخاري - والله أعلم - ترك إخراج حديث يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار هذا إلا لإرسال مالك له ، ولم يجعل من خالفه ورواه عن يحيى بن سعيد ، وأسنده حجة على مالك ، وخرجه من حديث سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة ، ذكره عن أبي نعيم : الفضل بن دكين ، عن سعيد بن عبيد ، عن بشير بن يسار ، وهو مخالف لمعنى ما جاء به يحيى بن سعيد فيه ، من تبدئة الساعي المدعي بالأيمان .

                                                                                                                        38296 - وقد أخطأ جماعة من أهل العلم بالحديث سعيد بن عبيد ، في روايته هذه ، عن بشير بن يسار ، وذموا البخاري في تخريجه حديث سعيد بن عبيد ، وتركه [ ص: 302 ] حديث يحيى بن سعيد ، الذي فيه تبدئة المدعي بالأيمان .

                                                                                                                        38297 - وممن روى هذا الحديث مسندا عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة ، سفيان بن عيينة ، وحماد بن زيد ، وعباد بن العوام ، والليث بن سعد ، وبشير بن الفضل .

                                                                                                                        38298 - وقال فيه حماد بن زيد ، وعباد بن العوام ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة ، ورافع بن خديج ، فزاد فيه مع سهل بن أبي حثمة ، رافع بن خديج .

                                                                                                                        38299 - وقال فيه الليث ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة : قال يحيى : حسبت أنه قال : ورافع بن خديج .

                                                                                                                        38300 - وكلهم رووه عن يحيى بن سعيد بمعنى ما رواه مالك ، في تبدئة الأنصار المدعين بالأيمان ، إلا سفيان بن عيينة ، فإنه اختلف عنه في ذلك ، فرواه عنه ابن أبي عمر بسياقة مالك ، وقال في آخره : لا أدري بدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيمين المدعين أوالمدعى عليهم .

                                                                                                                        38301 - ورواه جماعة عن يحيى بن سعيد ، قال : أخبرني بشير بن يسار ، سمع سهل بن أبي حثمة يقول : وجد عبد الله بن سهل قتيلا بخيبر . . فذكر الحديث ، وفيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للأنصار ، حويصة ومحيصة وعبد الرحمن : " تبرئكم يهود بخمسين يمينا ، أنهم لم يقتلوه " . فقالوا : وكيف نرضى بأيمان قوم كفار قال : " فيقسم منكم خمسون أنهم قتلوه " ، قالوا : كيف نقسم [ ص: 303 ] على ما لم نر ، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده ، فبدأ - عليه السلام - بقوله : " تبرئكم يهود " ، قبل أن يقول : " فيقسم منكم " وهذا معنى ما رواه سعيد بن عبيد ، عن بشير بن سهل ، في هذا الحديث .

                                                                                                                        38302 - ورواه سائر من رواه عن يحيى بن سعيد بمعنى ما رواه مالك من تبدئة المدعي بالأيمان .

                                                                                                                        38303 - وكذلك رواه الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، وهو أثبت الناس في ابن عيينة ، وهو الصحيح ، ومن قال فيه عن ابن عيينة تبدئة اليهود بالأيمان ، فقد أخطأ ، ولم يصب ، والصحيح في حديث يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، تبدئة المدعين وهم الأنصار بالأيمان ، والله أعلم .

                                                                                                                        38304 - وكذلك رواه محمد بن إسحاق ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة .

                                                                                                                        38305 - وعن الزهري ، عن سهل بن أبي حثمة ، ذكر فيه تبدئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأنصار بالأيمان .

                                                                                                                        38606 - وقد ذكرنا في " التمهيد " الروايات بذلك كله بالأسانيد عن من ذكرنا فسياق كل واحد منهم بالحديث بمعنى ما وصفت عنه ، إلا رواية محمد بن إسحاق التي ذكرنا ، فنذكرها هنا ، لأنا لم نذكرها هناك .

                                                                                                                        38307 - حدثني عبد الوارث بن سفيان ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، [ ص: 304 ] قال : حدثني عبيد الله بن عبد الواحد ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن أيوب ، قال : حدثني إبراهيم بن سعد ، عن محمد بن إسحاق ، قال حدثني الزهري ، عن سهل بن أبي حثمة .

