الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
وقال تعالى : الله الذي لا إله إلا هو [الحشر : 22] ؛ أي : المعبود الذي لا تنبغي العبادة والألوهية إلا له عالم الغيب والشهادة قدم الغيب على الشهادة ؛ لكونه متقدما وجودا . والمعنى : عالم ما غاب عن الإحساس وما حضر .

وقيل : عالم السر والعلانية . وقيل : ما كان وما يكون . وقيل : الدنيا والآخرة ولا مانع من الحمل على الجميع ؛ فإن اللفظ أوسع من ذلك، والعبرة بعمومه لا بخصوص الأسباب .

وقال تعالى : ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة [التوبة : 94] ؛ أي : يوم القيامة فينبئكم بما كنتم تعملون من الأعمال القبيحة ، ويجازيكم عليها . وفيه وعد وتهديد .

وقال تعالى : عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم [السجدة : 6] ؛ أي : الغالب القاهر ذو الحكمة الباهرة ، في الإخبار عن الغيوب .

وقال تعالى : قل إنما العلم ؛ أي : إن الوقت قيام الساعة علمه عند الله لا يعلمه غيره .

ومثله قوله إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين وأنذركم وأخوفكم عاقبة شرككم وكفركم ، وأبين لكم ما أمر الله ببيانه ، بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهد .

وقال تعالى : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا [الجن : 26] الفاء لترتيب عدم الإظهار على تفرده سبحانه بعلم الغيب .

أي : لا يطلع على الغيب الذي يعلمه إلا من ارتضى من رسول [الجن : 27] ؛ أي : من اصطفاه من الرسل ، أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ؛ ليكون ذلك دالا على نبوته .

قال القرطبي : ليس المنجم ، ومن ضاهاه ، ممن يضرب بالحصى ، وينظر في الكف ، ويزجر الطير ، ممن ارتضاه من رسول ، فيطلعه على ما يشاء من غيبه ، بل [ ص: 432 ] هو كافر بالله ، مفتر عليه بحدسه وتخمينه ، وكذبه . انتهى .

وقال الواحدي : وفي هذا دليل أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حادث ، فقد كفر بما في القرآن .

قال الزمخشري : فيه إبطال الكهانة ، والسحر ، والتنجيم ؛ لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء ، وأدخله في السخط .

قال الرازي : وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه ؛ إذ لا صيغة عموم في غيبه ، فيحمل على غيب واحد ، وهو وقت القيامة ؛ لأنه واقع بعد قوله : أقريب ما توعدون [الجن : 25] الآية .

فإن قيل: فما معنى الاستثناء حينئذ ؟

قلنا : لعله إذا قربت القيامة يظهره ، وكيف لا وقد قال: ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا [الفرقان : 25] ، فتعلم الملائكة حينئذ قيام الساعة .

أو استثناء منقطع ؛ أي : من ارتضاه من رسول يجعل بين يديه ، ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الجن والإنس .

ويدل على أنه ليس المراد أنه لا يطلع أحدا على شيء من المغيبات إلا الرسل : أنه ثبت كما كان يقارب التواتر أن «شقا » و «سطحيا » كانا كاهنين .

وقد عرفا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره ، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى .

فثبت أن الله قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات .

وأيضا أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة ، ويكون صادقا فيها .

وأيضا قد نقل السلطان «سنجر بن ملك شاه » كاهنة من بغداد إلى خراسان ، وسألها عن أمور مستقبلة ، فأخبرته بها ، فوقعت على وفق كلامها .

قال : وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة : أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل ، فكانت على وفق خبرها . [ ص: 433 ]

وبالغ أبو البركات في كتاب «التعبير » في شرح حالها ، وقال : فحصت عن حالها ثلاثين سنة فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخبارا مطابقا ، وأيضا فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة ، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضا .

وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة ، وإن كانت قد تتخطف . فلو قلنا : إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة ، لتطرق الطعن إلى القرآن ، فيكون التأويل ما ذكرناه . انتهى كلامه بمعناه .

قال محمد بن علي الشوكاني -رحمه الله تعالى - : أما قوله : إذ لا صيغة عموم في غيبه ، فباطل ؛ فإن إضافة المصدر ، واسم الجنس من صيغ العموم كما صرح به أئمة الأصول وغيرهم .

وأما قوله : وهو استثناء منقطع ، فمجرد دعوى يأباها النظم القرآني .

وأما قوله : إن «شقا » و «سطحيا » إلخ ، فقد كانا في زمن يسترق فيه الشياطين السمع ، ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان ، فيخلطون الصدق بالكذب كما ثبت في الحديث الصحيح .

التالي السابق


الخدمات العلمية