الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          واستحب الآجري صوم شعبان ، ولم يذكره غيره ، وسبق كلام صاحب المحرر ، وكذا قال ابن الجوزي في كتاب أسباب الهداية : يستحب صوم الأشهر الحرم وشعبان كله ، وهو ظاهر ما ذكره صاحب المحرر في الأشهر الحرم ، وقد روى أحمد وأبو داود وغيرهما من رواية مجيبة الباهلي ولا يعرف { عن رجل من باهلة أنه عليه السلام أمره بصوم الأشهر الحرم } ، وفي الخبر اختلاف ، وضعفه بعضهم ، ولهذا والله أعلم لم يذكر استحبابه الأكثر ، وصوم شعبان كله إلا قليلا في الصحيحين عن عائشة ، وقيل : قولها : كله . قيل : غالبه ، وقيل : يصومه كله في وقت ، وقيل : يفرق صومه كله في سنتين ، ولأحمد ومسلم وأبي داود والنسائي { عن عائشة : لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 120 ] قرأ القرآن كله في ليلة ، ولا قام ليلة حتى أصبح ولا صام شهرا كاملا غير رمضان } . قال في شرح مسلم : قال العلماء : إنما لم يستكمل غيره لئلا يظن وجوبه . وعنها أيضا : والله إن صام شهرا معلوما سوى رمضان حتى مضى لوجهه ولا أفطره حتى يصيب منه . ولمسلم : منذ قدم المدينة . وعن ابن عباس : ما صام شهرا كاملا قط غير رمضان . ولمسلم : منذ قدم المدينة متفق عليهما ، وصوم شعبان كله في السنن عن أم سلمة ، ورواهما أحمد ، ولعل ظاهر ما ذكره الآجري أنه أفضل من المحرم وغيره ، ووجهه قول أسامة بن زيد : لم يكن عليه السلام يصوم من شهر ما يصوم من شعبان ، وقال : ذلك شهر يغفل الناس عنه . رواه أبو بكر البزار وأبو بكر بن أبي شيبة ، وفي لفظه : أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : { ترفع فيه أعمال الناس ، فأحب أن لا يرفع عملي إلا وأنا صائم } وروى اللفظين أحمد والنسائي ، والإسناد جيد ، وروى سعيد : حدثنا عبد العزيز بن محمد عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد قال : أظنه عن محمد بن إبراهيم التيمي { أن أسامة بن زيد كان يصوم شهر المحرم ، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيام شوال ، فما زال أسامة يصومه حتى لقي الله } . إسناد جيد ، إلا أنه قال : أظنه ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح عنه ، ولم يشك . وفيه أنه كان يصوم الأشهر الحرم . فقال له { صم شوالا } فتركها ولم يزل يصومه حتى مات . وللترمذي وقال : غريب وأبي يعلى الموصلي وابن حبان من رواية صدقة الدقيقي وهو ضعيف عن ثابت عن أنس ، { سئل عليه السلام [ ص: 121 ] عن أفضل الصيام قال : شعبان تعظيما لرمضان وأي الصدقة أفضل ؟ قال : صدقة في رمضان } .

                                                                                                          وذكرت امرأة لعائشة أنها تصوم رجبا فقالت : إن كنت صائمة شهرا لا محالة فعليك بشعبان فإن فيه الفضل . رواه حميد بن زنجويه الحافظ وأبو زرعة الرازي ، وسأل رجل عائشة عن الصيام فقالت : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شعبان كله } . رواه أحمد في مسنده ، وعن أبي هريرة { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان كله ، فقلت : أرأيت أحب الشهور إليك الصوم في شعبان ؟ فقال : إن الله يكتب في شعبان حين يقسم من يميته تلك السنة فأحب أن يأتي أجلي وأنا صائم } رواه أبو الشيخ الأصباني من رواية مسلم بن خالد الزنجي عن طريف ، قال العقيلي في طريف : لا يتابع على حديثه وروى يحيى بن صاعد وابن البناء من أصحابنا هذا المعنى من حديث عائشة . والله أعلم . وقد قال ابن هبيرة في كون أكثر صومه عليه السلام في شعبان قال : ما أرى هذا إلا من طريق الرياضة ، لأن الإنسان إذا هجم بنفسه على أمر لم يتعوده صعب ذلك عليها ، فدرجها بالصوم في شعبان لأجل شهر رمضان ، كذا قال .

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          الخدمات العلمية