                                                                                                                        38308 - وحدثني بشير بن يسار ، مولى بني حارثة ، عن سهل بن أبي حثمة ، قال : أصيب عبد الله بن سهل بخيبر ، وكان خرج إليها في أصحاب لهم يتمارون منها تمرا ، فوجد في عين قد كسرت عنقه ، ثم طرح فيها ، فأخذوه ، فغيبوه ، ثم قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له شأنه فتقدم إليه أخوه ، عبد الرحمن ومعه ابنا عمه ، حويصة ، ومحيصة ابنا مسعود ، وكان عبد الرحمن من أحدثهم سنا ، وكان صاحب الدم وكان ذا قدم في القوم ، فلما تكلم قبل ابني عمه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " الكبر الكبر " فسكت فتكلم حويصة ومحيصة ، ثم تكلم هو بعد ، فذكروا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتل صاحبهم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " تسمون قاتلكم ، ثم تحلفون عليه خمسين يمينا ، فيسلم إليكم " فقالوا : يا رسول الله ما كنا لنحلف على ما لا نعلم ، قال : " فيحلفون لكم بالله - يعني اليهود - خمسين يمينا ، ما قتلوه ، ولا يعلمون له قاتلا ، ثم يبرءون من دمه " . قالوا : يا رسول الله ما كنا لنقبل أيمان يهود ، ما فيهم من الكفر أعظم من أن يحلفوا على إثم ، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده بمائة ناقة .

                                                                                                                        قال سهل : فوالله ما أنسى بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها .


                                                                                                                        38309 - قال أبو عمر : ففي هذه الآثار كلها من رواية مالك وغيره ، على ما [ ص: 305 ] ذكرنا في " التمهيد " تبدئة المدعين للدم بالأيمان في القسامة .

                                                                                                                        38310 - وإليها ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد بن حنبل ، وإسحاق ، وهؤلاء أئمة أهل الحديث .

                                                                                                                        38311 - قال أحمد بن حنبل : الذي أذهب إليه في القسامة ، حديث بشير بن يسار ، من رواية يحيى بن سعيد ، فقد وصله عنه حافظ ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد .

                                                                                                                        38312 - حكى هذا عنه أبو بكر الأثرم ، وحسبك بأحمد إمامة في الحديث ، وعلما بصحيحه من سقيمه .

                                                                                                                        38313 - وقد ذكرنا حديث يحيى بن سعيد ، من رواية حماد بن زيد وغيره عنه ، في " التمهيد " والحمد لله كثيرا .

                                                                                                                        38314 - وأما الآثار التي فيها أن اليهود بدأهم النبي - عليه السلام - بالأيمان ، فمنها ما رواه سعيد بن عبيد الطائي الكوفي ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة ،

                                                                                                                        38315 - أخبرنا عبد الله بن محمد بن بكر ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني محمد بن عبد الملك ، قال : حدثني أحمد بن محمد بن زياد ، قال : حدثني الحسن بن محمد بن الصباح ،

                                                                                                                        38316 - وحدثني سعيد بن نصر ، قال : حدثني قاسم بن أصبغ ، قال : [ ص: 306 ] حدثني محمد ، قال : حدثني أبو بكر ،

                                                                                                                        38317 - قالوا كلهم : حدثني أبو نعيم ، الفضل بن دكين .

                                                                                                                        38318 - وحدثني عبد الوارث ، قال : حدثني قاسم ، قال : حدثني أبو إسماعيل ، محمد بن إسماعيل السلمي ، قال : حدثني أبو نعيم ، الفضل بن دكين ، قال : حدثني سعيد بن عبيد الطائي ، عن بشير بن يسار ، أن رجلا من الأنصار يقال له : سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرا من قومه انطلقوا إلى خيبر ، فتفرقوا فيها ، فوجدوا منهم قتيلا ، فقالوا للذي وجدوه عندهم : قتلتم صاحبنا ، فقالوا : ما قتلناه ، ولا علمنا له قاتلا ، قال : فانطلقوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا : يا نبي الله ، انطلقنا إلى خيبر ، فوجدنا أخانا قتيلا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : " الكبر الكبر " وقال لهم : " تأتون بالبينة على من قتل " فقالوا : ما لنا بينة ، قال : " فيحلفون لكم " قالوا : ما نرضى أيمان يهود ، فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يطل دمه ، فوداه بمائة من إبل الصدقة .

