الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                          صفحة جزء
                                                                                                                                                                                          2146 - مسألة : هل يغرم الجاني مع العاقلة أم لا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : اختلف الناس في هذا : فقال أبو حنيفة ، ومالك ، والليث ، وابن شبرمة : يغرم القاتل خطأ مع عاقلته .

                                                                                                                                                                                          [ ص: 274 ] وقال الأوزاعي ، والحسن ، وأبو سليمان ، وأصحابنا : لا يدخل معهم في الغرامة .

                                                                                                                                                                                          وقال الشافعي : هي على العاقلة ، فما عجزت عنه العاقلة فهو في ماله .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رحمه الله : فلما اختلفوا وجب أن ننظر فيما احتجت به كل طائفة لقولها - : فوجدنا الموجبين على القاتل خطأ أن يغرم مع عاقلته يقولون : إن سعد بن طارق روى عن نعيم بن أبي هند عن سلمة بن نعيم أنه قال : قتلت يوم اليمامة رجلا ظننته كافرا ، فقال : اللهم إني مسلم بريء مما جاء به مسيلمة ، قال : فأخبرت بذلك عمر بن الخطاب ، فقال : الدية عليك وعلى قومك .

                                                                                                                                                                                          قالوا : وروي هذا عن عمر بن عبد العزيز ، ولا يعرف لهما من السلف مخالف .

                                                                                                                                                                                          وقالوا : إنما الغرم على العاقلة تغرم عنه على وجه النصرة له ، فهو أولى بذلك في نفسه - ما نعلم لهم حجة غير هذا ، ولا حجة في قول أحد دون رسول الله صلى الله عليه وسلم .

                                                                                                                                                                                          ثم نظرنا في قول الشافعي ، فوجدناه لا حجة له أصلا ، لا من قرآن ، ولا من سنة ، ولا من قول صاحب ، ولا تابع ، ولا قياس ، ولا وجدناه لأحد قبله - فسقط - وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          ثم نظرنا في قول الأوزاعي ، والحسن بن حي ، وأبي سليمان ، فوجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حكم بالدية على عصبة العاقلة : كما رويناه عن مسلم بن الحجاج نا قتيبة - هو ابن سعيد - نا الليث بن سعد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال : { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتا بغرة عبد أو أمة ، ثم إن التي قضى عليها بالغرة توفيت ، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها } .

                                                                                                                                                                                          ومن طريق مسلم نا إسحاق بن إبراهيم نا جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم النخعي عن عبيد بن نضلة عن المغيرة بن شعبة قال : { ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط فقتلتها وإحداهما لحيانية ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية [ ص: 275 ] المقتولة على عصبة القاتلة ، وغرة لما في بطنها ، فقال رجل من عصبة القاتلة : أنغرم دية من لا أكل ولا نطق ولا استهل ، فمثل ذلك يطل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الأعراب وجعل عليهم الدية } فهذا نص حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم ببراءة الجانية من الدية جملة ، وأن ميراثها لزوجها وبنيها ، لا مدخل للغرامة فيه ، والدية على عصبتها ، وهي ليست عصبة لنفسها ، لا في شريعة ، ولا في لغة .

                                                                                                                                                                                          فصح يقينا أنه لا يغرم الجاني خطأ من دية النفس ، ولا من الغرة شيئا ؟ قال أبو محمد رحمه الله : فإن عجزت العاقلة : فالدية ، والغرة على جميع المسلمين في سهم الغارمين من الزكاة ; لأنهم غارمون ، فحقهم في سهم الغارمين بنص القرآن ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بالدية على أوليائها .

                                                                                                                                                                                          وبرهان آخر : وهو أن الأموال محرمة إلا بنص أو إجماع ، وقد صح النص وإجماع أهل الحق على أن العاقلة تغرم الدية ، ولم يأت نص ولا إجماع بأن القاتل يغرم معهم شيئا ، فلم يحل أن يخرج من ماله شيء ، وبالله تعالى التوفيق .

                                                                                                                                                                                          قال أبو محمد رحمه الله والعجب من احتجاجهم بعمر - رضي الله عنه - وهم قد خالفوه في هذا المكان نفسه ، وفي غيره ، فمما حضرنا ذكره من ذلك : ما رويناه عن معمر عن قتادة : أن رجلا فقأ عين نفسه خطأ ، فقضى له عمر بن الخطاب بالدية فيها على العاقلة - وهم لا يقولون بهذا ؟ .

                                                                                                                                                                                          التالي السابق


                                                                                                                                                                                          الخدمات العلمية