الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                          من كرر محظورا من جنس ، مثل أن حلق ثم حلق أو قلم ثم قلم ، أو لبس ثم لبس ولو بمخيط في رأسه ، أو بدواء مطيب فيه ، أو تطيب ثم تطيب ، أو وطئ ثم وطئها أو غيرها ، ولم يكفر عن الأول ، فكفارة واحدة ، نص عليه ، وعليه الأصحاب ، تابعه أو فرقه ، فظاهره : لو قلم خمسة أظفار في خمسة أوقات لزمه دم ، وقاله القاضي ، وعلله بأنه لما بنيت الجملة فيه على الجملة في تداخل الفدية كذا الواحد على الواحد في تكميل الدم . وإن كفر عن الأول فعليه للثاني كفارة ، وعنه : لكل وطء كفارة ; لأنه سبب لها كالأول . فيتوجه تخريج في غيره ، وعنه : إن تعدد سبب

                                                                                                          [ ص: 458 ] المحظور فلبس للحر ثم للبرد ثم للمرض فكفارات ، وإلا كفارة ، نقل الأثرم فيمن لبس قميصا وجبة وعمامة لعلة واحدة كفارة ، قلت : فإن اعتل فلبس جبة ثم برئ ثم اعتل فلبس جبة ، فقال : عليه كفارتان .

                                                                                                          وقال ابن أبي موسى في الإرشاد : إذا لبس وغطى رأسه متفرقا فكفارتان .

                                                                                                          وإن كان في وقت واحد فروايتان ، وعند أبي حنيفة : إن كرره في مجلس تداخلت ، لا في مجالس ، وعند مالك : تتداخل كفارة الوطء فقط . وجديد قولي الشافعي : لا تداخل ، وفي القديم : تتداخل ، وله قول : عليه للوطء الثاني شاة ، كقول أبي حنيفة . لنا ما تداخل متتابعا تداخل متفرقا كالأحداث والحدود وكفارات الأيمان ; ولأنها كفارة لا يتضمن سببها إتلاف نفس ، ككفارة اليمين ; ولأنه وطئ ، فكفر عنه كالأول ، أو محظور فكفر عنه كغيره ; ولأن الله أوجب في حلق الرأس فدية ولم يفرق ولا يمكن إلا شيئا بعد شيء . ولنا على أنه لا تداخل إذا كفر عن الأول اعتباره بالحدود والأيمان . وتتعدد كفارة الصيد بتعدده ، نقله الجماعة ، وعليه الأصحاب ( و ) لأن الآية تدل أن من قتل صيدا لزمه مثله ، ومن قتل أكثر لزمه مثل ذلك ; ولأنه لو قتل أكثر معا تعدد الجزاء ، فمتفرقا أولى ، لأن حال التفريق ليس أنقص كسائر المحظورات ; ولأنها كفارة قتل ، كقتل الآدمي ، أو بدل متلف ، كبدل مال الآدمي . ونقل حنبل : لا تتعدد إن لم يكفر عن الأول ، وحكي عنه مطلقا ، ونقل حنبل : إن تعمد قتله ثانيا فلا جزاء ، ينتقم الله منه . روي عن شريح ومجاهد وسعيد بن جبير

                                                                                                          [ ص: 459 ] والنخعي وقتادة وقاله داود ، للآية ; لأن الجزاء إذا علق بلفظ ( من ) لم يتكرر نحو : من دخل داري فله درهم ، ولأنه قال { ومن عاد فينتقم الله منه } ولقول ابن عباس : إذا أصاب المحرم ثم عاد قيل له اذهب فينتقم الله منك . رواه النجاد . وكسائر المحظورات ; ولأن الأصل براءة الذمة ، والجواب عن الأول أن الجزاء يتكرر بتكرر شرط في محال ، نحو من دخل دوري فله بدخول كل دار درهم . والقتل يقع في صيد وصيود . وعن الثاني أنه لا يمنع ، كقوله في آية الربا : { ومن عاد فأولئك أصحاب النار } وللعائد ما سلف وأمره إلى الله ، وكقوله في آية المحاربة : { ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم } لا يمنع من العزم وعن الثالث يمنع صحته . وللدارقطني عنه في حمام الحرم : في الحمامة شاة ، وبتقديم ظاهر الكتاب والسنة عليه . وسبق جواب الرابع . ويتعدد بتعدد محظورات من أجناس متحدة الكفارة ، نص عليه وهو أشهر ( و ) كحدود مختلفة وأيمان مختلفة ، وعنه : كفارة واحدة وعنه : إن كان في وقت واحد وإلا فلكل واحد كفارة ، اختاره أبو بكر ، قال القاضي وابن عقيل : لأنها أفعال مختلفة ، وموجباتها مختلفة ، كالحدود المختلفة وقيل : إن تباعد الوقت تعدد الفداء وإلا فلا

                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                          الخدمات العلمية