الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                        صفحة جزء
                                                                                                                        36787 - قال مالك : ومن قتل خطأ ، فإنما عقله مال لا قود فيه ، وإنما هوكغيره من ماله ، يقضى به دينه ، ويجوز فيه وصيته ، فإن كان له مال تكون الدية قدر ثلثه ، ثم عفي عن ديته ، فذلك جائز له ، وإن لم يكن له [ ص: 44 ] مال غير ديته جاز له من ذلك ، الثلث ، إذا عفي عنه ، وأوصى به .

                                                                                                                        التالي السابق


                                                                                                                        36788 - قال أبو عمر : لا أعلم خلافا بين أهل العلم ، أن دية الخطأ كسائر مال المقتول ، يرثه عنه ورثته ذوو الفروض والعصبة ، إلا أن طائفة من أهل الظاهر شذت ، فلم أر لذكر ما أتت به وجها .

                                                                                                                        36789 - وقد كان عمر بن الخطاب يقول : ترث المرأة من دية زوجها . حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إليه ، أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها .

                                                                                                                        36790 - وكان قتل أشيم خطأ ، فقضى به عمر .

                                                                                                                        36791 - والناس بعده لا يختلفون أن دية المقتول كسائر ماله تجوز فيه وصيته ، كما تجوز في ماله ، فإن لم يترك مالا غيرها ، لم يجز له من الوصية بها إلا ثلثها ، فإن عفي عنها ، فللعاقلة ثلثها ، ويغرمون الثلثين ، والعفو هنا كالوصية ، إذا لم يكن له مال غير ديته ، ولا يرث القاتل شيئا منها ، لأن العلماء مجمعون أنالقاتل خطأ لا يرث من الدية شيئا ، كما أجمعوا أن القاتل عمدا ، لا يرث من المال ، ولا من الدية شيئا .

                                                                                                                        36792 - ذكر عبد الرزاق ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : سمعت عطاء يقول [ ص: 45 ] إن وهب الذي يقتل خطأ ديته للذي قتله ، فإنما له منها ثلثها ، إنما هوماله ، فيوصي فيه .

                                                                                                                        36793 - قال : وأخبرنا معمر ، عن سماك بن الفضل ، قال : كتب عمر بن عبد العزيز : إذا تصدق الرجل بديته ، وقتل خطأ ، ولم يكن له مال ، فالثلث من ذلك جائز إذا لم يكن له مال غيره .

                                                                                                                        36794 - قال أبو عمر : هذا مجمله في من قتل خطأ ، ولم يكن له مال غير ديته ، ولو كان له مال غير ديته ، كان له أن يوصي بجميعها ، كما قال مالك .

                                                                                                                        36795 - وأما من قتل عمدا ، فله أن يعفو عن دمه ، وعن كل ما يجب له فيه ، كما له أن يصالح عليه بأكثر من الدية ، قال الله تعالى : ( فمن تصدق به فهو كفارة له ) . [ المائدة : 45 ]

                                                                                                                        36796 - ذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، أنه قال : إذا تصدق الرجل بدمه ، وكان قتل عمدا ، فهو جائز .

                                                                                                                        36797 - قال : وأخبرنا الثوري ، عن يونس ، عن الحسن ، قال : إذا كان عمدا ، فهو جائز ، وليس في الثلث .

                                                                                                                        36798 - قال عبد الرزاق : وقال هشام ، عن الحسن : إذا كان خطأ ، فهو في [ ص: 46 ] الثلث .

                                                                                                                        36799 - قال : وأخبرنا ابن جريج ، قال : أخبرني ابن طاوس ، عن أبيه ، أنه قال : إذا أصيب رجل ، فتصدق بنفسه ، فهو جائز ، قال : فقلنا : له ثلثه ؟ فقال : بل كله .

                                                                                                                        36800 - قال : وأما اختلاف الفقهاء في الوصية للقاتل ، فروى ابن القاسم ، عن مالك ، قال : إذا ضربه عمدا ، أو خطأ ، فأوصى له المضروب ، ثم مات من ذلك ، جازت الوصية في ماله ، وفي ديته ، إذا علم بذلك منه ، ولوأوصى له بوصية ، ثم قتله الموصي له عمدا أو خطأ ، فالوصية لقاتل الخطأ تجوز في ماله ، ولا تجوز في ديته .

                                                                                                                        36801 - وقاتل العمد لا تجوز له وصية من المقتول ، في ماله ، ولا في ديته .

                                                                                                                        36802 - وقال أبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، لا تجوز وصية المقتول للقاتل .

                                                                                                                        36803 - وقال الطحاوي : فإن أجازها الورثة ، جازت عند أبي حنيفة ، ومحمد ، ولم تجز عند أبي يوسف .

                                                                                                                        36804 - قال : والقياس ما قاله أبو يوسف ، لأنه لما جعلها كالميراث في بطلانها في القتل ، وجب ألا تجوز بإجازة الورثة ، كما لا يجوز الميراث بإجازة الورثة .

                                                                                                                        [ ص: 47 ] 36805 - قال : ولا فرق بين الدية ، وسائر ماله ، لأن الجميع مال الميت ، موروث عنه .

                                                                                                                        36806 - قال : ولا فرق أيضا بين أن تتقدم الجناية على الوصية ، أوتتأخر عنها ، لأن الوصية لو جازت ، كانت متعلقة بالموت ، وهذا قاتل بعد الموت ، فلا وصية له .

                                                                                                                        36807 - وقال الشافعي : ولو عفا المجني عليه عمدا عن قود وعقل ، جاز فيما لزمه بالجناية ، ولم يجز في مازاد ، لأن ذلك لم يجب بعد .

                                                                                                                        36808 - ولو قال : قد عفوت عنها ، وعما يحدث منها من عقل وقود ، ثم مات ، فلا سبيل إلى القود ، للعفو ، وجاز ما عفى عنه في ثلث ماله .

                                                                                                                        36809 - قال : وفيها قول آخر : إن الخارج يؤخذ بجميع الجناية ، لأنها صارت نفسا .

                                                                                                                        36810 - قال : ولا تجوز له وصية بحال .

                                                                                                                        36811 - وإلى هذا ذهب المزني .

                                                                                                                        36812 - قال أبو عمر : قول مالك : من قتل خطأ ، فإنما عقله مال ، لا قود فيه ، أمر مجتمع عليه ، لأن قتل الخطأ لا قود فيه ، لأن الله تعالى قال : ( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ) [ النساء : 92 ] .

                                                                                                                        فجعلها دية وكفارة ، لا غير ، والله الموفق للصواب .




                                                                                                                        الخدمات العلمية