الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال تعالى : إن الله لا يغفر أن يشرك به [النساء : 116] هذا نص صريح بأن الشرك غير مغفور إذا مات صاحبه عليه .

ويغفر ما دون ذلك ، أي : ما دون الشرك ، لمن يشاء من أهل التوحيد .

وهذه المشيئة فيمن لم يتب من ذنوبه من الموحدين ، فإن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه .

وأما من تاب منهم ، وانقلع عن الذنوب ، وندم على ما فعله من المعاصي ، وأناب إلى الله تعالى ، فهو مغفور [له] ، لقوله صلى الله عليه وسلم: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له » ، فالتوبة محاء الذنوب ؛ كبيرها ، وصغيرها .

ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا [النساء : 116] ؛ أي : ذهب عن طريق الهدى ، وحرم الخير كله إذا مات على شركه ؛ لأن الشرك أعظم أنواع الضلال ، وأبعدها من الصواب والاستقامة ، كما أنه افتراء ، وإثم عظيم .

ولذلك جعل الجزاء في هذه الشرطية : فقد ضل ، وفيما سبق : فقد افترى إثما عظيما حسبما يقتضيه سياق النظم الكريم ، وسباقه .

قال السمين : ختمت الآية المتقدمة بقوله : فقد افترى ، وهذه بقوله : فقد ضل ، لأن الأولى في شأن أهل الكتاب ، وهم عندهم علم بصحة نبوته ، وأن شريعته ناسخة لجميع الشرائع ، ومع ذلك فقد كابروا في ذلك، وافتروا على الله.

وهذه في شأن قوم مشركين ليس لهم كتاب ، ولا عندهم علم ، فناسب وصفهم بالضلال . [ ص: 241 ]

وأيضا قد تقدم هنا ذكر «الهدى » ، وهو ضد الضلال . انتهى .

وعن الضحاك : إن شيخا من الأعراب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله ! إني شيخ منهمك في الذنوب والخطايا ، إلا أني لم أشرك بالله شيئا منذ عرفته ، وآمنت به ، ولم أتخذ من دونه وليا ، ولم أوقع المعاصي جرأة على الله، ولا مكابرة له ، وإني لنادم ، وتائب ، ومستغفر ، فما حالي عند الله ؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية . أخرجه الترمذي .

وعن علي -كرم الله وجهه - ، قال: ما في القرآن أحب إلي من هذه الآية .

رواه الترمذي وقال : حسن غريب .

التالي السابق


الخدمات العلمية