                                                                                                                        38319 - وما حدثنا عبد الله ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني الحسن بن علي ، قال : حدثني عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن الزهري ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار ، عن رجال من الأنصار ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ليهود ، وبدأ بهم ، " أيحلف منكم خمسون رجلا ؟ " فأبوا ، فقال للأنصار : " أتحلفوا " ، فقالوا : أنحلف على الغيب يا رسول الله ؟ فجعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية على يهود ، لأنه وجد بين أظهرهم .

                                                                                                                        [ ص: 307 ] 38320 - وحدثني عبد الله ، قال : حدثني محمد ، قال : حدثني أبو داود ، قال : حدثني الحسن بن علي بن راشد ، قال : حدثني هشيم ، عن أبي حيان التيمي ، قال : حدثني عباية بن رفاعة ، عن رافع بن خديج ، قال : أصبح رجل من الأنصار مقتولا ، فانطلق أولياؤه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكروا ذلك له ، فقال لهم : " شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم " ، قالوا : يا رسول الله لم يكن ثم أحد من المسلمين ، وإنما هم يهود ، وقد يجسرون على أعظم من هذا ، قال : " فاختاروا منكم خمسين رجلا يحلفون " فأبوا ، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده .

                                                                                                                        38321 - قال أبو عمر : هذا خلاف ما رواه حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن بشير بن يسار ، عن سهل بن أبي حثمة ، ورافع بن خديج ، لأن في حديثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدأ الأنصار بالأيمان ، كما رواه مالك ، وجماعة عن يحيى بن سعيد .

                                                                                                                        38322 - وفي هذا الحديث عن رافع بن خديج ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل الأنصار البينة ، فلما لم تكن لهم بينة ، أراد أيمان اليهود ، فلم يرضوا بأيمان اليهود ، فأراد أيمانهم ، ليقضي لهم بما شاء الله من دية أو قود ، فلم يفعلوا ، فوداه من عنده .

                                                                                                                        38323 - وهذه قصة لم يحكم فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشيء ، لإباء المدعين من الأيمان ، ومن قبول أيمان اليهود ، وتبرع بأن جعل الدية من مال الله - عز وجل - لئلا يطل دم مسلم ، والله أعلم .

                                                                                                                        38324 - وما أعلم في شيء من الأحكام المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاضطراب ، [ ص: 308 ] والتضاد ما في هذه القصة ، فإن الآثار فيها متضادة متدافعة ، وهي قصة واحدة ، وفي مذاهب العلماء من الاختلاف في القسامة وما يوجبها والأيمان فيها ، ومن يبدءون بها ، وهل يجب بها القود أو لا يستحق بها غير الدية ؟ وفي من أثبتها وذهب فيها إلى بعض الوجوه التي ذكرنا ، ومن نفاها جملة ولم يرها .

                                                                                                                        38325 - ولهم في ذلك من التنازع ما يضيق بتهذيبه وتلخيص وجوبه كتاب ، فضلا عن أن يجمع في باب .

                                                                                                                        38326 - وسنذكر منه هنا ما يكفي ويشفي - إن شاء الله عز وجل - وجملة ذلك أن من أثبت القسامة فريقان :

                                                                                                                        38327 - فطائفة منهم وهم ، مالك ، والشافعي ، والليث ، يعتبرون الشبهة للبينة ، واللوث ، واللطخ وما غلب على العقل والظن فهم يطلبون ما يتطرق به إلى حراسة الدماء ، ولم يطلب أحد منهم الشهادة القاطعة ، ولا العلم الصحيح البت ، وهؤلاء وأصحابهم يبدئون الذين يدعون الدم بالأيمان في دعوى الدم .

                                                                                                                        38328 - وطائفة أهل العراق ، والكوفيون ، وأكثر البصريين ، يوجبون القسامة والدية ، لوجود القتيل على أهل الموضع ، ما يعتبرون غير ذلك ، وكلهم يرى الأيمان على المدعى عليهم مع الدية دون المدعين وكلهم واحد .

                                                                                                                        38329 - وكل واحد من الفريقين ينزع بابا نشهد له بما ذهب إليه ، فنبدأ بقول مالك - رحمه الله - ثم نردفه بقول غيره ، بحول الله وعونه .




                                                                                                                        الخدمات العلمية